للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قضايا دعوية

[التقنية والعمل الدعوي ضرورة شرعية ملحة]

د. سليمان بن محمد بن فالح الصغيّر [*]

المتأمل واقعََ العمل الدعوي ومناشطه يرى ولله الحمد أنه يجري من خلال

قنوات عديدة ونشاطات متميزة في الدعوة والإرشاد إلى دين الحق، وتمثله هيئات

ومؤسسات حافلة بالأعمال الإسلامية المختلفة، وساحاته الإعلامية آخذة في شق

طريقها بقوة وثبات ترعاها بتوفيق الله أيدٍ مخلصة حتى علا بعضها منابر دعوية

انتشر صيتها وارتفع ذكرها، ولا نملك إزاء تقصيرنا تجاهها إلا أن ندعو لهؤلاء

بأن يخلص الله لهم العمل، ويحقق الهدف الذي يؤمَّل من رجالها وأنصارها بل

وعامة الأمة الإسلامية.

ولكن الملاحظ أن الساحة الإعلامية الإسلامية قلما تتطرق في صحفها

ومنابرها إلى الحديث عن التقنية ومنجزاتها، وإن تطرقت فبشكل نادر؛ وغالباً ما

يكون ذلك من جهة عامة باعتبار أنها ليست الغاية أو الجانب الأهم في حياة الإنسان،

وهي وإن كانت كذلك، فليس معناه أن يكون موقف العمل الدعوي سلبياً، وفي

المقابل حينما نتأمل الأعمال المهنية والتقنية وساحاتها الإعلامية نجدها بعيدة عن

ربط مبادئ الإسلام وقيمه وآدابه وأحكامه في ذلك الشأن، وبمعنى أدق: لماذا نرى

النشاطات التقنية تكاد تخلو من ربط التقنية بمفاهيم الإسلام وآدابه وأحكامه وبخاصة

في المجلات والصحف التي تعنى بالجوانب التقنية، وغالباً ما يصطبغ طرح

الموضوعات المهنية والتقنية فيها بصبغة دنيوية جافة ليس فيها ذكر للإيمان والنية

وابتغاء وجه الله والدار الآخرة.

إن ذلك فيما أرى يستوجب مضاعفة الجهود وتكاتف فئات المجتمع. ويعظم

دور العلماء والدعاة في ضرورة توجيه أعمال المهن في منظومة العمل الدعوي

ومجالاته الرئيسة، والسعي إلى ترابط الجهود الدعوية والتنسيق التعاوني بين

ساحاتها الإعلامية ومع جهود رجالات الدعوة وإسهاماتهم من خلال مجالات

تخصصاتهم التقنية والمهنية والفنية، وتشجيع البحث العلمي والتقني بين المسلمين

بإنشاء المراكز للبحوث العلمية والتقنية، والعمل على نشر العلوم التطبيقية والتقنية

انطلاقاً من تصور إسلامي صحيح، وإحياء المفهوم الصحيح للبحث العلمي والتقني

في الإسلام وتعميقه في نفوس المسلمين، وإبراز الإشارات العلمية في القرآن

الكريم، ووضع سياسات علمية وتقنية دقيقة ومستقرة للعالم الإسلامي.

أليس الإسلام دين العلم؟ بل لم يعرف التاريخ أمة من الأمم رفعت من شأن

العلم وأهله كأمة الإسلام؟ فَلِمَ لا تُربَط العلوم الحديثة بأهداف الإسلام وغاياته

ومبادئه وأحكامه كلما طرحت؟ ولماذا لا يركز العلماء والدعاة على هذا الجانب

الهام في العمل الدعوي؟ لا نجد مسوغاً يجعل العمل الدعوي بمنأى عن العمل

المهني والتقني؛ فالعصر عصرها، وضرورة توضيح قيمة هذه الأعمال المهنية

والتقنية في الإسلام قائمة وملحة؛ فإن تعزيز العلاقة وتنمية روابطها بين كل من

العملين من شأنها أن توحد الجهود ويعظم تأثيرها. نعم! قد نرى شيئاً من ذلك

الربط في مجلة (الإعجاز) مثلاً التي تصدر عن هيئة الإعجاز العلمي في القرآن

والسنة برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وإن كانت ذات توجه تخصصي

أكثر؛ مما قد يكون أثَّر على انطلاقها المأمول في الساحة الإعلامية والدعوية.

