للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

البيان الأدبي

الهَجْمةُ على اللُّغةِ العربيّةِ

إبراهيم بن سعد الحقيل

توطئة:

تنبَّه المستعمر الصَّليبي بعد طرده من ديار الإسلام بل وبعد نقل المعركة إلى

عقر داره في أوروبا إلى أهمية الدين الإسلامي وأثرهِ في بقاء المسلمين أقوياء،

فبدؤوا في غزوٍ فكري يحاول هدم أُسسِ الإسلام في نفوسِ المسلمين، وشنوا

حملات مختلفة في جميع الميادين، فشكَّكوا في المسلَّمات الدينيّة، ونبشوا آثار الأمم

الكافرة التي أزال الله بالإسلام دولهم وحضاراتهم، وشوهوا تاريخ الإسلام وسِيَر

قدواته، وكانت الهجمة مركزةً على لغة الإسلام ولغة رسول الإسلام صلى الله عليه

وسلم؛ لقطع حبال الاتصال بين حاضر المسلمين وماضيهم، ولجعل القرآن الكريم

غريباً على آذانهم، وكذلك سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتراث المسلمين

المتنوع.

فجردوا اللغة العربية من رداءِ القدسية، وحاولوا فصل اللغة العربية عن

الإسلام.

يقول طه حسين: (إن اللغة العربية ليست ملكاً لرجال الدين يُؤْمَنون وحدهم

عليها، ويقومون وحدهم دونها، ولكنها ملكٌ للذين يتكلمونها جميعاً، وكلُّ فردٍ من

هؤلاء الناس حرٌّ في أن يتصرف في هذه اللغة تصرف المالك ... ) [١] .

وإذا فقدت اللغة العربية هذا الرداء المقدس، وفقدت أهميتها الدينيّة سارت إلى

ما سارت إليه اللغات البائدة.

وقد غفل من حارب اللغة العربية عن حياطة الله عز وجل لها بالقرآن الكريم! واتخذ الهجوم على اللغة العربية لتدميرها عدة محاور هي:

المحور الأول: الدعوة إلى العامية: نرى أوروبا مقسمة إلى دول كثيرة لا تزيد مساحة أكبرها عن نصف مليون كم٢، لكل بلدٍ لغته وتاريخه، وكذلك كادوا للمسلمين فطُبق التقسيم السياسي، وحاولوا حتى الآن تطبيق التقسيم اللغوي والتاريخي، فروَّجوا هذه الدعوة لينعزل كل جزءٍ من العرب في محيطهم بلغتهم العامية وتاريخهم الوثني القديم، وليصبحوا أُمماً شتى.

كان المعجَبُ بالغرب رفاعةُ رافع الطَّهْطَاوي الذي أُرسل إماماً لأول بعثةٍ

علميّةٍ إلى الغرب أولَ من دعا إلى استعمال العامية وتدوين قواعد لها.

قال في كتاب أصدره عام ١٨٦٨م أسماه [٢] : (أنوارُ توفيق الجليل من أخبار

توثيق بني إسماعيل) : إنَّ اللغة المتداوَلة المُسمَّاة باللغة الدارجة التي يقع بها التفاهمُ

في المعاملات السائرة لا مانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ وتصنف بها كتب

المنافع العمومية، والمصالح البلدية.. اهـ.

ثم خرج علينا مندسٌّ من المستشرقين عاش في مصر مديراً لدار الكتب

المصرية اسمه: (ولهلم سبيتا) بكتاب أسماه: (قواعد اللغة العامية في مصر) عام

١٨٨٨م، وذكر أنه قد جازف بذلك العمل لحبه لمصر وللمصريين [٣] .

وأسرع صاحب صحيفة المقتطف فارس نمر فقرَّظ لهذه الدعوة، ودعا إلى

تدريس العلوم وكتابتها باللغة التي يتكلم بها الناس [٤] .

وبعد دخول المستعمر أصبحت المقتطف مداحة له، وأسرع الإنجليز

ففرضوا الإنجليزية لغة التعليم، وأصبحت لغة رسمية، وأغلقوا مدرسة الألسن،

ووجهوا جميع البعثات إلى بلادهم فقط.

