للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دعوة

حتى نستفيد من خطبة الجمعة

(٢)

محمد بن عبد الله الدويش

تحدث الكاتب في العدد الماضي عن أهمية خطبة الجمعة واختيار الموضع

المناسب وفي هذا العدد يُكمل الحديث عن هذا الموضوع المهم.

ثالثاً: الأسلوب:

١- حسن الأسلوب وجودته فالألفاظ قوالب المعاني.

٢- وحسن الأسلوب وجودته لا يعني أن يتكلف الخطيب فيقع فيما نُهي

عنه [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ] [ص ٨٦] . وأخبر - صلى

الله عليه وسلم - أن التكلف، والتفاصح صفة مذمومة يبغضها الله -عز وجل- فقال: ... ... (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها) [١] . ... ... وقال أيضاً: (هلك المتنطعون) [٢] قال ابن الأثير: التنطع في الكلام: التعمق فيه والتفاصح [٣] . ومن ذلك قول أحدهم: (لقد فاحت رائحة الشمس، فعطرت وجنات القلوب، وتركت قطرات الندى الإيماني الأبيض على شفاه الخفقات الدافئة في الصدور) .

٣- الاعتماد على الحجج العلمية المنطقية، وعدم إلقاء النتائج مباشرة. فإن ...

الخطيب لم يعد المتعلم الوحيد ولا فريد عصره، أو نسيج دهره.

٤- تجنب النقد اللاذع والعبارات الجارحة، والتركيز على الأخطاء،

والحكمة في معالجة الخطأ.

٥- الاعتدال وعدم المبالغة. خَطَبَ أحد الخطباء عن الفتيات وخروجهن ليلاً، ... وطالب الآباء أن يقوم أحدهم منتصف الليل ليتأكد من وجود ابنته على سريرها؛

فخرج المصلون وهم يمقتون مثل هذه المبالغة. ونموذج آخر ذكره الشيخ عبد

اللطيف السبكي في مجلة الأزهر [٤] وذلك أن خطيباً خطب في جامع الأزهر عن

حديث " واتبع السيئة الحسنة تمحها " فهَوَّن أمر المعصية، وأن الله فطر الناس

عليها وقال بالحرف الواحد: (إن الله لم يقل للناس لا تسيئوا، ولكن قال إذا أسأتم ...

فاستغفروا) . إنه لا يسوغ أن تمتلك الخطيب عاطفته الجياشة فيتحدث بمبالغة دون

اعتدال أو إنصاف؛ بل إن المبالغة تؤدي إلى نتائج معاكسة.

رابعاً: الأداء:

١- الصوت: فينبغي العناية بوضوح الصوت والتأكد من الأجهزة التي تنقل

الصوت، إضافة إلى التحكم في صوته هو، ورفعه وخفضه في المكان المناسب،

وأن يعتني بسلامة إخراج الحروف.

٢- تصوير المعاني بالنطق، ففي حالة الاستفهام ينتظر الجواب، وهكذا في

حالة التعجب.

٣- حسن الوقوف، فيراعي المعاني وتمامها عند وقوفه.

٤- الحماسة، والعاطفة الحية التي يشعر المصلي من خلالها أن الخطيب

يحمل الفكرة في عروقه ودمائه، وليست مجرد كلمات هامدة، وقد كان - صلى الله

عليه وسلم - إذا خطب علا صوته، واحمر وجهه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم

ومساكم.

٥- رباطة الجأش، والتعود على ذلك.

٦- سلامة اللغة وعدم اللحن، وقد كان السلف يعتنون باللغة وسلامتها، وكان

اللحن مما يعاب به على المرء فضلاً عن طالب العلم، وليس ثمة ما يعيب الخطيب، أو ينقص من قدره، أن يدرس مبادئ النحو، أو يبحث عمن يقرأ عليه فيصحح

قراءته. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-: " تعلموا الفرائض واللحن اللغة

والنحو فإنه من دينكم ". ويمكن أن يلجأ إلى حل مرحلي بأن يشكل الكلمات التي

يرى أنه عرضة لأن يخطئ بها.

خامساً: بين الارتجال والخطبة من ورقة:

أولاً: نود الإشارة إلى أن هنالك فرقاً بين الارتجال في المصطلح المعاصر،

وعند العرب، فهو لدى العرب الخطبة من غير إعداد واستعداد، ولم يكونوا

يعرفون الخطبة من الورقة أصلاً؟ أما في المصطلح المعاصر فيقصد به الخطبة

دون ورقة، ولو أعد الخطيب لتلك الخطبة.

فالارتجال بمعناه عند العرب لا ينبغي أن يسلكه الخطيب فيصعد المنبر،

ويفكر في موضوع الخطبة أثناء الآذان، أو يفكر وهو في الطريق إلى المسجد،

ومهما علت مكانة الخطيب، واتسع علمه، فلا يستغني عن الإعداد والتحضير

المسبق، لكن ما يكثر عنه السؤال، ويدور حوله النقاش، أيهما أولى: أن يخطب

الخطيب من ورقة، أو من دون ورقة مع التحضير والإعداد المسبق. والموضوع

يحتاج لتفصيل تضيق عنه هذه المقالة لكننا نسجل بعض الملحوظات:

١- الناس يختلفون ويتفاوتون في ذلك.