فمن هنا تبرز أهمية طرح المفهوم الإسلامي للعمل التقني والمهني وربطهما

بالمفهوم الإسلامي والمبادئ والقيم والآداب والأحكام التي جاء بها حتى تتبين أهدافه

وتتضح غاياتهُ وتَمَيُّزُ أحكامِهِ واختصاصه بالشمولية. ونظرة الإسلام إلى العلم

بعامة والحِرَف والمهن التقنية بخاصة نظرة كلها تكريم وإجلال تكمن في أنه جعلها

ضرورة من ضروريات الحياة، كما رتب عليها الأجر وجعلها من أفضل وسائل

الكسب، ورفع من شأن تعلمها وتعليمها حتى جعلها في ذاتها عبادة ما دامت في

حدود ما شرعه الله تعالى، وجعل أداءها وإتقانها والإخلاص فيها غاية يجب أن

يسعى إليها المسلم، وإذا أدرك الإنسان حقيقة الإيمان وجد باعثاً من داخل نفسه إلى

العمل في مجالات الحياة المختلفة ليقوم بمهمته في عمارة الأرض؛ وأعرض على

سبيل المثال بعض ما تضمنته مبادئ الإسلام وما جاء به من قيم وأحكام في أداء

العمل، وبخاصة العمل المهني الذي هو أصل التقنية ويلتحق به كل جديد في

عالمها اليوم.

إن ارتباط السعادة بالعمل في الإسلام ليس مقصوراً على الدار الآخرة وحدها،

بل يجري الجزاء عليه في الدنيا؛ فمن سنن الله فيها أن يُعطي كل عامل مجدٍّ

ثمرة عمله؛ فالطالب أو المدرس أو الصانع أو المزارع أو التاجر يدعوه دينه إلى

أن يكون عاملاً مثابراً مخلصاً متقناً لعمله؛ لأن الله يحب إذا عمل أحدنا عملاً أن

يتقنه، ولهذا نستطيع أن نقول: إن العمل التقني سبب لحصول ثمرته من سعادة

وأجر دنيوي وأخروي فيما إذا سُخِّر لصالح الأمة.

ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتقنون مهن الحياة: زراعة، وتجارة،

وصناعة، ولم يكن إيمانهم بالآخرة مانعاً لهم من العمل للدنيا، قال تعالى: [وَابْتَغِ

فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا] (القصص: ٧٧) .

وقيمة العمل اليدوي والمهني والتقني استمراريته حتى آخر لحظة من العمر؛

فالأخذ بأسباب عمارة الأرض حتى آخر لحظة من العمر هو شأن المسلم؛ إذ يقول

صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم

حتى يغرسها فليغرسها» [١] .

العمل التقني ضرورة شرعية وحضارية حيوية؛ فقد نظر الإسلام إليه نظرة

كلها تكريم وإجلال تكمن في أن جعل العمل ضرورة من ضرورات الحياة بها ينعم

الإنسان ويعمر الأرض، ومما يدل على ذلك أن الإسلام قرن العمل بالجهاد؛ حيث

قال تعالى: [وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ

يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (المزمل: ٢٠) .

وقد فُسِّر الضرب بأنه التقلب في التجارة، والتجارة تُعَدُّ من أصول الأعمال

المهنية والفنية.

ومما يؤكد ذلك أيضاً اقترانه بالصلاة والحج، كما في قوله تعالى: [فَإِذَا

قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ] (الجمعة: ١٠) .

وفسر بعض العلماء (المنافع في الحج) في قوله تعالى: [لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ

لَهُمْ] (الحج: ٢٨) بأنها «الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا» ، ولم يكتف

الإسلام بهذا القدر في بيان قيمة العمل والحث عليه بل اعتبر العمل جهاداً؛ فقد قال

بعض الصحابة حين رأوا شاباً قوياً يسرع إلى عمله: لو كان هذا في سبيل الله!

فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم بقوله: «لا تقولوا هذا؛ فإنه إن كان

خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين

شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل

الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان» [٢] .

أجر العمل اليدوي والمهني في الإسلام دنيوي وأخروي: إذ حث الإسلام على

العمل ووعد صاحبه بالأجر العظيم في قوله صلى الله عليه وسلم: «من بنى بنياناً

من غير ظلم ولا اعتداء، أو غرس غرساً في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجرٌ جارٍ

ما انتفع به من خلق الله تعالى» [٣] .

وقال أيضاً: «ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو

إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» [٤] ؛ فالزراعة أصل من أصول الأعمال

الفنية المهنية.

أما حكم العمل المهني والتقني فيعد من فروض الكفاية التي إذا قام بها بعض

أفراد المجتمع قياماً يسد حاجة المجتمع ويدفع عجلته للتقدم والرقي سقط الإثم عن

الباقين، وإلا أثمت الأمة كلها، وتحوَّل فرض الكفاية هذا إلى فرض عين على كل

من يستطيع. والأعمال التقنية من أولويات ذلك؛ ولذلك قال الإمام ابن تيمية رحمه

الله: «لهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد ابن حنبل

وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهم: إن هذه الصناعات

فرض على الكفاية؛ فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها» ، ثم يقول: «والمقصود

هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان

صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غير عاجز عنها» .

والعمل ضده البطالة والكسل، وكان موقف الإسلام منهما أن حاربهما وسعى

إلى القضاء عليهما بجميع أشكالهما سواء كانت البطالة بطالة ظاهرة أو بطالة مقنعة،

بطالة إجبارية كعدم الحصول على العمل مع وجود الرغبة والقدرة، أو بطالة

اختيارية بسبب عدم الرغبة وتفضيل الكسل والخمول. وهناك عدد من الأحاديث

الصحيحة الصريحة في النهي عن البطالة والقعود بلا عمل كقوله صلى الله عليه

وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكفَّ الله بها

وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» [٥] .

وقد ذم السلف الصالحُ العاطلَ عن العمل، كقول ابن مسعود رضي الله عنه:

«إني لأكره الرجل فارغاً لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة» [٦] .

يقدم لنا الإسلام القدوة والمثل الأعلى على الاهتمام بالعمل وبيان شرفه حتى

إن الله تعالى جعل العمل نوعاً من الشكر له؛ فبه تتحقق فائدة ما أنعم به وما أوجده

في هذا الكون. قال تعالى: [اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ]

(سبأ: ١٣) . والرسول صلى الله عليه وسلم ربى المسلمين على هذا الاهتمام،

فبين شرف العمل وأهميته عند الله في مناسبات شتى.

إن احترام العمل وتقديره والنظر إليه بصفته مبدأ إسلامياً بحد ذاته سبب

رئيس في قيام الحضارة الإسلامية؛ فالعمل هو الثروة الدائمة لأية أمة من الأمم،

وهو الطريق الأقوى لبناء الاقتصاد والتقدم العلمي وتحقيق القوة والسيادة، ولقد

أدرك المسلمون الأولون ذلك جيداً وطبقوه في شكل ممارسات واقعية لم يُستثن أحد

لمكانته أو ثروته مما أدى بهم إلى بناء مجتمع إسلامي قوي استطاع أن يفرض

وجوده على العالم أجمع.

وإحياء مثل هذا المبدأ واجب لتخليص الأمة الإسلامية من الافتقار إلى موارد

الغذاء والآلات والمصنوعات.

إن إصلاح النظرة الدونية تجاه العمل والعمال يكمن في سيادة القيم الدينية

الإسلامية داخل برامج التعليم العام وبخاصة برامج التعليم اليدوي والمهني والتقني.

إن العمل التقني في الإسلام يتطلب مهارة ودقة وإتقاناً، بل إن الإتقان

والإحكام مطلوب في كل شيء يعمله الإنسان، ولا تستقر الحياة، ولا تتقدم الأمم،

ولا تنضبط الأمور إلا عندما تكون متقنة ومحكمة، والإسلام حث على الإتقان؛

ففي الحديث: «إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» [٧] ، وفي

رواية: «إن الله يحب من العامل إذا عمل عملاً أن يحسن» [٨] .