وذرَّ قرنُ (كارل فولرس) فكتب كتاباً اسماهُ: (اللهجة العامية في مصر) ،

وكان لـ (ولكوكس) رأي مشابه بل وصفيق؛ فقد قال في محاضرةٍ له: إن ما يعيق

المصريين عن الاختراع هو كتابتهم بالفصحى ... وما أوقفني هذا الموقف إلا حُبي

لخدمةِ الإنسانية، ورغبتي في انتشار المعارف. وأعلن في آخر المحاضرة عن

مسابقة للخطابة بالعامية، ومن تكون خطبته جيدة ناجحةً فله أربع جنيهات.

كان ذلك عام ١٨٩٣.

ومن العجب أن (ولكوكس) هذا كان يصدرُ مجلة اسمها: (الأزهر) ، وكان

يدعو إلى العامية من خلالها [٥] .

وخرج نفر كثيرٌ من هؤلاء يدعون إلى كل ما فيه هدم لأسس الإسلام في

نفوس المسلمين، وكان منهم: (سلدان ولمور) الذي كتب عام ١٩٠١م كتاب:

(العربية المحلية في مصر) ، قال فيه: ومن الحكمة أن ندع جانباً كل حكم خاطئ

وُجِّه إلى العامية، وأن نقبلها على أنها اللغة الوحيدة للبلاد [٦] .

وأسرع فارس نمر صاحب المقتطف يقرِّظ لهذا الكتاب.

ووضع (ولمور) كتاباً آخر عام ١٩١٠م، سمَّاه: (لغة القاهرة) ، وجاء

مضمونه كسابقه.

لم يكن هذا الوباء في مصر وحدها؛ فهذا (إسكندر معلوف) [٧] اللبناني أنفق

وقته في ضبط أحوال العامية وتقييد شواردها لاستخدامها في كتابة العلوم؛ لأنَّه

وجد أسباب التخلف في التَّمسك بالفصحى، ونحا ابنه عيسى نحوهُ فيقول: إنَّ

اختلاف لغة الحديث عن لغة الكتابة هو أهمُّ أسباب تخلفنا رغم أنَّهُ من الممكن اتخاذُ

أيِّ لهجةٍ عاميةٍ لغةً للكتابة؛ لأنها ستكون أسهل على المتكلمين بالعربية كافة.

ولي أملٌ بأن أرى الجرائد العربية وقد غيّرت لغتها.

وهذا أعدُّهُ أعظم خطوةٍ نحو النجاح، وهو غاية أملي [٨] .

ومن العجب أنَّ من يدعو إلى العامية عضو في مجمع اللغة العربية؛ فأيُّ

خير يُرجى من هذا المجمع وهذا من أعضائه؟ ونعود إلى مصر فنجد (سلامة

موسى) [٩] يقول في كتابه: (البلاغة العصرية) : (إنها تبعثر وطنيتنا يقصد بذلك

الفصحى وتجعلها شائعةً في القوميَّة العربية) .

ويقول عن أستاذه أحمد لطفي السيد مفسد الجيل: وقام على أثره مُنشئ

الوطنية المصرية الحديثة، فأشار باستعمال اللغة العامية، وبيّن أنَّ ما يشغل بال

(ولكوكس) بل ويقلقه هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها.

وأحمد لطفي السيد هذا تولى رئاسة مجمع اللغة العربية؛ فأيُّ مجمع هذا؟

وينعق الشاعر العراقي الهالك جميل صدفي الزهاوي فيقول [١٠] : فتَّشْتُ طويلاً

عن انحطاط المسلمين فلم أجد غير سببين أولهما: الحجاب الذي عدَّدتُ في مقالي

الأول مضاره، والثاني: هو كون المسلمين ولا سيما العرب منهم يكتبون بلغةٍ غير

التي يحكونها.

ونعود إلى مصر فإذا بـ (لويس عوض) [١١] الصليبي الشيوعي يدعو إلى

العامية ويصنف كتاباً يهديه إلى (كريستوفر سكيف) الجاسوس الإنجليزي ويكتب

ديوانه (بلوتو لاند) عام ١٩٤٧م الذي دعا فيه إلى كسر رقبة البلاغة العربية وإلى

الكتابة بالعامية [١٢] .

