للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الافتتاحية

المناهج

بين التطوير والتدمير

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

وبعد:

فالمناهج التعليمية في كل بلدان العالم يحرص المسؤولون المخلصون

والتربويون الصادقون على أن تعكس الخصائص العقدية والثقافية والاجتماعية لكل

بلد وتكون مرتبطة بالواقع المعاش لتسهم في نهضته وانطلاقته الحضارية.

ومن هنا توضع هذه المهمة في أيد أمينة لتوصيل تلك الأهداف للأجيال:

تتلقاها، وتؤمن بها، وتسير على ضوئها.

إلا أنه منذ السيطرة العلمانية على الساحة التعليمية أخذت المناهج تسير نحو

الصبغة اللادينية في موضوعاتها وطرق تناولها، ثم تحولت هذه المساعي إلى

انحراف أعمق. وفي السنوات الأخيرة ظهر اتجاه مشبوه يريد العبث بالمناهج

وبمنطلقاتها وبخاصة الشرعية منها بالتغيير والمسخ والخلط والمزج بدعاوى

التطوير والتنوير! !

ومن هذا المنطلق لفت نظر كل مسلم متابع الحوارات الساخنة التي أثيرت

حول قانون لتطوير التعليم الأزهري؛ حيث خرج كثير ممن تناولوا الموضوع عن

الموضوعية، وتراشقوا بالاتهامات، حتى اعتبر فضيلة شيخ الأزهر، أن أصحاب

الأصوات المخالفة يهاجمون الأزهر وقد وصفهم بأنهم مرتزقة وجبناء وتجار دين!

كما وصف كل الأصوات التي تردد عبارة: (اختراق الأزهر فكرياً وتعليمياً)

بالجهل والحماقة.

وبعيداً عن دائرة التراشق المتبادل، وبعد أن هدأت حدة العاصفة، بإقرار

القانون المذكور وحل مجلس إدارة جبهة علماء الأزهر التي كانت رأس الحربة في

معارضة ذلك القانون.. نريد تقديم وجهة نظر حول هذا المشروع.

ولكن قبل ذلك نود إيضاح أن الاهتمام بشأن الأزهر لا يقتصر على

المصريين فقط، بل يجب أن يشمل كل مسلم يهتم بأمر المسلمين؛ ذلك أن أثر

الأزهر يتعدى مصر إلى بقاع كثيرة من العالم الإسلامي؛ وذلك من خلال كونه:

١- مرجعية علمية ومصدراً للفتوى لملايين المسلمين على اختلاف جنسياتهم

ومذاهبهم وتوجهاتهم.

٢- لكونه مصدر إمداد أنحاء كثيرة من بلدان العالم الإسلامي بالدعاة والعلماء، حتى إن بعض البلاد تقوم الدعوة فيها على دعاة الأزهر المبتعثين، كما أن بعض

الجامعات الإسلامية أُسست على علماء معظمهم أزهريون.

٣- وباعتباره جامعة إسلامية علمية لكثير من أبناء العالم الإسلامي، الذين

يعودون إلى بلادهم باعتبارهم دعاة وعلماء أو حتى قادة وساسة! !

٤- لأنه قدوة تحتذي به مؤسسات علمية أخرى.

فإذا كان الأمر كذلك، فما أبعاد الأزمة الأخيرة؟

في مذكرة إيضاحية لمشروع القانون المقترح بعث بها فضيلة شيخ الأزهر إلى

مجلس الشعب المصري أكد فيها على الحاجة الملحة للتطوير، قال: (لقد بات من

الضروري تطويع التعليم الأزهري ليتلاءم مع متغيرات العصر، وليحقق الفرص

المتكافئة للطالب الأزهري الذي يعاني من العبء الكبير الملقى على كاهله في

المرحلة الثانوية الأزهرية التي يدرسها في أربع سنوات؛ في حين أن زميله

بمدارس وزارة التربية والتعليم يدرسها في ثلاث سنوات فقط) . ومن ثم: اقترح

مشروع القانون تخفيض سنوات الدراسة الثانوية إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى

تقديم خطة دراسية لهذه المرحلة تتواءم وأهداف القانون المقترح. كما اقترح القانون

إنشاء أقسام فنية تابعة للتعليم الأزهري (زراعي صناعي تجاري) .