ولقد كان من أهم أسباب نجاح الصناعات الحديثة في بعض الدول وتفوقها

على غيرها اهتمامها بمراقبة الجودة النوعية، ثم انتشار أسلوب وجود قسم

متخصص في كل مصنع لمراقبة جودة الإنتاج واستبعاد أي قطعة ليست في غاية

الإتقان، ثم عقد اجتماعات دورية للجان الجودة النوعية لاقتراح ما يرونه مناسباً

لتحسين نوعية المنتجات، بل تطور الأمر فيما بعد إلى إيجاد فريق متابعة الجودة

خارج المصنع، وذلك باكتشاف أي خلل أو قصور في أي سلعة، واستبدالها

وتعويض المستهلك عن أية خسارة تحملها نتيجة لذلك.

وقد أوجدت تلك الدول جائزة سنوية تمنح للشركات التي تحقق أعظم تحسن في

الجودة والنوعية؛ ولأهمية ذلك فقد أنشئت رابطة دولية لحلقات مراقبة الجودة

النوعية [٩] .

وإذا كان هذا حال الإنسان الذي لا يهمه إلا الكسب المادي في هذه الحياة فما

أحرانا نحن المسلمين بمثل هذا السلوك، لننال القوة في الدنيا والفوز في الآخرة.

إن كل عمل لا بد له من هدف في هذه الحياة؛ فالإنسان وجد في هذه الحياة لهدف

وغاية، ولم يوجد عبثاً، ولذا يجب أن تكون أعماله لأهداف وغايات، ولا يمكن

تحقيق هذه الأهداف إلا بإتقان العمل.

اهتم الإسلام بالعمل المهني والتقني بمفهومه العام والاصطلاحي، وجعله من

القيم التي حرص عليها؛ وذلك أنه يدفع إلى تطور البلاد وزيادة الإنتاج؛ ففي

مخاطبة الله سبحانه وتعالى نبيه نوحاً عليه السلام مغزى صريح لأهمية الصناعة

في حياة الإنسان والمجتمع. قال تعالى: [فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا

وَوَحْيِنَا] (المؤمنون: ٢٧) . وفي قصص الأنبياء وأحاديث الرسول صلى الله

عليه وسلم توجيهات تربوية تقدم ذكر بعضها نستوحي منها أهمية الصناعة

والزراعة والتجارة والمهن الأخرى في حياة المجتمعات، وقد حرص الغرب على

أن يبقى المسلمون محتاجين إلى علومهم وصناعاتهم وإنتاجاتهم التقنية التي غزت

أسواقنا ووفرت الاحتياجات الأساسية والكمالية، ولا سيما الكمالية منها، مما

أضعف اشتغالنا بالصناعة، ولئلا يكون ذلك هدماً لحضارتهم. ولنستمع إلى أحد

الساسة الفرنسيين في هذا الشأن؛ إذ يقول: «إن العالم الإسلامي يقعد اليوم فوق

ثروة خيالية من الذهب الأسود والمواد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة؛ فلنعط

هذا العالم ما يشاء، ولنقوِّ في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني؛ فإذا

عجزنا عن تحقيق هذه الخطة وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه

عن مجاراة الغرب في الإنتاج، فقد بؤنا بالإخفاق السريع، وأصبح الخطر الذي

يصيب العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطراً داهماً

يتعرض به التراث الغربي لكارثة تاريخية ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته

القيادية» [١٠] .

وقد اعتنى القرآن الكريم بالعمل المهني وجعله نعمة تستوجب الشكر؛ حيث

قال تعالى: [لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ] (يس: ٣٥) ،

قال الإمام الرازي: «يحتمل أن تكون (ما) موصولة بمعنى: وما عملته، أي:

بالتجارة كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان بهما وهما الزراعة والتجارة» [١١] .