وكان للمغرب العربي نصيب من هذه الدعوة؛ فقد أصبحت اللغة العربية لغة

ثانية بعد الفرنسية لغة المستعمر، وجاء في تقرير أعدته لجنة العمل المغربية

الفرنسية: إنَّ أول واجبٍ في هذه السبيل هو التقليل من أهمية اللغة العربية،

وصرف الناس عنها، بإحياء اللهجات المحلية واللغات العامية في شمال

إفريقيا [١٣] .

وقد وضع علماء الاستعمار من المستشرقين كتباً في قواعد اللهجات

الأمازيغية لتزاحم العربية، يقول (شحادة الخوري) : شعر المستعمر باستحالة اقتلاع

اللغة العربية من أرض الجزائر وغرس اللغة الفرنسية مكانها، فلجؤوا إلى وسيلةٍ

مُساعدةٍ أخرى وهي الإيحاء لأكبر عددٍ من أبناء الجزائر بأن اللغة العربية ليست

لغة أصليَّة في الجزائر، وإنما اللغة الأصلية لسكان الجزائر هي اللغة البَرْبريَّة لغة

الأمازيغ، وقد تطوع الفرنسيون لوضع أبجدية لها كيما يمكن كتابتها [١٤] .

ونعود إلى الشام ولبنان خاصة؛ ف (مارون غصن) أصدر كتاباً قال

فيه [١٥] : إنَّ كل لغةٍ سائرةٌ إلى الفناء؛ لأن الشعب كله متعلقٌ كل التعلق بلغة آبائه وأجداده، وما هذه اللغة إلا العامية، وأتبع ذلك بإصدار كتاب بالعامية عنوانه: (في متلوها لكتاب) عام ١٩٣٠م.

ويتمنى (مارون غصن) أن يرى عاملاً عسكرياً سياسياً يفرض اللغة

العامِّية [١٦] .

وقد تزامن مع هذه الدعوة إصدار جرائد ومجلات وكتب باللهجات العامية،

فقد صدرت سبع عشرة جريدة ومجلة عامية بحلول عام ١٩٠٠م [١٧] ، كما تحول

المسرح من الفصحى إلى العامية مما دعا المنفلوطي إلى تسميته بـ (الملاعب

الهزلية) [١٨] كما تسابق المستشرقون على إصدار دراسات عن اللهجات العامية

مثل دراسة (نللينو) عن عامية مصر، و (سيانكو فسكي) عن عامية المغرب

وتونس، و (إلياس برازين) عن عامية حلب، و (ليوريال) عن عامية الجزائر،

وغيرها [١٩] .

المحور الثاني: الدعوة إلى الكتابة بالحروف اللاتينية: هذه الدعوة مرتبطةٌ

بالدعوة السابقة؛ حيث أخذ الهجوم على الفصحى [٢٠] بالتدرج وتوحيد الجهود،

وقد بدأ بذلك (سلدان ولمور) في كتابه: (العربية المحلية [٢١] المصرية) ، وهدَّد

بأن العرب إن لم يفعلوا ذلك فإن لغة الحديث والكتابة ستنقرض، وستحل محلها لغة

أجنبية.

ويخرج علينا عضو في مجمع اللغة العربية ليكمل جوقة المحاربين للغة

القرآن من مجمعها، وكان الأوْلى أن يُسمَّى: (مجمع محاربة اللغة العربية) .

هذا العضو هو (عبد العزيز فهمي) [٢٢] ؛ فقد دعا عام ١٩١٣م لكتابة

العربية بالحروف اللاتينية، وأصدر كتاباً يوضح فيه طريقته، جاء فيه بالعجب

العجاب؛ فقد جمعَ نماذجَ للكتابة، أُرسلت له ممن هب ودب يكتبها ويكتب تحتها

ترجمتها بالحروف العربية، ويقول ناشر الكتاب: (ونجحت التجربة في تركيا وهم

يقرؤون اللغة التركية بالحروف اللاتينية، ولكنَّ أصحاب الآراء المتحجِّرة رموهُ

بالكفر والزندقة) [٢٣] .

وقرأت أنه رجع عن دعوته تلك [٢٤] .

ويستلم منه الراية (سلامة موسى) القبطي [٢٥] ليتبرأ من آثار العرب

تاريخياً ولغوياً، ويدعو إلى ما دعا إليه المارقون قبله بشدةٍ وحماسةٍ.

