للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دراسات تربوية

صفات المربي.. دراسة تحليلية

أحمد فهمي

في الحلقة الأولى تعرض الكاتب للعوامل المؤثرة على المتربي من أسرة

ومجتمع ومتعلقاتهما الاقتصادية والثقافية، ويرى أن تأثير ذلك كله على المتربي

تأثيرٌ عشوائي، ومن ثم يبقى دور المربي فعالاً وسط هذه العوامل إذا ما اتصف

بمقومات أساسية قسمها الكاتب إلى: مقومات البدء والانطلاق، مقومات الإتقان،

مقومات الاستمرار، وقد أفاض في الحلقة الأولى في معالجة المقوم الأول (البدء

والانطلاق) ، ويبسط القول من خلال هذه الحلقة في المقومين الآخرين: (الإتقان

والاستمرار) .

البيان

ثانياً: مقومات الإتقان:

وهي مجموعة القدرات النفسية والعملية الأساسية التي تساعد المربي - عند

اكتسابها - على رفع مستوى الأداء التربوي.

وهذه القدرات المختارة هي قدرات جامعة للعديد من المهارات والأنماط

السلوكية التربوية التي تندرج تحتها وتشكل في مجموعها - وبتفاصيلها - الجهد

التربوي للمربي في حالة الرشد.

القدرة الأولى: فهم الشخصية وتحليلها:

وما نحتاجه هنا مما يتعلق بهذه القدرة الإجابة عن سؤالين هامين:

أ - لماذا (ومتى) نحتاج إلى فهم شخصية المتربي؟ (الدواعي) .

ب - كيف نفهم شخصية المتربي؟ (وسائل جمع المعلومات) .

أ - لماذا (ومتى) نحتاج إلى فهم شخصية المتربي؟ (الدواعي) . وللإجابة

نقول:

١ - للانتقاء: وهذا أمر لا عوج فيه؛ فإن الطاقات محدودة، فمن ثَمَّ ينبغي

اختيار من يصلح لإعطائه مزيداً من الجهد والتركيز، وقد كان هذا ديدن سلفنا في

اختيار تلاميذهم ومن يحيطون برعايتهم وعنايتهم. يقول الحافظ ابن جماعة: " كان

علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به

في حياتهم ومن بعدهم " [١] .

٢ - لتحديد الميول والإمكانات، ومن ثم ما يصلح له من العمل، والناس

متفاوتون في ذلك تفاوتاً قدرياً من عند الله، وهناك عناصر ثلاثة يتحدد على ضوئها

ما يصلح له المتربي من العمل، فبالإضافة إلى الميول والإمكانات هناك احتياجات

العمل الدعوي؛ والذي يحدث في كثير من الأحيان أن مسار المتربي - في ميدان

العمل الإسلامي - يتحدد وفق العنصر الأخير، والصحيح اعتبار الجميع.

٣ - لتحديد مستوى أمثل للتعامل يراعي النفسيات والمشاعر والفروق الفردية

(القدرات العقلية) :

إن توحيد أسلوب التعامل مع كل الشخصيات أمر غير صواب؛ إذ إنه

يفترِض التماثل في النفسيات والعقول وهذا غير متحقق، بل النفس الواحدة متغيرة، كما أن العقول أيضاً متفاوتة، والمربي الذي يتعامل مع مجموعة من المتربين

ينبغي عليه أن يراعي ذلك في تعامله معهم، وأول خطوة في هذا الاتجاه: فهم هذه

النفوس والعقول وتحليلها، ثم بعدها يحدد أسلوب التعامل مع كلٍّ.

٤ - لمعرفة التغير في مستوى المتربي التربوي وتقويمه من فترة لأخرى؛

وذلك للتأكد من أن العمل التربوي يحقق أهدافه؛ على أن يتم ذلك وفق معايير

موضوعية تقاس عليها المعلومات المتحصلة من تحليل شخصية المتربي ورصدها

ومتابعة تطورها، مع ملاحظة عدم الاقتصار على جوانب محدودة مثل: الجانب

العلمي، الجانب الفكري، والغفلة عن بقية الجوانب مثل: المستوى الإيماني،

والأخلاقي، والحركي.