أ- فبعضهم يحتاج للورقة لتضبط ألفاظه، فلا يشطح، ويقول ما يُحسب عليه، أو تضبط له موضوعه فلا يتشتت به الحديث يمنة ويسرى، وينسى موضوعه،

أو يضبط له وقته فلا يطيل على الناس.

ب- والبعض يحتاج لرؤوس الأقلام، والنصوص.

ج- والبعض لا يحتاج لذلك، ويستطيع أن يستوعب موضوعه، ويضبط

ألفاظه، ووقته. فإذا كان كذلك فهذا أدعى للتأثير على الجمهور وجلب انتباههم.

٢- من لا يجيد الارتجال يستطيع التعود، بالتدرج؛ وأفصح الناس قد ولدته

أمه وهو لا يجيد النطق بحرف واحد.

٣- ليس بالضرورة أن يجعل الخطيب الخطبة دون ورقة هدفاً له، فقد

يخطب من خلالها، ويفيد الناس، ويحقق المقصود.

سادساً: بين الإيجاز والتطويل:

الإيجاز هو السنة. روى مسلم في صحيحه عن أبي وائل قال خطبنا عمار

فأوجز وأبلغ، فلما نزل، قلنا يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست،

فقال إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن طول صلاة

الرجل وقصر خطبته مَئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من

البيان سحراً ".

وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: (كنت أصلي مع رسول

الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً) .

وقال أبو بكر -رضي الله عنه- ليزيد بن أبي سفيان - رضي الله عنهما -

حين أمّره على جيش إلى الشام: " وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي

بعضه بعضاً ".

وها نحن نرى في عصرنا من يطيل الخطبة حتى يُملَّ الناس. ذكر اللواء

محمود شيت خطاب أنه صلى مع خطيب في القاهرة استمرت خطبته ساعة وعشر

دقائق، مع اللحن والخطأ في الآيات، والأحاديث، والشعر [٥] .

الإيجاز والتطويل نسبي وقد يتطلب الموضوع أحياناً قدراً من الإطالة، أو

طبيعة المستمعين. أو من الخطيب؛ كأن يفد غريب وهو ممن يحب الناس سماع

كلامه؛ فمثل هذه المواقف قد تسوغ فيها الإطالة ويبقى بعد ذلك الإيجاز هو الأصل، فالإيجاز يزيد مسؤولية الخطيب؛ إذ سيحتاج لعرض جملة من الحقائق

والمعلومات في وقت يسير. وليس صحيحاً أن التحضير يتناسب طردياً مع وقت

الخطبة.

سابعاً: أمور لابد من اجتنابها:

أ- التركيز على سلبيات المصلين، والحديث عن أخطائهم، أو استعمال

ضمير المخاطب كثيراً، وهذا مثل الطبيب الذي يحدث المريض عن مرضه ويبالغ

في وصفه وخطورته؛ إن التركيز على مثل هذا الأسلوب من شأنه أن يحطِّم كل

جوانب الأمل لدى المصلي، مما يجعله يشعر أنه لا يمثل إلا مجموعة من الأخطاء

والعيوب، ومع كثرة النقد وبيان الأخطاء يتلبد إحساسه؛ فيشعر أن الخطأ أمر

طبيعي لا يمكن أن يفارقه. أو أن يشعر أن هذا الخطيب لا ينظر إلا بعين واحدة،

فينصرف عن سماع ما يقول.

إن الخطيب الناجح يستطيع أن يحقق المقصود، ويعالج الخطأ دون حاجة

للانتقاد المباشر للناس، فحين يتحدث عن إهمال الناس لصلاة الجماعة مثلاً؛

بإمكانه بدلاً من النقد اللاذع أن يتحدث عن أهميتها، وفضلها، ويسوق الأدلة

الشرعية على ذلك؛ ثم يُثَنِّيْ بعناية السلف بها، ومحافظتهم عليها، وذمهم من

يتخلف عنها؛ وبعد ذلك يقف عند هذا الحد، واللبيب يفهم الإشارة، وفي التلميح ما

يغني عن التصريح، وهذا لا يعني بالضرورة عدم الحديث عن الخطأ أو مجاملة

الناس، لكن هذا شيء، وما نفعله أحياناً شيء آخر.

٢- وصف الأخطاء والتحذير منها دون العمق في تحليل أسبابها، والتفتيش

عن مكمن الضعف. فقد أصبح الشعور بالخطأ مشتركاً لدى الأغلب، لكنهم

ينتظرون برنامجاً عملياً، وخطوات واقعية. ومن ذلك الحديث المجرد عن الموت

والقبر دون ربط ذلك بالواقع. ويشير ابن القيم -رحمه الله- إلى شيء من ذلك،

فيقول: " وكذلك كانت خطبته، إنما هي تقرير لأصول الإيمان، من الإيمان بالله،

وملائكته وكتبه، ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه وأهل

طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خفته إيماناً وتوحيداً،

ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمراً مشتركاً بين الخلائق،

وهي النوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب

إيماناً بالله، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً

للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة؛ غير

أنهم يموتون، وتقسم أموالهم، ويبلي التراب أجسامهم، فليت شعري أي إيمان

حصل بهذا؛ وأي توحيد وعلم نافع حصل به؟ ! " [٦] .