وطبق بعض المارقين ذلك النهج، فولدت محاولاتهم ميّتةً.

مثل: (رفائيل نخلة اليَسُوعيّ) في كتاب أسماه: (قواعد اللهجة اللبنانية

والسورية) ، مكتوب بالحروف اللاتينية، وطبعته المطبعة اليسوعيّة.

وأما (أنيس فريحة الخوري) فلا يرضى بأن تكون العامية اللغة المعتمدة بل

يدعو إلى كتابتها بالحروف اللاتينية لتكون لغة رسمية للعرب [٢٦] ؛ لأن الحرف

العربي لا يصلح لتدوين اللهجة العامية ويقبلُ اقتراح عبد العزيز فهمي؛ لأنَّهُ يَضْبطُ

لفظة اللغة مرةً واحدة لجميع الناس.

والمُتسمِّي بـ (أدونيس) طبق ما يريد أستاذه (أنيس فريحة) فأصدر في عام

١٩٦١م ديواناً اسماه (ياره) كتب بالحروف اللاتينية [٢٧] .

أما (انستاس الكرملي) الذي يُسميه الجهال: (الأب) فقد كان ماكراً في

دعوته؛ حيث ابتدع طريقة للكتابة تحوي في تضاعيفها حروفاً لاتينية [٢٨] ، وذلك

في مجلته: (لغة العرب) ، وكان يهاجم الداعين إلى استبدال الحرف العربي

بحرف لاتيني، فهو يذرُّ رماداً في العيون لكي لا تراه ولا تنتبه لعمله، ولكنها رأته

وأبطلت ما يصبو إليه.

أما مجمع اللغة العربية فقد انشغل ثلاث سنوات يدرس اقتراح كتابة العربية

بحروفٍ لاتينيةٍ [٢٩] استجابة لثلةٍ من أعضائه المارقين! ألم أقل: إنه مجمع

محاربة اللغة العربية؟ !

المحور الثالث: الدعوة لإصلاح اللغة العربية: لو كانت تلك الدعوات قُصد منها إصلاحٌ وإيضاح كما فعل المتقدمون منهم وكثيرٌ من المحدثين لكان ذلك صواباً، ولكنَّ النيَّة السيئةَ هي مطيَّةُ القوم. ولكي يَصِلُوا إلى مرادهم وصموا العربية بالجمود والتعقيد والصعوبة.

وكل من ذكرنا سابقاً وكثير من مثلهم قالوا ذلك.

وكانت تلك الدعوات غطاءاً للهدم؛ فمنهم من دعا إلى إلغاء الإعراب مثل

(قاسم أمين) عام ١٩١٢ [٣٠] ؛ حيث دعا إلى تسكين أواخر الكلمات عوضاً عن

الإعراب.

قال (سلامة موسى) [٣١] : والتأفف من اللغة الفصحى التي نكتب بها ليس

حديثاً؛ إذ يرجع إلى ما قبل ثلاثين عاماً حين نعى (قاسم أمين) على اللغة العربية

صعوبتها، وقال كلمته المشهورة: إن الأوروبي يقرأ لكي يفهم ونحن نفهم لكي

نقرأ.

فانظر إلى ترابط الهدم؛ إذ يتحدث عن إفساد المرأة ثم يدعو إلى إفساد

العربية.

ولمثل دعوته في ترك الإعراب دعا (عبد العزيز فهمي) [٣٢] وتبعهما

كثيرون مثل: (يوسف الخال) [٣٣] الذي دعا إلى تحطيم بنيان اللغة والتخلص من

العبء الثقيل وهو الإعراب، وكثيرون سواه دعوا إلى ذلك، ومن آخرهم أستاذ

بجامعة الملك سعود بكلية الآداب عندما عرفتُ ما يدعو إليه في إلغاء الإعرا [٣٤] ... تذكرت ما كان يقوله لنا ونحن طلبة عنده من أنَّ عيبه عدم استطاعته إيصال

ما يريد لطلابه لضعف لغته.

وكانت لغته ضعيفة، ولسانه مطبوعاً على العامية لا يستطيع الفكاك منها.

