للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

اليهود.. حقد موروث

نقلت وكالات الأنباء بتاريخ ٦/١١/١٩٨٦ خبراً من القدس مفاده أن المجندين

اليهود يتدربون في أحد مراكز الجيش الإسرائيلي على إطلاق النار على أهداف

يعلوها غطاء الرأس (الكوفية) وهو الغطاء التقليدي العربي ويصدر إليهم الأمر

على هذا النحو:

(صوب النار على محمد) أو (أطلق النار على محمد) .

عندما يقراً المسلم هذا الخبر يتذكر قوله تعالى: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً

لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا] [سورة المائدة ٨٢] .

ولو تأملنا في ما يشير إليه هذا العمل - بعيداً عن التأثر بالعواطف - بشقيه: البَصَري، وذلك بوضع " الكوفية " على الهدف أو العقلي المتمثل بصيغة الأمر المعُطَى: (أطلق النار على محمد) ، لعرفنا أن هذا العمل بشقيه؛ ... يذكي روح الحقد والكراهية التي يكنها اليهود للعرب خاصة، وللمسلمين

عامة، ويزيدهم فاعلية في تحديهم وخططهم، وهم يكرهون العرب لأن أغلبيتهم مسلمة تدين بهذا الدين الذي له رأيه ورؤيته المحددة باليهود، ولهم من وحي ربهم غنية وبلاغ عن كل التحليلات والاكتشافات لخصائص العقلية اليهودية، ومميزات المكر والالتواء التي عرف بها.

ويكرهون المسلمين ونبي المسلمين ويجعلونه هدفاً يشحذون [١] به غيظهم

وكراهيتهم، وينفسون بذلك عن أحقادهم الدفينة، وذلك لأنهم يعلمون من التاريخ أن

الجماعة الإسلامية الفتية، القليلة العدد، بقيادة هذا الرسول العظيم، محمد بن عبد

الله صلى الله عليه وسلم، لم يخدعها ظاهر اليهود عن باطنهم، ولم تنحن لخطط

اليهود وأحابيلهم، ولم تقع تحت إغرائهم، ولم يَسِلْ لعابها لما يملكون من وسائل،

وما يبذلونه من مطامع، واستعصت هذه الجماعة على خطط اليهود وكيدهم، في

الوقت الذي نرى فيه أعتى أمم الأرض، وأملكها لأسباب القوة المادية، - من

أسلحة فتاكة، واقتصاد قوي، وأعداد بشرية كبيرة، وعقول خبيثة، مَرَنت على

رسم خصص الشر، ودربت على الإفساد في الأرض؛ نرى هذه الأمم العاتية وقد

وقعت في شباك اليهود، وسقطت تستجدي نفوذهم، وتتملقهم بشتى صنوف

الاسترضاء.

لذلك كله يكره اليهود المسلمين، ومع أنهم يكرهون البشر جميعاً، ويؤمنون

أن كل البشرية يجب أن تكون بهائم لليهود، وأنهم شعب الله المختار، لكن

كراهيتهم تزداد طرداً حسب تنبه الناس لهم، ومعرفتهم لأساليبهم، وتتناقص عكسياً

بقدر استنامة الأمة لهم، والغفلة عما هم بصدده، أو موافقتهم ابتغاء عَرَض من

الدنيا قليل تملكه أيديهم.

وتبقى كلمة نوجهها لبني قومنا من العرب ممن لا يزالون يفرقون بين

الصهيونية واليهودية، وتنطلي عليهم هذه الخرافة التي يروِّجها الملاحدة وأشباههم

من أصدقاء اليهود وأوليائهم فنقول:

إن الذي مكن لليهود في فلسطين هو امتلاء نفوسهم - قيادة وجماهير - بهذه

العقيدة التي يؤمنون بها، والتي وحدت هدفهم وجددت طريقهم، في الوقت الذى

واجهوا فيه قيادات ترفع مئات الرايات، وقلوباً خفتت فيها أصوات العقيدة بل

وجدوا قيادات في جانب وشعوباً في جانب آخر، فأي خذلان أكبر من هذا الخذلان، وأي فرصة مناسبة للأعداء أفضل من هذه الفرصة؟ !

ومع أن الحقائق تثبت يوماً بعد يوم، أن لاخيار للعرب في رجوعهم إلى ما

فيه عزهم ومنعتهم وهيبتهم - ألا وهو الإسلام - وأن أحوالهم المؤسفة، وأمراضهم

المستعصية لا علاج لها إلا بذلك؛ إلا أننا لانزال نرى من تفرق الكلمة، وكثرة

الرايات وتوجيه الأسلحة إلى صدور وظهور المسلمين من قبل أبناء المسلمين،

ورفع كل راية، ماعدا الراية الإسلامية، ما يدمي القلب، ويستمطر الدمع.

إن اليهود يعلمون حق العلم أن الإسلام هو المحتوى العقائدي والفكري للعرب، وبهذا المحتوى فتحوا فلسطين وغيرها وأرسوا فيها معالم حضارته، وبه أيضاً

طردوا الصليبيين الذين هجموا هجمتهم على فلسطين وغيرها من بلاد الشام في

ظرف هو أشبه بهذا الظرف البائس، ولم يُردوا على أعقابهم خائبين إلا حين

جوبهوا بقوة يقودها مثل عماد الدين، ونور الدين [٢] ، وصلاح الدين، بعد فترة

من التمزق تسلط فيها أصناف من الملاحدة والزنادقة وأصحاب الأهواء والمبتدعة

على رقاب المسلمين، وعاثوا في بلاد الإسلام فساداً.


(١) شَحَذَ السيف: صقله وجعله حاداً.
(٢) عماد الدين زنكي وابنه نور الدين الشهيد.