للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

نصوص شعرية

صرخة في طريق المجد

عبد العزيز بن غرسان الشهري

جُرحٌ مضى وهناكَ جُرحٌ بادي ... ومصائبٌ جلت عن التّعدادِ

في كلّ ناحية وكل ثَنيّةٍ ... جُرحٌ يَصيحُ بأمتي ويُنادي

حتى متى فرْعَونُ يقْهرُ عزتي ... وإلى متى هَامَانُ ينهبُ زادي؟

وإلى متى سيظلّ يُقلقُ راحتى ... كسرى، وقيصرُ يسترقّ بلادي؟

ما في الممالك والمدائن سالمٌ ... من سوط جبار وصولة عَادي

كم تَستَغيثُ وتستجيرُ وما ترى ... إلا جماداً، أو شبيه جَمَادِ!

****

أبناءُ جلدتنا وفي نظراتهمْ ... حقدُ الصليب وخسّةُ الموسادِ

فتحوا لأهْل الشّرّ كلَ مُغَلّقٍ ... وغَدَوا لأهْل الخير بالمرصادِ

نصبوا العداءَ فليسَ يُغلقُ منبرٌ ... إلا ويُفْتَحُ للفساد نوادي

والكفر يرتَعُ في الممالك آمناً ... وشريعة الرحمن في الأصْفَادِ

وأئمةُ الإصلاح في أوطاننا ... ملؤا السّجُونَ بتهمة الإفسادِ

والقُدسُ مثخنةً تئنّ وفي رُبى ... مدريدَ مدوا للسلام أيَادي

في ما مضى كنا نراهُ خيانةً ... واليومَ نركُضُ خلفَهُ ونُنادي

بالأمس طارقُ جَاءَهَا مُتوشحاً ... سيفاً ليرفعَ رايةَ الأمجادِ

ماذا يظنّ ويُرتَجَى من معشَرٍ ... خانوا كتائبَ طارق بن زيادِ

رباهُ جئتُكَ لا لغيركَ طالباً ... ولغير بابكَ ما أنختُ جَوَادي

****

ألمي يطول فَأمّتي في حيرةٍ ... من فُرقَة العُلماء والعُبّادِ

الحقّ بينَ تَخَاصم وتَقَهقُر ... والكُفر بينَ تضافرٍ وتمادي

زُرعَ الخلافُ بأرضها حتى غدَتْ ... مزَقاً من الأضغان والأحقادِ

تغزى فتُهرَعُ ويحَ عُمري للعدا ... كفريسة هُرعت إلى الصيادِ

والفقرُ يفتكُ بالبلاد ومَالُها ... يُجبَى لأهل الكُفر والإلحادِ

إني لأعجبُ كيفَ تُنصَرُ أمةٌ ... عَبَثاً بغير شريعة وجهادِ

ما دُمتِ مُعْرِضَةً وسيفُك مغمدٌ ... فالمَجدُ في واد، وأنتِ بوادِ

****

أنا مسلمٌ يا قوم تجري في دمي ... شيَمُ الأباةِ ونَخوَةُ الأجدادِ

قد راعَ تكبيري كَنائسُ قيصَرٍ ... وارتَاعَ كسرى من صَهيل جيَادي

نفسي عليّ عزيزةٌ وكرامتي ... لا تُشتَرى بالوَعد والإبْعَادِ

والقلبُ مني باليقين قد ارتوى ... ثقةٍ فلستُ أشُكّ في الميعادِ

والله لا النمرودُ يوهنُ همتي ... أبداً ولا فرعَونُ ذو الأوتَادِ

أنا لستُ أخشى حربَهُم وسياطَهُم ... كلا ولا أخشى من الجَلادِ

إن مادَ جسمي للسياط وللأذى ... فالقلبُ مني ليسَ بالمَيّادِ

إن آثروا سجني فسجني خَلوةٌ ... وسياحتى في النفي والإبعادِ

أوْ سرّهُم قتلي فلستُ بجازع ... فالموت غايةُ مطلبي ومُرادي

عَجبوا، وما عجبوا لشيء مثلما ... عَجبوا لطول تصبّري وعنَادي

ضدان ما اجتمعا لطالب عزةٍ ... شَرَفُ النفوس وراحةُ الأجسادِ

****

يا قوم قد بانَ الطريقُ فهل تُرى ... أزفَ الرحيل إلى ذُرى أمجادي

سيروا على سنن الأبَاة وشمّروا ... حذراً، فما في الدرب غيرُ قتادِِ

أدوا الأمانة قبل ألا تملكُوا ... إلا البُكاءَ وحُرقَةَ الأكْبَادِِ

إني أرى أيامكم قد أصْبَحَتْ ... حُبلى، وأرقُبُ ساعَة الميلادِ

وتوغلوا في كل درب نافع ... لا تتركوا الميدان للأوغادِِ

كم منهل عذب، وكم من مورد ... للخير يشكوا قلةَ الوُرّادِِ

ربوا النفوسَ على الثّبَات سجيةً ... عندَ الحَوادث فالخُطوبُ غوادي

وتريثوا فالنصر ليسَ بخُطبة ... تُلقى وليسَ بوفرة الأعدادِِ

ما حاجة الأمجاد إلا وقفةٌ ... في الحادثات كوقفة المقْدادِِ

كم راية بالأمس أوْقدَ نارُها ... لم يبقَ منها اليومَ غيرُ رمادِ

هي رايةٌ للحقّ إلا أنها ... رُفعت بغير بصيرة ورشادِ

ما قلة الأعداد نشكوا إنما ... تشكو الكتائبُ قلة الإعدادِ

محَنُ الزمان تَمَيزُ إنْ هي أقبلت ... بينَ الأسُود وصُورة الآسادِ

وتَسُفُ ريحُ الجدّ كلّ مُخلخلٍ ... في الدرب ليس بثابت الأوتادِ

حتى إذا زكت النفوسُ وهُيئت ... للنصر جاء النصرُ كالمُعتادِ

تأتي البشائرُ بعدَ طول مشقةٍ ... كالغيث بعدَ البرق والإرعادِ