ومنهم من دعا إلى إصلاح قواعد الكتابة مثل: (أحمد لطفي السيد) [٣٥] ...

الذي يقول: إن سبب تراجع الأمة العربية تمسكها بالتشديد والتنوين، ثم دعا إلى

قواعدَ جديدةٍ ابتكرها مزهواً بذلك كأنه أبو الأسود أو الخليل رحمهما الله.

كما كان لـ (أنستاس الكرملي) رأي ماكر في إصلاح الكتابة العربية دسَّ فيه

حروفاً لاتينية أوضحناه آنفاً.

أما (أنيس فريحة) فقد أصدر عام ١٩٦٦م كتاباً أسماهُ: (في اللغة العربية

وبعض مشكلاتها) [٣٦] أهداه إلى كل معلِّم يدرّسُ العربية رونقه بحديثٍ في أوله

عن مزايا العربية، ثم رنَّقهُ [٣٧] بوصم العربية بالعجز عن اللحاق بالعلوم والفنون، وجعل هجاءها من مشاكلها، ودعا إلى تيسير ذلك، وأخذ يحيي اقتراحاتٍ بائدةً

لإصلاح ذلك.

كما تأفف من مشكلات القواعد النحوية، واشتكى من الصرف ودعا في ثناياه

إلى العامية! فماذا أبقى فريحة الخوري؟ وزعم (مارون غصن) وهو ممن يُدعون

بـ (الأبّ) أنَّ اللغة العربية ضعيفة في كل شيءٍ؛ ولذلك هبَّ مسارعاً لتسهيل هذه

اللغة فوضع كتاباً اسماه: (نحو عربية ميسرة) [٣٨] عام ١٩٥٥م، وكتب مقالاً

عنوانه: (هذا الصرف وهذا النحو أمَا لهذا الليل من آخر؟) ، سخر فيه من قواعد

العربية، ودعا إلى تركها [٣٩] .

أما صاحب فجر الإسلام (أحمد أمين) فقد دعا إلى إصلاحٍ في متن

العربية [٤٠] وانطلقت دعوته تلك من منبر مجمع اللغة العربية؛ فهو أحد أعضائه.

وكل من تحدث عن الإصلاح يلوك مقولة ملْكية الجميع للغة ويتهمون كل

مدافع عنها بأنه ممن يدَّعِي مُلْكَ اللغة؛ كما ذكرنا قول طه حسين آنفاً.

المحور الرابع: إفساد الذوق السليم: لما عجز المستعمر وعجز ربائبه

وأذنابه عن فرض العامية وكَلّت أقلامُهم في الدعوة إلى الحروف اللاتينية، وماتت

تجاربهم في مهدِها، ولم يستطيعوا جرَّ العرب لتحطيم العربية بدعوى الإصلاح،

عند ذلك لجؤوا إلى إفساد الذوق السليم لكي يعدمَ العربي ذوقه التي اعتاد عليه في

الاستمتاع بما كتب به كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتراثه الأصيل، وحاضرهُ الزاخر.

فانفتح الباب على كل عربي قارئ للآداب بمذاهب لا يعرف منها إلا اسمها

سلخت من بلاد الغرب وزُجَّ بها في ساحة العربيةِ وطُوِّعت وسائل الإعلام المختلفة

لكي تمتلئ بهذه المذاهب التي تهدمُ الدينَ وتحاربُ العربيةَ وتُفِسدُ الأخلاق.

وترجمت كتب النقد الغربي لكي يُطبَّق على أدبنا.

وأصبح لزاماً على الدارس في كثيرٍ من أقسام العربية في الجامعات أن

يدرس هذا الأدب وهذا النقد، ولقد درستُ النقد الأدبي الغربي في المرحلةِ الجامعيةِ

ولكنهم سمَّوه: (النقد الأدبي الحديث) .

ودُعم كل ناعق بهذه الخزعبلات، فامتلأت الجرائد والمجلات وأرفف

المكتبات بها، وخرج علينا في جميع وسائل الإعلام دعاة الحداثة وهم شرذمة قليلة، ودعوا إلى تحطيم الشعر.