ب - كيف نفهم شخصية المتربي؟ (وسائل جمع المعلومات) :

هناك وسائل كثيرة لذلك نذكر أهمها:

١ - السؤال والتحري: لمن يعرفه أو يعلم حاله؛ فذلك يوفر وقتاً وجهداً

كبيرين على المربي؛ خاصة لو كان خلفاً لسلف له من المربين عملوا مع

الأشخاص أنفسهم؛ فهنا يتحتم عليه سؤالهم وإلا فهي الفوضى.

وكان من علماء السلف من يتحرى عن تلامذته ليتحقق من حالهم؛ فعن

معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي أنه قال: كان زائدة لا يُحدِّث أحداً حتى يمتحنه؛ فإن كان غريباً قال له: من أين أنت؟ فإن كان من أهل البلد قال: لا تعودن إلى

هذا المجلس، فإن بلغه عنه خيراً أدناه وحدثه.

٢ - الكلام والحوار: فاللسان يعبر عن صاحبه ويبين حاله، ومهما تحفظ

الرجل أظهر لسانه حاله ولو بعد حين؛ إذ اللسان يغرف من القلب، وما أسرَّ أحد

سريرة إلا أظهرها الله على قسمات وجهه وفلتات لسانه؛ فهو بحق ترجمان العقل

والنفس.

وكان بعض الفلاسفة يسأل تلامذته ويستنطقهم ويشجعهم على السؤال، فرأى

يوماً أحد تلامذته صامتاً، فقال له: تكلم حتى أراك.

٣ - الاختبارات: وغالب استخدام هذا الأسلوب للتحقق من مستوى الجوانب

المعلوماتية، ولكن يمكن تفعيله في جوانب أخرى عملية أو نفسية باستخدام صور

متطورة منه مثل الاختبارات النفسية - وذلك حسب الظروف - التي من الممكن

إجراؤها في قوالب غير مباشرة: كالمسابقات، والمباريات الثقافية.

ويرسِّخ ابن جماعة أهمية الاختبار فيقول: " إن الشيخ ينبغي له إن جَهِل حال

تلميذه أن يختبره بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى ذهنه قابلاً وفهمه جيداً

نقله إلى كتاب يليق بذهنه وإلا تركه " [٢] .

٤ - المواقف المفتعلة ومعرفة رد الفعل: وقد يكون ذلك بتتبع ردود أفعاله في

مواقف سابقة من النوعية التي تظهر مكنونات النفس وجوانب القوة والضعف في

الشخصية، وقد يكون أيضاً بمحاولة الافتعال لبعض المواقف التي تظهر هذه الخبايا.

قال ابن الجوزي: " حدثنا محمد بن إسحاق قال: قال لقمان لابنه: يا بني!

إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا

فاحذره " [٣] .

٥ - الاحتكاك والمعاشرة: وبهما تتضح جوانب من الشخصية يصعب أن

تتضح بغيرهما، ولتوضيح ذلك نضرب مثالاً: في كل خلاف بين زوجين لو سألت

أحدهما لقال لك - غالباً -: إنه قد اكتشف في شريكه عيوباً لم يكن يعلمها من قبل، ولو علمها ما اقترن به، فلو قارنت بين ذلك وبين حالهما في بداية الزواج لوجدت

أنهما لم يتزوجا بداية إلا وقد اقتنع كل منهما بالآخر ورضي به بعد سؤال وتمحيص، فما الذي طرأ؟ إنها معرفة الاحتكاك والمعاشرة.

٦ - الفراسة: ونعني بها أن يدرب المربي نفسه على معرفة خبايا النفوس

ومشاعرها من خلال قسمات الوجه والسمت العام.