يقول سيد قطب رحمه الله: «مشيئة الله في عمارة هذه الأرض اقتضت أن تكون

للناس حاجات لا ينالونها إلا بالعمل والكد، وفلاحة هذه الأرض، وصناعة خاماتها،

ونقل خيراتها من مكان إلى مكان، وتداول هذه الخيرات وما يقابلها من سلعة أو

نقد أو قيم تختلف باختلاف الزمان والمكان» [١٢] .

وقد نوه القرآن الكريم بشأن كثير من الصناعات، ومن ذلك:

- صناعة الحديد: [وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ]

(الحديد: ٢٥) ، وقوله تعالى: [يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ

كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ] (سبأ: ١٣) .

- صناعة الأكسية: [وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى

حِينٍ] (النحل: ٨٠) .

- صناعة الدروع: [وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ]

(سبأ: ١٠-١١) .

- قالوا: درع سابغ تام واسع [١٣] ، والسرد: خرز ما يخشن ويغلظ كنسج

الدروع وخرز الجلد، واستعير هنا لنظم الحديد [١٤] .

- صناعة الجلود: [وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ

وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ] (النحل: ٨٠) .

- صناعة السرابيل: [وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ]

(النحل: ٨١) ، وقوله تعالى: [وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ

فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ] (الأنبياء: ٨٠) .

- قالوا: السربال: القميص من أي شيء كان [١٥] ، فقد يكون من القطن

والكتان وغيرها، وقيل: هي ما لبس من قميص ودروع فهو سربال « [١٦] .

- الصناعات الإنشائية: [وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً

وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً] (الأعراف: ٧٤) .

- صناعة السفن والمراكب: [فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا]

(المؤمنون: ٢٧) . يقول الفارابي:» إن فضيلة العلوم والصناعات تكون بإحدى

ثلاث: إما بشرف الموضوع، وإما باستقصاء البراهين، وإما بعظم الجدوى التي

فيه. وأما ما يفضل على غيره بعظم الجدوى التي فيه فالعلوم الشرعية

والصنائع « [١٧] .

ومن خلال ذلك تتبين قيمة تعلم الصناعات والحرف والأعمال اليدوية والتقنية،

وأنها مطلب شرعي قبل أن تكون ضرورة حضارية وأرضاً خصبة للعمل الدعوي.

دور القيم في تطوير أداء العمل:

وإنه ليتحقق دور هذه المبادئ والقيم في تطوير أداء العمل التقني وتسخيره

لصالح الدعوة وإقامة بناء المجتمع الإسلامي على أصول ثابتة وأسس حضارية من

خلال القنوات والاعتبارات الآتية:

١ - الإخلاص في العمل يجعل العمل الدنيوي قربة وعبادة إلى الله تعالى

وهذا بدوره حافز لمضاعفة الجهد والإنتاج.

٢ - إيجاد الشخصية الإنسانية الصالحة المسلمة السوية التي تؤدي عملها

وتقدر دورها التنموي في المجتمع الذي تعيش فيه وتتعامل معه.

٣ - التوصل إلى جهود علماء المسلمين في مجال ترسيخ قيمة العمل المهني،

ومن ثم إبراز هذه المجهودات في هذا المضمار؛ إذ استطاعت النظرة الإسلامية

من خلال هذه المجهودات أن تفتح ذراعيها لجميع التجارب الإنسانية الصالحة.

٤ - إذا أدرك الإنسان حقيقة الإيمان وجد باعثاً من داخل نفسه يدعوه إلى

العمل في مجالات الحياة المختلفة ليقوم بمهمته في الأرض، وسعادة الإنسان في

الدنيا والآخرة مرهونة بعمله، ولا مجال في الإسلام أن يعيش المسلم على الأماني.

٥ - سد الاحتياجات المعرفية والمتطلبات من الطاقات المهنية والفنية التي

تحتاجها الأمة لتنفيذ خططها الإنمائية في شتى مجالات الحضارة الإنسانية

وتطبيقاتها العملية.

٦ - الإسهام في تطوير المجتمع وزيادة إنتاجية المنتجين للعمل على تقليل

نسبة البطالة المبطنة والواضحة.

