للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خواطر في الدعوة

مزالق الطريق

محمد العبدة

ليس المصلح من يُعَلّم الناس الخير، ويلقنهم حب الفضائل، ويتعلمون منه

أنواع العلوم فيحفظونها ويطبقونها، ولكن من يحتاط ويحترس، ويخشى من زغل

العلم ودخائل النفس وخباياها، فينبه إلى المزالق، ويقطع على تلامذته طرائق الفهم

الخاطئ، أو وضع الكلام على غير مواضعه، وذلك لأن للنفوس عاهات تعتريها

من شغف بالغرائب، وحب للظهور والتعالم، فالمربي هو الذي يحرس هذا العلم

من أن تتلاعب به الأهواء فتحمله على ما تريد وتصل به إلى مدى لا تحمد عقباه،

كما يحرسه من أنصاف المتعلمين الذين لم يرسخوا فيه.

وعندما تطلق العبارات العامة أو المجملة دون تخصيص أو تفسير فإن الناس

يحملونها على غير محملها؛ وهذا ما يربك الأفهام، وخاصة إذا تعلقت بأمر من

أصول العقائد كالولاء والبراء، أو الإيمان والكفر أو بالمفاهيم الأساسية للإسلام.

ومن هنا ينشأ التفرق والاختلاف، وتتشعب الآراء والأفكار، وذلك لنقص العملية

التربوية.

إن منهج الاحتراس وسد الكُوى منهج قرآني جاءت به آيات كثيرة، قال

تعالى: [لا يستوي القاعدون من المؤمنين، غير أولي الضرر، والمجاهدون في

سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين

درجة وكلاْ وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراْ عظيماْ] [١]

وقال تعالى: [فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله

رمى] . [٢]

وهو منهج نبوي، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- إذا تكلم يعيد الكلمة ثلاثاً

لتعقل عنه ومن صفة كلامه أنه بين فصل يحفظه من جلس إليه، وقد عَلّم المسلمين

التأدب مع الأنبياء حتى لا تقع منهم الهفوة ولو كانت غير مقصودة، قال -صلى الله

عليه وسلم-: «ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن مَتى» وعندما

قال له رجل: يا رسول الله يا خير البرية، قال: «ذاك إبراهيم» .

وهذا منهج سلفي، فقد خشي التابعي الفقيه عبيدة السلماني أن يضع الناس

كتبه على غير مواضعها، فدعا عند موته إلى محوها ورعاً، وقد تكلم الحسن

البصري بكلمة حملت على أنها مغايرة لمنهج أهل السنة، قال ابن عون: «لو

علمنا أن كلمة الحسن تبلغ ما بلغت لكتبنا برجوعه كتاباً وأشهدنا عليه شهوداً، ولكن

قلنا: كلمة خرجت لا تحمل» .

إن في العالم الإسلامي اليوم نهضةً علميةً، وطلبة علم حريصين كل الحرص

على تلقيه وحفظه، وهم حريصون على لقاء العلماء والمربين، فإذا لم يكن العالم

ربانياً عارفاً بدخائل النفوس، يعطي طالب العلم ما يحتاجه ويعيه كان عاقبة ذلك

الغلو والتفرق، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهذا أمر لا يسر من كان همه

مصلحة الدعوة وانتشار الإسلام، وإذا كانت هذه الآفات موجودة في واقعنا اليوم،

فكم نتمنى على المربين التنبه لها، وسد هذه الثغرة ليكون البناء سليماً.


(١) النساء، آية (٩٥) .
(٢) الأنفال، آية (١٧) .