قال عثمان بن إبراهيم الجمحي وهو من فضلاء التابعين -: " إني أعرف في

العين إذا أنكرت، وإذا عرفت، وإذا هي لم تعرف ولم تنكر: إذا عرفت تَحُوص

- أي تضيق - وتعود لطبيعتها لارتياحها بالفهم بعد تحملقها للإنكار والاستفهام -

وإذا أنكرت تجحظ - أي تبرز وتقسو، وإذا لم تعرف ولم تنكر تسجو - أي

تسكن - " [٤] .

وجلس بعض العلماء يحرر يوماً في مشكلة، والطلبة به محدقون، فقال لهم:

فهمتم؟ قالوا: نعم، قال: لا، لو فهمتم لظهر السرور على وجوهكم [٥] .

القدرة الثانية: الإقناع:

والإقناع لغة: الإرضاء [٦] ، وفي العرف يراد به: نقل حالة القبول أو

الرفض لأمر ما من شخص لآخر، ويكون بالكلام أو الفعل، والأول أغلب.

والمربي يحتاج هذه القدرة إلى درجة كبيرة؛ فهو يحتاج دوماً إلى تعديل

وتغيير قناعات المتربين.

وهذه بعض وسائل الإقناع:

١ - استحضار الأفكار وترتيبها: فالقول دون تفكير سمة الجهال والفوضويين

. قال المنصور لبعض ولده: " خذ عني اثنتين: لا تقل من غير تفكير، ولا تعمل

من غير تدبير. وينبغي في هذه الخطوة تجنب التفكير الأحادي الذي يجعل

المتحاور سجين فكرة واحدة دون النظر لمنظومة الأفكار الأخرى " [٧] .

٢ - حسن العرض للحجة: فالعبرة ليست بحشد الكلمات والألفاظ وسكب

الأفكار في ذهن المتربي.

٣ - نقض الدوافع أو إثارتها: وهناك فرق بين محاولة إقناع المتربي باعتبار

ظاهر فعله وكلامه وبين إقناعه بالنظر إلى دوافعه؛ فالتعامل معه في الثانية أشد

أثراً وعمقاً، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ ففي محاورته

مع الشاب الذي جاء يطلب الإذن بالزنا مثال عملي على ذلك.

٤ - الجواب الحاضر المفحم: فهو يغني عن كثير الكلام في أحيان عديدة.

٥ - التدرج: وهو قاعدة هامة تندرج في معظم وسائل التربية، بل هو أصل

من الأصول الهامة، وبعض المربين تأخذه الحماسة فيريد أن ينقل للمتربي كل

قناعاته العلمية أو النظرية التي تكونت لديه على مَر الزمن دفعة واحدة، فلا يجادل

ولا يناقش، وهذا بالطبع أمر مُتعسر، ولو كان ذلك كذلك لكان أوْلى به الصحابة -

رضوان الله عليهم - أفضل هذه الأمة؛ فعلى الرغم من فضلهم وإيمانهم فقد نزلت

عليهم الأحكام مُنجَّمة؛ بل أحياناً كان الأمر الواحد يُحرَّم عليهم بالتدريج - كما في

الخمر - فما الظن بغيرهم ممن لا يبلغ عشر معشارهم في فضل ولا علم؟

٦ - نقض الأفكار المضادة: افتخر أحد خلفاء بني أمية يوماً بقريش فقال: "

إن الله حبا قريشاً بثلاث: فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: [وأنذر عشيرتك

الأقربين] [الشعراء: ٢١٤] ونحن عشيرته الأقربون، وقال - تعالى -: [وإنه

لذكر لك ولقومك] [الزخرف: ٤٤] ونحن قومه، وقال: [لإيلاف قريش.

إيلافهم] [قريش: ١، ٢] ونحن قريش. فأجابه رجل من الأنصار، فقال: على

رِسْلِكَ؛ فإن الله تعالى يقول: [وكذب به قومك وهو الحق] [الأنعام: ٦٦] وأنتم

قومه، وقال: [ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون] [الزخرف:

٥٧] وأنتم قومه، وقال - تعالى -: [وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا

القرآن مهجورا] الفرقان: ٣٠ [وأنتم قومه، ثلاثة بثلاثة ولو زدتنا لزدناك "] ٨ [.