يقول (لويس عوض) [٤١] : (حطِّمُوا الشعر؛ لقد مات الشعر العربي عام

١٩٣٣م، مات بموت أحمد شوقي) . فصار الشعرُ طلاسم وأحاجي لا يفهمها حتى

كاتبها. لكي يعدم الشاب النماذج التي يحاكيها.

يقول الدكتور (عمر موسى باشا) [٤٢] : إنَّ مفهوم الحداثة في الأدب يعني

حريَّة الأديب فيما يختص باستخدام اللغة، وأنَّ للأديب الحرية الكاملة في استخدام

اللغة العامية المحلية، ونحن نعترض على إطلاق هذه الحرِّية ما دامت تُصدِّع

صرح اللغة العربية.

كما شجعت الآداب الشعبية لإفساد الذوق وحرف الناس عن أدبهم الفصيح،

ولكي تسيطر العامية على الناس.

يقول الدكتور: (محمد محمد حسين) رحمه الله عن هذا الأدب: هو امتداد

للدعوة إلى استبدال اللهجات المحلِّية العامِّية مكان اللغة الفصحى) [٤٣] .

وأجزم أولاً أنَّ تدوينها والاهتمامَ بها ليتعلَّقَ الناس ويفسدَ ذوقهم ويعتادوها،

ويعدموا النموذج الأصيل.

يقول أنور الجندي [٤٤] : حاول الداعون بها أن يَوجِّهوا العنايةَ إلى الجمالِ

الفنِّي الذي تمثلهُ الأمثالُ والقصصُ والأغاني التي يتداولها العامة، وقد دوَّنوا ما لم

يكن مدوناً، فلما برزت الدعوة إلى العناية بالفنون الشعبية تمسَّح الداعون بهذه

الدعوة بين العرب زاعمين أنَّ إهمال هذا اللون من الفنون ترفُّعٌ عن العناية

بالطبقاتِ الفقيرةِ الكادحةِ، وما يتصل بها من شؤون.

الخاتمة: بعد أن رصدنا رصداً سريعاً جوانب من هذه الهجمة نستخلص منها:

١ - كانت بدايةُ الهجمة بالمستشرقين تحت ظلال المستعمر، ثم نقلت إلى

بني جلدتنا ليكون لما يقولون قبول أكثر.

٢ - جُلُّ من هاجم العربية بأي شكل هم من المستشرقين وغير المسلمين

مثل: موسى سلامة، ولويس عوض، وعيسى معلوف وابنه إسكندر، ورفائيل

نخلة، ومارون غصن، وأنيس فريحة، والكرملي وغيرهم، ومن هاجم العربية

من غيرهم فهو من المارقين الذين تحلَّلوا من الإسلام مثل: قاسم أمين، وأحمد

لطفي السيد، وطه حسين، وأشباههم.

٣ - اتخذ الهجومُ التدرجَ دعوةً إلى العامية ثم الحرف اللاتيني؛ فلما لم

ينجحوا في ذلك دَعَوْا إلى إصلاح العربية؛ والقصدُ هو الإفساد؛ فلما سقطت

دعوتهم فُتِحَ البابُ لإفساد الذوق السليم، وشُجعت الآداب العامية.

٤ - جوبهت تلك الدعوات الهدامة بردود ومعارك كتابية أرجعتها خائبة،

كما أعرض العامة عنها ولم يعيروها أذناً صاغية، وكان تطبيقها حِكراً على

الناعقين بها.

٥ - ساعدت تلك الهجمة في بث الروح والحياة في نفوس أهل العربية،

فخرج شعراء كبار مثل: البارودي، وشوقي، وحافظ، والرصافي، وكُتَّاب كبار

كالرافعي، والمنفلوطي، وباكثير، وغيرهم.