٣- النقد الشخصي والتصريح بالأسماء، فهذا خلاف هدي النبي - صلى الله

عليه وسلم - الذي كان كثيراً ما كان يقول: " ما بال أقوام يفعلون كذك وكذا ". أو

الغلو والإيغال في التعمية، فالمنكرات الظاهرة العامة يجب أن تنكر صراحة.

٤- مدح من لا يستحق المدح، والثناء عليه، كما في بعض المواقف

والمشاريع التي يدرك الجميع أنها غير صادقة، وغير جادة، أو كانت جادة؛ لكن

الخطيب لا يستطع أن يقول كل شيء، فلا يستطيع الانتقاد وبيان الخطأ، فلا

يسوغ له الاقتصار على الثناء؛ لأنه يتضمن التزكية عند الناس، أما ما يقوله

البعض من أن هذا شهادة للمحسن بإحسانه؟ فهذا مطلوب لكن حين يستطيع أن

يشهد بالإساءة والإحسان، أما حين تكون الشهادة بالإحسان وسيلة لطمس الحقائق؛

والتلبيس على الناس، فهذا أمر مرفوض.

٥- تأثر الخطيب بعمله الوظيفي. فحين يكون مدرساً يتحدث كثيراً عن

الإجازات، والامتحان، وبدء العام، وهكذا مَنْ يعمل في ميدان الاحتساب ترى

معظم خطبه تدور حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن المنكرات

المتفشية في المجتمعات، وهذه أمور مطلوبة؛ لكن هذا شيء وكونها سمة غالبة

على الخطيب شيء آخر.

ثامناً: مقترحات للخطيب:

لعلنا نقترح هاهنا بعض المقترحات للخطيب على أمل أن تساهم في إفادته،

ورفع مستوى خطبته:

١- اللقاء بالخطباء في الحي، والتنسيق معهم، والاستفادة المشتركة من

المعلومات، ووجهات النظر، مما يختصر عليهم كثيراً من الوقت.

٢- وضع صندوق للمقترحات؛ يشمل موضوعات للخطبة، وانتقادات،

ومعلومات عن ظاهرة معينة، ليكون هذا الصندوق حلقة وصل بين الخطيب

والمصلين، وقناة للتفاهم بينهم.

٣- اللقاء ببعض فئات المجتمع كالمدرسين، والطلاب، والعمال، والأطباء، والقضاة، والعسكريين، فيستفيد من إطلاعهم على جوانب في المجتمع قد لا

يطلع عليها، ومن التعرف على مشاكلهم، والتي تمثل عينة من مشكلات يعاني

منها الكثير من زملائهم، إلى غير ذلك مما يفتح للخطيب قنوات أكثر مع المجتمع.

٤- الاستفادة من بعض المصلين، فقد يصلي مع الخطيب أحد طلبة العلم،

أو المثقفين، أو ممن يمكن أن يستفيد منه، انتقاداً، واقتراحاً، ومعلومات؛ إلى

غير ذلك.

٥- وضع " أرشيف " شخصي، ينظم له معلوماته، ويمكن أن ينسق مع

غيره من الخطباء لتبادل الخبرة، والمعلومات.

٦- الخطيب هو الرجل الوحيد الذي لا يسمع خطبة الجمعة، ولعله حين

يحرص على سماع الأشرطة المسجلة لمشاهير الخطباء يستفيد كثيراً.

٧- القراءة في الكتب المؤلفة في الخطابة وفنها.

٨- الترجمة للخطبة إذا كان في المسجد جاليات أعجمية.

تاسعاً: هل سألت نفسك هذا السؤال؟

ماذا حققت من خلال الخطابة خلال مدة اعتلائك المنبر. هل صححت أخطاء

تربوية؟ هل قمت بحل مشاكل اجتماعية؟ هلى ساهمت في تعليم الناس أصول

العقيدة، والأحكام التي يحتاجونها في حياتهم؟

إن هذا السؤال لا يعني فشلك، أو اتهامك بالتقصير. لكنه سؤال يجب أن

تطرحه على نفسك باستمرار مدى قيامك بهذه الأمانة، ورعايتها.


(١) رواه أحمد وأبو داود (٥٠٠٥) ، والترمذي (٢٨٥٧) .
(٢) رواه مسلم (٢٦٧٠) وأبو داود (٤٦٠٨) .
(٣) جامع الأصول (١١/٧٣٣) .
(٤) صفر ١٣٧٧ هـ.
(٥) مجلة لواء الإسلام (شوال ١٣٩٦هـ) .
(٦) زاد المعاد (١/٤٢٣) .