٧ - إتقان الصمت والاستماع: فذلك يعطي المربي فرصة لكشف أفكار

المتربي ومنطلقاته، وكذا فرصة للتفكير والتركيز. ومن المقولات التي يرددها

خبراء اللغويات النفسية أننا نفكر بأضعاف السرعة التي نتكلم بها، ولذلك فإننا حين

ننصت تكون عقولنا في سباق] ٩ [؛ فحسن الاستماع يتخطى مجرد الصمت وهز

الرأس، بل يستلزم قدرات خاصة باستيعاب ما يُقال وتخزينه في الذاكرة بصورة

منتظمة لاسترجاعه في الوقت المناسب في الحوار] ١٠ [.

٨ - يمكن اعتبار الأساليب الواردة في القدرة التالية من وسائل الإقناع:

القدرة الثالثة: استخدام أساليب غير مباشرة لتبليغ المفاهيم الشرعية الدعوية

حتى ترسخ في النفس والواقع:

يشكو بعض المربين من عدم استجابة كثير ممن يربونهم لتوجيهاتهم بدرجة

تتناسب مع كثرة تكرار هذه التوجيهات، وبنظرة فاحصة لأسلوبهم في التربية

تجعلنا نكتشف قصور مفهوم التربية لديهم وانحصاره في التلقين والتكرار الحرفي

للمفاهيم؛ واختزالُ التربية في هذه الصورة أشبه بالتعبير عنها بحرف واحد من

حروفها، كما أن التكرار بهذه الصورة قد يُحدث أثراً عكسياً يُفقد الكلام جدته وهيبته.

أما توسيع الدائرة واعتماد أساليب غير مباشرة في التربية فله أثر قوي

وفاعلية بإذن الله، كما أنه يجعلنا نجتني فائدة التكرار مع تجنب عيبه، وأيضاً فهو

يتناسب مع كون التربية تحتفي بالبناء الرأسي في العمق قبل البناء الأفقي.

وفيما يلي طائفة من هذه الأساليب - وإن كان المطلوب من المربي أن يبدع

ويأتي بالنادر الطريف ولا يكتفي بالنسج على منوال الآخرين:

١ - استخدام الحكايات: وقد سبق الكلام عنها في صفة حسن السمت؛ فلها

أثر عجيب في النفس، ويكفي أن القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية ممتلئان بها، وقد

تعدل حكاية صغيرة في سطرين كلاماً طويلاً في صفحات، فضلاً عن أنها تفوقه

أثراً وثباتاً في النفس والعقل، قال البرقي: " الحكايات حبوب تُصطاد بها

القلوب "] ١١ [.

٢ - ضرب المثال: ويقصد به: ادعاء التماثل الجزئي أو الكلي بين شيئين

أو حالين طلباً لإثبات أو إيضاح أحدهما اعتماداً على ثبوت أو وضوح الثاني.

فهو يُستخدم إذن في تقريب المعنى وإيضاحه والإقناع به والحث على الفعل

ونحو ذلك، وله في ذلك تأثير عظيم، وهو أسلوب شائع الاستخدام في الكتاب

والسنة. قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث " النخلة ": " وفيه ضرب الأمثال

والأشباه لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن، ولتحديد الفكر في

النظر في حكم الحادثة "] ١٢ [.

وله صور عديدة: فقد يكون تشبيهاً رمزياً للبشر وأحوالهم بالنبات أو الحيوان

أو الجماد.

وقد يكون هذا المثال الرمزي مُعَايَناً، كما في حديث أنس بن مالك - رضي

الله عنه - قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم غصناً، فنفضه فلم ينتفض، ثم

نفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فانتفض (لاحظ الانتفاض في الثالثة) قال: " إن

سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ينفض الخطايا كما تنفض الشجرة

ورقها "] ١٣ [.