والله ولي التوفيق


(١) المجموعة الكاملة لمؤلفات طه حسين، علم التربية، ٢٩٠.
(٢) الصراع بين القديم والجديد في الأدب الغربي، للكتاني، ج ٢، ٧٥٨، والاتجاهات الوطنية في الشعر العربي المعاصر، لمحمد محمد حسين، ج٢، ٣٥٩.
(٣) تيارات مسمومة ومذاهب هدامة، لأنور الجندي، ١٢٧، والاتجاهات الوطنية، ج ٢، ٣٦٠، ولماذا يزيفون التاريخ، لإسماعيل الكيلاني ٣١٦ ٣١٧.
(٤) الاتجاهات الوطنية، ج ٢، ٣٦٠، ولماذا يزيفون التاريخ، ٣١٧.
(٥) الصراع بين القديم والجديد، ج٢، ٧٦١، ولماذا يزيفون التاريخ، ٣١٧.
(٦) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٦٠، ولماذا يزيفون التاريخ، ٣١٧.
(٧) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٦٣.
(٨) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٦٣، ولماذا يزيفون التاريخ، ٣١٨.
(٩) الفصحى لغة القرآن، لأنور الجندي، ١٢٧، والاتجاهات الوطنية، ١، ٣٧٢، ولماذا يزيفون التاريخ، ٣١٩.
(١٠) تيارات مسمومة ونظريات هدامة، ١٩٦.
(١١) لماذا يزيفون التاريخ، ٣٢٤.
(١٢) لماذا يزيفون التاريخ، ٣٢٠، ومجلة الآداب عدد ١، ٢ / ١٩٩٩م، ص ١٠١.
(١٣) الاتجاهات الوطنية، ج، ٣٦٥، ولماذا يزيفون التاريخ، ٣٢٣.
(١٤) القضية اللغوية في الجزائر وانتصار اللغة العربية، ١٨/١٩.
(١٥) لماذا يزيفون التاريخ، ٣٢٤.
(١٦) المصدر السابق، ٣٢٥، واتجاهات البحث اللغوي الحديث في العالم العربي لبنان للدكتور رياض قاسم، ٣٨٨، وذكر كثيراً من آراء غصن.
(١٧) الفصحى لغة القرآن، ١٢٧.
(١٨) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٦١.
(١٩) ذكر كثيراً منها أنور الجندي في كتابه: الفصحى لغة القرآن، ١٢٧.
(٢٠) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٦٠، ولماذا يزيفون التاريخ، ٣١٧.
(٢١) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٦٣، ولماذا يزيفون التاريخ، ٣١٨.
(٢٢) طبعة ١٩٩٤م، وهي ليست الأولى بالتأكيد.
(٢٣) مجلة الآداب ١، ٢ / ١٩٩٩م، ص ١٠١.
(٢٤) الاتجاهات الوطنية، ج٢ ٣٦٥.
(٢٥) لماذا يزيفون التاريخ، ٣٢٣.
(٢٦) اتجاهات البحث اللغوي الحديث ٣٩٤/ ٣٩٥.
(٢٧) لماذا يزيفون التاريخ ٣٢٤، واتجاهات البحث اللغوي الحديث ودرس مضمون الكتاب هذا
٤٠٧/ ٤١١.
(٢٨) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٧٧، وذكر بعض الردود عليه.
(٢٩) المصدر السابق، ج٢، ٣٦٣ ولم تكن اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية أحسن حالاً من المجمع؛ فقد احتضنت فريحة وألقى محاضرات في مراكزها عن اللهجات وأساليب دراستها عام ١٩٥٥م، وسارعت إلى طباعة تلك المحاضرات، الاتجاهات الوطنية، ج٢ ٣٦٤.
(٣٠) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٧٢، وتيارات مسمومة، ٢٧٣.
(٣١) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٧٢.
(٣٢) مجلة الآداب عدد ١، ٢ / ١٩٩٩م، ص ١٠١.
(٣٣) تيارات مسمومة، ٢٧٢.
(٣٤) اقرأ ما كتبه د حسن الهويمل في جريدة الرياض بتاريخ، ٣/٣/ ١٤٢٠هـ.
(٣٥) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٦٩.
(٣٦) طبع أكثر من مرة.
(٣٧) رنَّقَه: كدَّره ورَنَقَ بمعنى صفا، وكدِر؛ فهو من ألفاظ الأضداد.
(٣٨) لماذا يزيفون التاريخ ٣٢٥.
(٣٩) المصدر السابق، ٣٢٥.
(٤٠) الاتجاهات الوطنية، ج٢، ٣٦٩.
(٤١) تيارات مسمومة، ٢٠١.
(٤٢) المصدر السابق، ٢٧٢.
(٤٣) المصدر السابق، ٢٥٠.
(٤٤) المصدر السابق، ٢٥٦.