٧ - التخصص في الأعمال يعني المهارة لدى المختصين؛ وهذا بلا شك

يعني أن إنتاج المتخصص فيما تخصص به أجود من إنتاج غير المتخصص، وفي

هذا العصر تبرز وتتأكد أهمية التخصصات التقنية والفنية في تجويد الإنتاج الذي

حض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:» إن الله يحب إذا عمل أحدكم

عملاً أن يتقنه « [١٨] .

٨ - القيم الإسلامية للعمل تجعل المجتمع يرتكز على قاعدة صلبة من

الدراسات العملية والتطبيقية القادرة على التعاون مع التكنولوجيا ومنجزاتها تعامل

المدرك لأسرارها والعالم بمكنوناتها.

٩ - قيمة احترام العمل وتقديره تخلِّص الأمة الإسلامية من الافتقار إلى

موارد الغذاء والآلات والمصنوعات؛ فاحترام العمل وتقديره وإتقانه والنظر إليه

بصفته مبدأً إسلامياً سبب رئيس وطريق قوي لبناء الاقتصاد والتقدم العلمي، واللبنة

الأولى في إصلاح القيم السلبية تجاه العمل والعمال.

١٠ - إن إدراك الإنسان لمسؤوليته عن نفسه وسعيه وكسبه ومجتمعه وعن

مواهبه أيضاً وملكاته واستعداداته العقلية والجسمية النفسية يجعله يعمل بروح عالية

فيما يعود على نفسه ومجتمعه ووطنه وأمته بالخير، ورفع مستويات ذلك من

الناحية المادية والمعنوية، كما يجعله مجالاً خصباً للدعوة.

١١ - إتقان العمل من قيم الإسلام التي تعد من أهم أسباب نجاح الصناعات

التقنية الحديثة.

١٢ - ومن آثار القيم الإسلامية أنها يوجب الاهتمام بالعمل المهني والفني

والتقني؛ إذ سيسهم ذلك في الحد من نمو القوى العاملة غير المسلمة، كما يؤدي

الاعتماد على قوة العمل الإسلامية إلى رفع درجة تأهيلها للتكيف مع المتطلبات

التقنية الحديثة.

١٣ - إدراك قيمة المسؤولية يوجب على المسؤولين تحديد احتياجات المجتمع

الإسلامي تحديداً واضحاً وفق استراتيجية مرسومة على المدى الطويل تراعي

النواحي التنموية والتطورات الحضارية؛ لتتضح الرؤية تماماً، وتتحدد الأهداف

الكمية والنوعية، وتأتي الخطط المرحلية وافية بحاجات المجتمعات الإسلامية.

إن هذه القنوات والاعتبارات لتؤكد مسؤولية القائمين على العمل الدعوي

بخاصة والأمة الإسلامية بعامة دولاً ومجتمعات وأفراداً أن تتدارك هذا التهور التقني؛

فقد خصها الله وميزها بخصائص ومزايا تؤهلها لكبح جماح ذلك التهور والوقوف

به على تطويره وتسخيره في عمارة الأرض. ولكن السؤال المطروح هو: كيف

يتم ذلك وهي في مؤخرة الركب، ويسود معظم أفرادها ومجتمعاتها التخلف والرضا

بالواقع المكاني دون ركب التقنية الذي يقوده تطوره إلى تهوره؟ والإجابة عن هذا

السؤال تدعونا أن نتأمل أولاً موقف غالبية الأمة من التطور التقني المعاصر إعلامياً

وعملياً! والواقع أنه موقف مرير؛ فنحن بين مهتمين بنظريات ودعوات وندوات

وخطب ومواعظ ليس للتقنية وجود فيها ولا ذكر، وبين مهتمين بالتقنية غير مبالين

بالآداب والمبادئ والأخلاق الإسلامية. وثانياً ما حال العمل الدعوي؟ وأين مكان

التقنية الشاغر في ساحاته الإعلامية ومؤسساته الخيرية والتربوية؟ وماذا أعدت

لشباب الأمة: هل استهدفت تأهيلهم ليملكوا زمام كبح جماح التهور التقني وضبطه

في عالم اصطبغ بملوثاته، وعانى من أضراره التي باتت تخيم في سماء البشرية

أجمع؟

أسباب التخلف:

ومما يتوجب على القائمين بالعمل الدعوي دراسة أسباب التخلف، ودراسة

مقومات التقنية ووسائل ضبطها وإبقائها في مستوى التطور بما يخدم البشرية

جمعاء؛ وذلك بالعمل الجاد لإعداد أبناء الأمة لمعرفة أسرار التقنية ومنجزاتها،

وإدراك أسرارها وخفاياها. وأشير هنا إلى بعض عوائق التقدم وأسباب التخلف

والتأخر التقني في عالم المسلمين المعاصر؛ علها تفتح أبواب العمل الدعوي

لدراسة جادة لمقومات التقدم التقني ووسائله ضمن مشروعاته ونشاطاته

واهتماماته.

فمن العوائق ما يكون مادياً مثل:

١ - الأمية المنتشرة بين المسلمين وتمزق العالم الإسلامي المعاصر إلى دول

وأقليات.

٢ - إهمال الدراسات التقنية في دول العالم الإسلامي، واعتمادهم على

الغرب والشرق في ذلك نظراً لعدم توفر وسائل البحث العلمي والتقني من الأجهزة

والمواد والقوى الفنية.

٣ - فقدان التنسيق والتعاون والتشاور بين المؤسسات الدعوية والعلمية

والتقنية.

وإذا تجاوزنا هذه العوائق المادية وجدنا أهم العوائق المتصلة بذات المسلمين

ومن أهمها غياب التطبيق الصحيح للإسلام بصفته التشريع الشامل لجميع شؤون

الحياة، وغياب الفهم الصحيح لدور الإنسان المسلم، وانعدام الشعور بالمعنى

الحقيقي للأخوة الإسلامية ومتطلباتها.

إننا إذا أدركنا ذلك وأدركنا أن العالم الإسلامي يمتلك من المقومات المختلفة

للتقدم ما يؤهله للقيام بدوره فليس من العسير استخلاص الوسائل والطرق الكفيلة

باللحوق بركب الحضارة بل والتقدم التقني في عالمنا الإسلامي.


(*) أستاذ الثقافة الإسلامية في الكلية التقنية بالرياض.
(١) رواه أحمد في المسند، تحقيق محمد سليم سمارة وزملائه، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤١٣هـ، والبخاري في الأدب المفرد، تحقيق كمال الحوت، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٥هـ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٩) .
(٢) أخرجه: الطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم (١٤٤١) .
(٣) المسند للإمام أحمد، مرجع سابق، ج ٢، ص ٤٣٨، وضعفه الأرناؤوط في تحقيقه للمسند، رقم (١٥٦١٦) .
(٤) أخرجه: البخاري، في كتاب الحرث والمزارعة، فتح الباري، ج ٥، ص ٢.
(٥) متفق عليه.
(٦) المقاصد الحسنة، للسخاوي.
(٧) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم (١١١٣) .
(٨) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم (١١١٣) .
(٩) كيف تصبح غنياً وسعيداً، للأستاذ/ مصطفى أبو طحيش، ص ٥٤.
(١٠) انظر المرتكزات الأساسية والمضامين التربوية لمكانة العمل من المنظور الإسلامي، للدكتور عطية عبد الصادق، بحث ضمن الكتاب السادس للجمعية السعودية للعلوم النفسية والتربوية، جامعة الملك سعود، ١٤١٦هـ.
(١١) الفخر الرازي، التفسير الكبير، ٧/ ٨٠، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ، (طبعة مصورة) .
(١٢) في ظلال القرآن، ٢٩٧٠.
(١٣) الراغب الأصفهاني، مفردات غريب القرآن، ٢٢٨.
(١٤) المصدر السابق، ٢٣٥.
(١٥) الراغب الأصفهاني، مفردات غريب القرآن، ٢٣٧.
(١٦) المصدر السابق.
(١٧) التربية عبر التاريخ، لعبد الله عبد الدائم، دار العلوم، ١٩٧٣م، ص ٢١٠.
(١٨) صحيح الجامع، للألباني، رقم ١٨٧٦.