وقد يكون المثال الرمزي " تخيُّلياً " كقوله تعالى:] مثل الذين حملوا التوراة

ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا [] {الجمعة: ٥} [.

ومثله: كان الإمام أحمد يقول لبعض أصحابه: " كم يعيش أحدنا: خمسين

سنة؟ ستين سنة؟ كأنك بنا قد متنا، ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي

فسقط "] ١٤ [.

وقد يكون المثال تشبيهاً بأحوال البشر وأفعالهم: فيكون افتراضياً؛ فعن يعلى

بن عبيد قال: سمعت سفيان الثوري يقول: " لو كان معكم من يرفع الحديث إلى

السلطان أكنتم تتكلمون بشيء؟ قلنا: لا، قال: فإن معكم من يرفع الحديث ...

يعني إلى الله "] ١٥ [.

وقد يكون حقيقياً؛ فقد قال عبد الواحد بن زيد للحسن البصري وكلاهما من

التابعين -: " يا أبا سعيد! أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي

صفرة، إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه، فقال الحسن: يا ابن أخي! كم يد

عقرت الناقة؟ قلت: واحدة، قال: أليس قد هلك القوم جميعاً برضاهم

وتمالئهم؟ "] ١٦ [.

٣ - افتعال المواقف: ومَثَلُه حديث جبريل - عليه السلام - لما حاكى فعل

الغريب السائل الطالب للعلم، فقدم وجلس وسأل ومضى؛ فالنظر إلى أثر افتعال

هذا الموقف وما ذكر فيه العلماء من الفوائد يُبين أهمية هذه الوسيلة، وأنه لو كان

المطلوب مجرد تلقين المعلومات لأجلسهم النبي صلى الله عليه وسلم، وعرَّف لهم

الإسلام والإيمان والإحسان وذكر علامات الساعة وانتهى الأمر.

٤ - الحث على السؤال وفتح المجال له: ففيه تنشيط للذهن ودفع لتمام

الاستيعاب وسد ثغرات الفهم بالسؤال، قال عكرمة يوماً لتلاميذه يحثهم على السؤال: ما لكم لا تسألوني؟ أأفلستم؟

٥ - التلغيز: وهو السؤال المحير للفهم المشكل على سامعه ومنه حديث

النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن عمر قال: " إن من الشجر شجرة لا

يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي،

قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت - لصغر سني - ثم قالوا:

حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة "] ١٧ [.

قال ابن حجر في فوائده: " وفيه امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفي مع

بيانه لهم إن لم يفهموه "] ١٨ [.

وقال أيضاً: " وفيه أن المُلغِّز ينبغي له ألا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل

للمُلَغَّز له باباً يدخل منه، بل كلما قَرَّبه كان أوقع في نفس سامعه "] ١٩ [.

٦ - الكناية عن الأمر بعاقبته: ومعلوم ما في ذلك من دوام الترهيب أو

الترغيب واستحضاره في النفس وتذكره على الدوام، كما قال النبي صلى الله عليه

وسلم في غزوة بدر لأصحابه يحثهم على القتال: " قوموا إلى جنة عرضها

السموات والأرض "] ٢٠ [.

٧ - إذكاء روح التنافس في الخير: من الثابت في علم النفس أن المنافسة

وسيلة فعالة لرفع المستوى وتنمية الموهبة، وأن انعدامها بين الأفراد من شأنه أن

يُبطئ ذلك.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - المربي الأول - يستخدم هذا الأسلوب

في تربية الصحابة، وهناك السباق المشهور في الخير والطاعات بين أبي بكر

وعمر - رضي الله عنهما - الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحفزه ويشجعه،

وقد فاز أبو بكر بهذا السباق حتى قال عمر: والله! لا أسابقك بعدها إلى شيء أبداً.

٨ - استخدام الحِيَل: فقد تستعصي بعض المفاهيم على القبول لدى بعض

الأشخاص فلا بأس من استخدام الحيل المشروعة لتحقيق ذلك.