وفي ضوء ذلك نود تسجيل الملحوظات الآتية:

أولاً: أن منهج الطالب الأزهري مزدحم ومرهق بالفعل، وهناك صعوبة

ملموسة في استيعابه لكل هذا الكم من المعلومات الشرعية والمواد الأخرى، ولكن

مقارنته بطالب مدارس التربية والتعليم في عدد السنوات الدراسية غير مفهوم؛ لأن

المواد التي يدرسها هذا غير التي يدرسها ذاك من ناحية المادة العلمية وحجمها.

ثانياً: أن حاجة عالم الدين إلى العلوم غير الشرعية (وإن كانت مشروعة)

هي بمقدار ما يعينه على فهم الواقع المحيط به لتنزيل أحكام الشريعة على هذا

الواقع، أو للدعوة إلى الله على بصيرة، فليس من المناسب عزله عن هذه العلوم،

ولكن ليس من الحكمة إغراقه فيها، ومن أراد التوسع فيها فيمكنه الاستزادة من

المراكز والمؤسسات الأخرى المتخصصة في هذه العلوم، أو بذل جهوده الفردية في

ذلك.

ثالثاً: أن من يقف ضد مبدأ التطوير فإنه يقف ضد الزمن، ولا نظن أن أحداً

يرفض هذا المبدأ، ولكن ما هو التطوير المناسب الذي ينبغي إدخاله في هذه

المؤسسة العلمية؟

رابعاً: يجرنا هذا إلى التذكير بالمهمة المناطة بالأزهر باعتباره مؤسسة

تعليمية متخصصة في علوم الدين في المقام الأول، لا يشاركه في ريادة هذا

التخصص أي مؤسسة أخرى في مصر، بينما ينافسه ويتفوق عليه في التخصصات

العلمية الأخرى أكثر من جامعة ومركز للبحوث.

وهنا نصل إلى النظر في محطات بارزة في المسيرة المعاصرة (لتطوير)

الأزهر:

في سنة ١٩١١م سنت الحكومة المصرية قانوناً ينظم الدراسة الأزهرية على

ثلاث مراحل: (أولية، وثانوية، وعالمية) ، وفيه أصبح تدريس العلوم الحديثة

المسماة بالعلوم العقلية إجبارياً بعد أن كان اختيارياً.

في سنة ١٩٣٠م صدر قانون ينظم التعليم في الأزهر في ثلاث مراحل:

(ابتدائية ومدتها أربع سنوات، وثانوية ومدتها خمس سنوات، وعليا ومدتها أربع

سنوات) كما أنشئت كليات الأزهر الثلاث: (اللغة العربية، والشريعة، وأصول

الدين) .

في سنة ١٩٣٦م أدخل تدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ومبادئ الفلسفة

وتاريخها، ومادتي القانون الدولي والقانون المقارن لطلاب الشريعة، إلى جانب

بعض المواد العلمية في المرحلة الثانوية.

في العهد الناصري (سنة ١٩٦١م) صدر قانون تطوير الأزهر الشهير، الذي

كان أهم ملامحه:

إضافة مناهج وزارة التربية والتعليم إلى مناهج العلوم الشرعية المقررة على

طلاب المراحل الأزهرية دون الجامعية، كما أنشئت كليات أزهرية للتجارة

والإدارة والطب والهندسة والزراعة..

ولأجل استيعاب هذا التطور فقد خفضت المواد الشرعية بنسبة ٣٣%، كما

تقلص مجموع سنوات المرحلتين الإعدادية والثانوية من تسع سنوات إلى ثمان، ثم

إلى سبع، واختصرت المواد الشرعية مرات عديدة حتى عام ١٩٩٦م، بمجموع

يدور حول ٦٠% للمرحلة الثانوية و٥٣% للمرحلة الإعدادية، بينما ظلت مناهج

وزارة التربية والتعليم كما هي.

