للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الورقة الأخيرة

[هوى الخلاف أم خلاف الهوى؟]

وليد بن خالد الجهني

الخلاف سنة بشرية يعكس في حقيقته اختلاف الطبائع والنفسيات وتفاوت

المدارك والتصورات؛ ومع ذلك فإن التعامل مع السنَّة البشرية يجب أن يكون بعيداً

عن التسليم المطلق أو المواجهة المطلقة؛ فالنفس مجبولة على خصال من الشر،

كما أنها مجبولة على خصال من الخير، قال تعالى: [وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ]

(البلد: ١٠) .

والتسليم بهذه الحقيقة غير التسليم لها؛ فالتسليم لهذه الخصال بدعوى الواقعية

مهلك ولا شك، كما أن إنكارها والتعالي على فهمها في اتجاهات الآخرين وتسويغ

فعالهم هو جنوح إلى عالم الخيال أو المثال.

ويبقى بعد هذا وذاك أن المسؤولية الشرعية تقع على ما يملكه الإنسان من

التجرد لله من شوائب الهوى، وحظوظ النفس، لا على ما لا يملكه من طبيعة

التنشئة واختلاف المدارك، وفرق كبير بين الأمرين.

الخلاف رحمة باعتبار، وبلاء ونقمة باعتبارات أخرى، ويبقى وجود الهوى

أو عدمه العامل الأساس لقلبه من الرحمة إلى النقمة أو العكس؛ فانتفاء الهوى حتى

مع بقاء الخلاف يلقي بظلال الود ويزيح معاني التطرف في التعامل مع المخالف،

ويبقى الأمر في أشد الظروف في دائرة: «إخواننا بغوا علينا» كما قال علي

بن أبي طالب رضي الله عنه.

والمتأمل في ساحة العمل الإسلامي يلاحظ بوضوح أن بلايا الخلاف الواقع

ورزاياه في أحوال كثيرة ليست في ذات الخلاف الناشئ عن اختلاف المدارك

والتصورات والخلفيات بقدر ما هي في شطحات الهوى المصاحبة لهذا الخلاف التي

تخرج به عن دائرة العقل والدين! إن جمع الأمة على عقل واحد يبقى أمنية مغرقة

في الخيال، ولكن جمع الأمة على أدبيات واحدة يبقى غاية لا بد من أن تنال بإذن

الله تعالى.

والواقع المؤسف أن خلطاً واسعاً يجري بين الخلاف الذي تبقى ساحته هي

الآراء والأفكار بل والتطبيقات الفرعية القابلة للاجتهاد، وبين الاختلاف الذي لا

يقتات إلا صفاء القلوب، وسلامة الصدور، وطهارة الألسن.

فالخطاب الإسلامي يجب أن يتوجه من نبذ الخلاف إلى نبذ الهوى في الخلاف

أو خلاف الهوى، وهذا بدوره سوف يؤدي إلى توسيع دائرة المتفق عليه على

حساب دائرة المختلف فيه، ثم بعد هذا يبقى أن هناك فرقاً بين الخلاف في الآراء

والخلاف في الأداء.

فليس كل خلاف في التنظير يجب أن يتحول إلى خلاف في التطبيق؛ فساحة

التنظير أوسع من ساحة التطبيق، ومرونة الآراء أرحب من مرونة الأداء، وتبقى

قضايا التنوع والراجح والمرجوح والفاضل والمفضول، والحسن والأحسن، أيسر

من أن تترجم إلى مفاصلة عملية بين حدين متضادين! فالتطاوع في الأعمال لا

يعني التطابق في الأذهان وإلا لما نِيلَ التطاوع [١] وإن طال الزمان.

وعلى كل حال فستبقى هنالك ثوابت لا تقبل التطاوع؛ لأن التطاوع فيها نوع

من التنازل والتراجع، وليست المشكلة في خفاء هذا بقدر ما هي في التباس

الثوابت بالمتغيرات؛ فالشريحة الكبرى من الصحوة لا تعاني من التنازل عن

ثوابتها، بحجم المعاناة من المفاصلة على أمور ليست من الثوابت أو كبريات

القضايا في شيء، وفي كلٍّ شر.

ويبقى الجهل والهوى هو المحضن الخبيث لتفريخ بيض الخلاف في الأقوال

اعتداداً وغروراً وخوضاً في الأعراض وتمادياً في الإعراض، وفي الأعمال هجراً

وصدوداً وإيقافاً لعجلة الخير، ودفعاً لعجلة الشر.

وأخيراً فإن أحادية التفكير وتسطيح الأمور وإرجاع القضايا إلى بُعْدٍ واحد أمر

مرفوض ولا شك؛ ولكن يبقى أن في الأمور تبايناً، ولكل أمر ثقله، ولكل رأس

أُسَّه.


(١) لفظة التطاوع مأخوذة من وصيته صلى الله عليه وسلم لأبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما لما بعثهما إلى اليمن بأن يتطاوعا ولا يختلفا، البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: ١٦٤،
ح/ ٣٠٣٨.