ومن ذلك احتيال عبد الله بن المبارك لكي يغير فكرة الأوزاعي عن أبي حنيفة

؛ فقدم له بعض مؤلفاته من غير أن يكون عليها اسمه الحقيقي، فلما أعجب بها

أخبره بأنها من تأليف أبي حنيفة، فتغيرت فكرته عنه وصار يُجِلُّه] ٢١ [.

القدرة الرابعة: الاحتواء النفسي:

وهو أن تنشأ بين المربي والمتربي علاقة نفسية قلبية قوية من الحب في الله،

يكون المربي هو المُوَجِّه فيها بحيث يرتبط المتربي به ارتباطاً نفسياً يرفع من

مستوى قبوله وامتثاله لتوجيهات مُربيه ويُيسر عملية التربية.

ويمكن تلخيص كيفية اتصاف المربي بهذه القدرة في: أن يهتم بالتفعيل القوي

لحقوق الأخوة بمعناها الشامل، مع التركيز على الجوانب ذات التأثير النفسي القوي، حتى يكون له تواجد مؤثر على خريطة المتربي النفسية - بدون اقتحام فيما لا

يعنيه -.

والمربي يلزمه قبل ذلك أن يتحلى بأمور لها تأثير فعال على تحقق هذا

الاحتواء النفسي - وإن كانت غير مباشرة - وهذه الأمور مثل: حرصه على أن

يتصف بسلامة النية وتجنب المسالك الملتوية في التعامل مع الناس. يقول ابن

حزم: " احرص على أن توصف بسلامة الجانب، وتحفَّظ من أن توصف بالدهاء فيكثر المتحفظون منك "] ٢٢ [.

وأيضاً يتصف بحسن معاملة الناس، فيعاملهم بمكارم الأخلاق، والإيثار

وترك الاستئثار، والتحلي بالإنصاف وترك الاستنصاف، وشكر التفضل] ٢٣ [،

مع التنزه عن الاستعانة بأحد من تلاميذه في مصلحة خاصة به، " وقد كان منصور

بن المعتمر لا يستعين بأحد يختلف إليه - يعني لطلب العلم - في حاجة "] ٢٤ [

وغيرها من الصفات المشابهة.

وبتأملنا مسلك السلف في التعامل مع تلاميذهم يتبين لنا أنه كان لهم منهج

واضح في مشاركة تلاميذهم مشاكلهم وسعيهم في مساعدتهم؛ بحيث إن الشيخ كان

له تأثير عظيم في نفسية تلميذه وهذه بعض ملامح هذا المنهج:

كانوا يُظهرون الاهتمام والإقبال على جلسائهم وتلاميذهم: يقول ابن

عباس - رضي الله عنهما -: " أكرم الناس جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إ ليَّ، لو استطعت أن لا يقع الذباب عليه لفعلت "] ٢٥ [.

الاهتمام بالتعرف عليهم وعلى ظروفهم. يقول ابن جماعة: " وينبغي أن

يتعلم أسماءهم وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم ويكثر الدعاء لهم بالصلاح "] ٢٦ [.

الحنو عليه والرفق به، يقول ابن جماعة: " ويعامله بما يعامل به أعز

أولاده من الحنو والشفقة عليه والإحسان إليه "] ٢٧ [.

مساعدته في تذليل الصعاب والتغلب على الظروف المعوقة لطلب العلم،

ومن ذلك أن أسد بن الفرات كان يريد السماع على محمد بن الحسن الشيباني،

فحضر إليه وقال: " إني غريب - من القيروان - قليل النفقة والسماع منك نَزْر،

والطلبة عندك كثير، فما حيلتي؟ فقال له: اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت

لك الليل وحدك، فتبيت عندي وأسمعك، قال أسد: وكنت أبيت عنده وينزل إليَّ،

ويجعل بين يديه قدحاً فيه ماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل ونعست، ملأ

يده ونضح وجهي بالماء فأنتبه، حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه. كما كان

يتعهده بالنفقة إذا نَفدت نفقته "] ٢٨ [.

