للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المنتدى

خلا لكِ الجو فبيضي واصفري

راشد بن عبد الله العدوان

نقرأ هذه الأيام في بعض المجلات (المرتزقة) بعض الكتابات من تسطير

أصحاب الأقلام المسمومة حول قضية المرأة، وكيف أن الرجال سلبوها حقها، وأن

الحجاب الشرعي بزعمهم ما هو إلا تقاليد وعادات دخيلة ورثناها إبان عصر الغفلة

والجهل، وأن [وقرن في بيوتكن] [الأحزاب: ٣٣] ما هو إلا حبس لها، وإحكام

الخناق على حقوقها المسلوبة التي لا تَتَأَتى إلا بمشاركة المرأة للرجل ومخالطتها له

في شتى شؤون الحياة.

ولا أدري: أأعجب من كلام هؤلاء الموتورين، أم أعجب من مدى جرأتهم

وصفاقة وجوههم؛ حيث كشفوا عمَّا تُكِنُّ صدورهم، بدون أدنى حياء أو خجل؟

وأقول: إن هؤلاء الذين يَدَّعُون بأن للمرأة قضية، ويَدْعُون مطالبين

ومزمرين ومطبلين بإخراج المرأة من مستقر حشمتها وعفافها، إنما يَدْعون لإحياء

فتنة، ويحاولون جاهدين إحداث الانقسام في المجتمع بين الرجل والمرأة، وشغل

أفراده بقضايا لا تفتأ أذهانهم تثيرها بين الحين والحين، ببريق لامع وغلاف يلفت

النظر، في حين نجد العدو يتربص بالمسلمين الدوائر وواقعنا خير شاهد على هذا.

إن الرجل والمرأة حقيقةٌ واحدةٌ ربط الله بينهما بمودة ورحمة، لتثمر وتنبت

التعاون على مسيرة الحياة كما شاء الله. يقول جل شأنه: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا

رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً

واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء: ١] .

وإثارة قضية المرأة إنما يأتي على الطريقة الغربية لخدمة الكثير من الأهداف

المشبوهة في مجتمع المسلمين، فإذا كان الإسلام عند الغرب ومقلديه قد صار مبادئ

عفا عليها الزمن بمرور القرون فعلى المسلمين أن يبحثوا لهم عما يعوضهم عنها من

مبادئ العصر وأفكاره تُشكل نمط حياتهم، وتوجه مسارها، ومن ثَمَّ فإن حاضرهم

يجب أن يُفصَل عن ماضيهم، ومشكلات يومهم هي من ثمار أمسهم، وحلول

الأمس لا تجدي نفعاً مع معطيات العصر، فيتحتم إذاً ولوج جُحْر الضب فتُدعى

المرأة إلى الخروج والعمل، والاختلاط، والسفور، والانتقال بلا ضابط أو رقيب

كالرجل؛ فهي نصف المجتمع، يجب ألا يموت، ويجب أن تُرفع الوصاية عنها!

ويفسح لها المجال في كل اتجاه، وهكذا تدور الحلقة في شرقنا المسلم كما دارت في

الغرب الصليبي، وترفع لها شعارات (حرية المرأة) ، و (قضية المرأة) ،

و (التحديث) ، ويتطرق الأمر إلى أن هناك موروثات يجب هدمها لإفساح الطريق

أمام النهضة الحضارية المزعومة.

ونحن اليوم نتساءل: لماذا كانت هذه الدعاوى المحمومة في سبيل نهضة

المرأة الحديثة؟ هل لتنهض بالأمة؟ هل لتسمو ببيتها وتعلو بأولادها وزوجها إلى

مراقي السعادة، أم لكي تذوب المرأة المسلمة في خضم تقليدها للمرأة الغربية،

والتي ضاعت وأصبحت متاعاً مباحاً وكَلأً ليس له من يحرسه ولكن تنتهك

حرماته! !

ولكل من فشا فيهم مرض التجديد ووباء التقليد، فتمسكوا بكل حديث، ولو

كان بالاختلاط والتبذير والرقص والفسوق، ونبذوا كل قديم، ولو كان الدين والعقل

والفضيلة، والذين يطالبون بمساواة الرجل مع المرأة، أقول لهؤلاء جميعاً: اعلموا

أن لكل من الرجل والمرأة عمله المناسب له، فالجدال حول هذا الأمر لا طائل

وراءه.

نعم: لا جدال في الوظيفة المثلى التي تستقل بها المرأة وهي حماية البيت في

ظل سكينةٍ زوجية من جهاد الحياة وحضانة الجيل المقبل لإعداده بالتربية الصالحة

لذلك الجهاد، والعمل بكل ما يتناسب مع فطرتها ويخدم بنات جنسها. ألا يُحَكِّم

هؤلاء (المأفونون) عقولهم، ويعلموا أن الرجل رجل له مقوماته وخصائصه، وأن

المرأة أنثى لها طبيعتها ومميزاتها؟

ألم يعلموا أن للرجال وظائف ومهام ومجالات عمل لا يتقنها بإجادة إلا هم،

وأن للنساء وظائف ومهام لا يصلح لها ولا يقدر عليها إلا هن؟

وأما دعاوى هتك الحجاب فليست نفياً للحجاب فحسب، بل نفياً للمرأة ذاتها

وراء حدود الأسرة، وما الحجاب إلا حفظ لمكانة المرأة، وصونها من التبذل

الممقوت، والارتفاع بها أن تكون سلعة بائرة ينادى عليها في مدارج الطرق

والأسواق. فخروج المرأة من حجابها وفطرتها خروج إلى الضياع، وهو إضعاف

لها، وجعلها فريسة للمغرضين.

إن الأسرة المسلمة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع الإسلامي، وحجاب

المرأة جزء هام في وظيفتها الحياتية، يصونها من غوائل السوء، ويحفظها من

لصوص الأعراض، ويقي حياءها من الخدش، ويحفزها إلى صلاح الروح،

وصلاح النفس، ولهذا كان الغرب الحاقد شديد الحرص على نزع حجاب المسلمات

ليصلوا إلى بغيتهم ويحققوا أهدافهم؛ فكأس وغانية تفعل بالمسلمين ما لا يفعله ألف

مدفع. وعندما أدرك أعداء الإسلام أهمية الحجاب، وعرفوا ما فيه من وقاية

للمجتمع ومحافظة عليه من الذوبان في غيره وجهوا سهامهم إليه، وأَلَّبوا عليه

جموعهم وأجْلَبوا عليه بخيلهم وَرَجِلهم ليصلوا إلى ما يريدون ويحققوا ما ينشدون.

وباسم حرية المرأة عمل المخدوعون ببريق حضارة الغرب على الدعوة إلى

تشبُّه المسلمات بالكافرات، وصاحبات الخدور بالسافرات، لتكون المرأة وسيلة

لتحقيق أهوائهم ورغباتهم، بعد تجريدها من مكانتها، وتهميش دورها، وتحطيم

قيمها وأخلاقها، ثم الوصول إلى هدم بناء الأسرة، وتذويب المجتمع المسلم في

عاداته وسلوكه بالمجتمعات التي لا تَمُتُّ إلى عقيدتنا وقيمنا بأي صلة، حتى لا تبقى

لشريعة الله بقية.

وقد كان من أول ما قررته القوى المعادية للإسلام من كيد للإسلام أن تُدفع

المرأة للتخلي عن معاني العفة، ومكارم الحياة، فزينت لها أسلوب الجاهلية في كل

مناحي حياتها، وخاصة في موضوع حجابها ولباسها.

وختاماً أقولها صريحة وقوية: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا

العزة بدونه أذلنا الله.