وفي القانون الأخير محل النقاش تم تقليص عدد سنوات المرحلتين الإعدادية

والثانوية إلى ست سنوات، واختصار المواد الشرعية بنسب متفاوتة، مع الإبقاء

على مواد التعليم العام كما هي أيضاً.

ويبدو أن هذه المحطة ليست الأخيرة في مسيرة التطوير، التي نلاحظ عليها:

أنه صاحبها مد علماني جارف تناسب حجمه مع حجم كل خطوة تطوير؛

فالمقصود هو عملية إفراغ ثم إحلال.

وصاحبها أيضاً إلغاء أو تحجيم لمرجعيات علمية أخرى كهيئة كبار العلماء

ولجان الفتوى بالأزهر.

أن اتجاه التطوير كان نحو إيجاد أزمة تتمثل في صعوبة استيعاب الطالب

لهذا الكم الكبير من العلوم الشرعية والمدنية، ثم حل هذه الأزمة بتخفيض المواد

الشرعية وحدها والإبقاء على المواد الأخرى.

فماذا لو استمرت مسيرة التطوير على هذا المنوال؟

سيؤول مصير التعليم الأزهري إلى مصير المحاكم الشرعية؛ حيث أنشئت

في إحدى المراحل المحاكم المختلطة، ثم تحولت جميعها إلى المحاكم المدنية بكامل

قوانينها الوضعية.

سيخطو العلمانيون خطوة كبيرة على طريق تجفيف المنابع وهذا ما يبذلون

له كل الجهود.

سيفقد الناس على نطاق واسع معين مرجعيتهم العلمية، فمن أين سيخرج

علماء الدين إن لم يخرجوا من مؤسسات علمية متخصصة؟

سيفتح المجال واسعاً لأنصاف العلماء والرؤوس الجهال الذين سوف يتبوؤون

مكانة التحدث باسم الدين، وحينها يُطوّع الدين للمآرب والمصالح لا أن يكون هو

المهيمن والموجه.

ستُشجّع بلاد أخرى على المضي قدماً في مثل هذا الطريق باعتبار الأزهر

نموذجاً يحتذى.

هذا ما يلوح في الأفق؛ إذ إن هناك جهوداً على قدم وساق في أكثر من بلد

مسلم لمحاولات التطوير المشبوهة تارة بتخفيض حصص المواد الشرعية؛ وتارة

بحذف بعض المواضيع المعينة كالجهاد والولاء والبراء مثلاً، ثم دمج المواد

ببعضها وتسميتها بمسميات جديدة.

والذي يدعو إلى هذه الخطوات أناس تسنمو ذرى وزارات التربية والتعليم؛

وقد تشبعوا بالتوجهات الغربية وهم يعملون جاهدين لتطبيق الأفكار العلمانية

بخطوات مدروسة وماكرة قد لا تلفت الانتباه إليها حتى يحققوا آمالهم في قطع صلة

الأجيال المسلمة بعقيدتها وتاريخها وتراثها، تارة باسم التطبيع، وتارة باسم تطوير

المناهج، وتارة بعقلية العسكر الأتراك الحاقدة على الإسلام.

فمتى نعي ذلك المخطط الرهيب [١] ؟

إنها دعوة صادقة لمن يهمه الأمر قبل فوات الأوان!


(١) لمن يريد الاستزادة في معرفة المخطط باعتباره نموذجاً لتطوير المناهج في بلداننا فليقرأ
(الخديعة: مآساة التطوير المزعوم للمناهج التعليمية) دراسة أعدها مركز الإعلام العربي بالقاهرة، وكذلك (دعوة لإنقاذ التعليم) لنخبة من الأساتذة المختصين؛ ليعرف أن ما أشرنا إليه ليس إلا جزءاً يسيراً من الكارثة.