ثالثاً: مقومات الاستمرار:

وهذه المقومات يجمعها لفظ الصبر، ويُفَرِّقُها وينوعها مجالاته.

ولأن العمل التربوي هو في مجمله محاولة للتأثير في نفس وسلوك الإنسان

فإن ذلك يقترن - ولا بد - بكمٍّ من الصعوبات والمعوقات - تنبعث من تعقد النفس

البشرية وتردِّي الظروف المحيطة - تحتاج من المربي أن يعالج نفسه بالصبر ليقدر

على مواصلة الجهد - وبالمستوى نفسه إن لم يكن أرقى - وإن من أهم الوسائل

التي تُعين المربي على التصبر أن يتذكر دائماً اقتران الأجر الأوفى بالصبر، وكذا

اقتران النتائج الكبيرة به أيضاً، كما يتذكر أن الله - سبحانه وتعالى - قد ذكر على

لسان نبيه أن أحب العمل إليه ما استمر عليه صاحبه ولم يقطعه وصبر عليه وإن

قلَّ؛ لأنه بذلك تزداد احتمالات الوصول للأهداف الموضوعة لهذا العمل:]

واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك

عنهم ... [] الكهف: ٢٨ [.

وليتأمل المربي في واقعنا العام والعمل الإسلامي على وجه الخصوص، ليجد

هناك ظاهرة فوضوية تشوب الكثير من أعمالنا، وهي ظاهرة أحجار الأساس؛

حيث نكتفي في أعمالنا بوضع حجر الأساس ولا بأس بحجر آخر أو حجرين معه -

ونعتبر ذلك إنجازاً -.

إنها ظاهرة الأعمال المبتورة التي لا تكتمل؛ ولو أجرينا إحصاءاً لمرات البدء

في الأعمال المختلفة في ميدان العمل الإسلامي ثم أحصينا كم من الأعمال بلغت

منتصف الطريق، ثم تفقدنا الأعمال التي بلغت نهايتها المرجوة أو كادت، فكم يا

تُرى يكون حجم التفاوت العددي في الحالات الثلاث؟ !

فالمربي يحتاج إذن إلى الصبر وإلى مجاهدة النفس عليه في مجالات كثيرة،

أهمها: الصبر على البذل والتضحية.

والمربي يحتاج إلى مداومة البذل والصبر عليه، البذل من وقته وراحته وبيته

وماله، وقد سبق كيف كان السلف ينفقون من أموالهم على تلاميذهم - خاصة

النجباء منهم - وعدم تضجرهم من ذلك إن استطاعوا.

وقال محمد بن سلام - شيخ البخاري - " أنفقت في طلب العلم أربعين ألفاً،

وأنفقت في نشره أربعين ألفاً "، ومثل هذا - ولا شك - يحدث كثيراً في عصرنا

ولكن بقلب " أنفقت " إلى " جمعت ".

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع بالصحابة في دار الأرقم لتعليمهم

وتربيتهم، وأحياناً بمنزله صلى الله عليه وسلم، ثم كان الصحابة يفتحون بيوتهم

لتلامذتهم مثل عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ومن بعده مالك بن أنس،

وقبيصة بن ذؤيب، وأبي غطفان بن طريف المري ... وغيرهم كثير] ٢٩ [، وقد

مر كيف فتح محمد بن الحسن بيته لابن الفرات فكان يؤويه ويعلمه وينفق عليه.

والمربي أيضاً يحتاج إلى الصبر على تأخر ثمرة العمل التربوي - نسبياً -

فضلاً عن احتمالات ضياع بعضها أو تلفها.

ويحتاج أيضاً إلى الصبر على جفاء بعض الطباع وخشونة التعامل؛ فهذا

نبينا - عليه الصلاة والسلام - وقد أقيمت الصلاة حين يأتي أعرابي فيأخذ بثوبه

ويقول: إنما بقي من حاجتي يسيرة وأخاف أنساها، فيقوم صلى الله عليه وسلم معه

حتى يفرغ من حاجته - والصلاة مقامة - ثم أقبل فصلى] ٣٠ [.

وقد ذكر ابن جماعة أن من أدب المعلم مع تلميذه: " الصبر على جفاءٍ ربما

وقع منه أذى لا يكاد يخلو الإنسان عنه، وسوء أدب في بعض الأحيان، ويبسط

عذره بقدر الإمكان، ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف لا بتعنيف

وتعسف، قاصداً بذلك حسن تربيته "] ٣١ [.

وأخيراً:

نختم بذكر الأمر الثاني الذي ينبغي توافره في النموذج المعتدل

للمربي، وهو: أن يكون تحقق الصفات والمؤهلات السابقة فيه حدٌّ أدنى لا يتأهل

الداعية بالنزول عنه للعمل التربوي.

وهنا ملاحظات غير عابرة:

أولاً: هذا الحد الأدنى يختلف باختلاف الظروف والأحوال؛ فهو يتغير من

بيئة دعوية إلى أخرى، وحسب تعقُّد العمل وتوفر الكفاءات، كما أنه يتغير بتغير

حجم المسؤولية التربوية؛ فالذي يتولى تربية عدد كبير ليس كمن يعمل مع أشخاص

محدودين، كما أن الذي يربي أشخاصاً حديثي عهد بالدعوة، ليس كمن يعمل مع

دعاة متمرسين.

ثانياً: لتحقيق قدر من المرونة والواقعية - ونظراً لضعف عملية التنمية

البشرية - قُسمت المقومات وفق ابتداء تأثيرها، وهذا يعني أن أهمية تحقق كل قسم

منها في بداية العمل في شخص المربي متفاوتة؛ فمقومات البدء لا مفر من تحققها

تماماً - وفق البند السابق - ومقومات الإتقان يمكن التجاوز فيها قليلاً، على أن يبدأ

سد الخلل فيها بعد البدء مباشرة وإلا ظهر أثر ذلك على العمل التربوي.

وأما مقومات الاستمرار فيمكن العمل على تنميتها وترسيخها أثناء ممارسة

العمل التربوي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


(١) التذكرة، ص ٦٣.
(٢) التذكرة، ص ٥٦.
(٣) الأذكياء، ابن الجوزي، ص ٢٤.
(٤) صفحات من صبر العلماء، ص ٢٠٠ الهامش.
(٥) التذكرة، ص ١٠٥ الهامش.
(٦) القاموس المحيط، ص ٩٧٧.
(٧) مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والساسي، د حسن وجيه ص ٢٨.
(٨) المستطرف، ص ٩١.
(٩) علم التفاوض، ص ٢٠٣.
(١٠) المصدر السابق، ص ٢٧.
(١١) النظم التعليمية، ص ٦٩.
(١٢) فتح الباري، ص ١٧٧.
(١٣) صحيح الأدب المفرد، البخاري، بتحقيق الألباني، ص ٢٣٧.
(١٤) صفحات من صبر العلماء، ص ١٥١.
(١٥) حلية الأولياء، ج٧/٧٠.
(١٦) الزهد للإمام أحمد، ص ٢٨٩.
(١٧) البخاري، ح/٥٩.
(١٨) فتح الباري، ص١٧٥-١٧٦.
(١٩) المصدر السابق، ص١٧٦.
(٢٠) مسلم، ح/٣٥٢٠.
(٢١) الخطيب البغدادي في تاريخه، ج١٣/٣٣٨.
(٢٢) مداواة النفوس، لابن حزم، ص٧١.
(٢٣) التذكرة، ص٢٣.
(٢٤) التذكرة، ص١٩؟ .
(٢٥) التذكرة، ص٤٩.
(٢٦) المصدر السابق، ص٦٠.
(٢٧) المصدر السابق، ٤٩.
(٢٨) صفحات من صبر العلماء، ص١١٩.
(٢٩) النظم التعليمية، ص٤٠.
(٣٠) صحيح الأدب المفرد، ص١٢٠.
(٣١) التذكرة، ص٤٩-٥٠.