للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[من يمثل الإسلام؟]

تعددية قراءة النص هل تعني عدميته؟

د. أحمد محمد الدغشي


` الحقائق الخمس في مسألة قراءة النص:
منذ زمن بعيد ومقولة تعددية قراءة النص «الشرعي» تطرق سمع كاتب هذه السطور لتقذف في تفكيره روح البحث عن حقيقة هذه المقولة وخلفياتها، ولا سيما حينما يكثر ترديدها من أفراد أو جماعات لا تُعرف بعلاقة ودّ مع الخطاب الإسلامي شعاراً أو ممارسة، وأعني بهم اتجاه المدرسة العلمانية المتطرفة يسارية كانت أم ليبرالية. والمثير في الأمر أن ينضم إليهم اليوم ـ من غير قصد أو اتفاق بطبيعة الحال ـ جماعات الغلو الإسلامية التي راحت هي الأخرى تلوّح بهذه المقولة على طريقتها الخاصة، حين تجد نفسها محاصرة بقراءة جمهور العلماء ومحققي الفقهاء في القديم والحديث استناداً إلى قواعد فهم الخطاب الشرعي ونُظُمه المستندة إلى جملة الأسس والقواعد الأصولية المنضبطة.
تأكد لكاتب هذه السطور بعد بحث غير تقليدي في خلفية هذه المقولة ومدلولاتها وانعكاساتها السلوكية أن ثمة نتيجة وحيدة يلتقي عليها طرفا المشكلة: «متطرفو العلمانية، وغلاة الإسلاميين» ـ وإن لم يرد بعضهم إلى ذلك سبيلاً ـ هي: تفكيك النص وعدميته السلوكية؛ إذ بوسع كل مذهب أو جماعة أو حزب أو طائفة أو فقيه أو مفكّر في القديم أو الحديث أن يُعمل قراءته الخاصة للنص «الشرعي» سواء أكان قرآناً أم سنة بحسب معطياته المعرفية والذهنية والبيئية وسواها دون أن يجرؤ أحد ليقسره على قراءة غير قراءته، ولذلك فَمَنْ يُلزِمُ مَنْ؟ وأي إسلام هذا الذي يُرَْفَع شعاره اليوم من الجماعات والأحزاب والمذاهب والشخصيات الإسلامية المتناقضة؟
بل لقد عبّر بعض المثقفين والكتّاب عن هذا الأمر صراحة فقال قائلهم: أي إسلام هذا الذي يدعو إليه الأصوليون الإسلامويون: إسلام إيران؟ أم السعودية؟ أم السودان؟ أم أفغانستان؟ على مستوى الأفراد والزعامات، وعلى مستوى الطوائف والمذاهب والأحزاب: إسلام الشيعة؟ أم إسلام السنة؟ أم الصوفية؟ أم الوهابية؟ أم الإخوان المسلمين؟ أم السلفيين؟ أم الجهاديين إلخ......؟
وهنا لا يجوز أن يضرب المعنيون بالحل الإسلامي شعاراً وسلوكاً بأقاويل كهذه عرض الحائط أو يظنونها من جملة المكايدات السياسية التي يلجأ إليها أي طرف سياسي حين لا يجد سواها شبهة تُقذف في وجه خصمه؛ فالحق أن الأمر أبعد من ذلك بكثير؛ لذلك كله فلا مناص من كشف جملة من الحقائق ـ ولا نقول المغالطات بالضرورة ـ العلمية والفكرية والمنهجية المتصلة بمناقشة هذه المقولة، وذلك على النحو التالي:
` الحقيقة الأولى: مشروعية تعددية القراءات ولكن ...
ليس ثمة خلاف بين جميع فقهاء الإسلام وأئمة الدين من مختلف المذاهب والطوائف والمدارس أن النص الشرعي ليس على درجة واحدة من حيث الورود «الثبوت» والدلالة؛ فالنص القرآني وإن كان قطعي الورود كله لكنه يحوي نصوصاً قطعية الدلالة وأخرى ظنيتها؛ بَيْدَ أن النص النبوي يحوي في ثناياه القطعي والظني معاً: إنْ في الورود أم الدلالة، ولكل منهما مجاله الذي يعمل فيه بحسب قواعد علم أصول الفقه المعنية بتبيان المطلق من المقيّد، والعام من الخاص، والمجمَل من المبين، وقواعد الاجتهاد والترجيح، وشروط الإفتاء ونحو ذلك مما له صلة بجملة قواعد الاستنباط للأدلة الفقهية.
ويتميز الحديث النبوي بعلوم خاصة تضبط الرواية فيه سنداً ومتناً؛ فثمة علم للحديث من حيث مصطلحاته الصحيحة والضعيفة وأقسامهما على نحو تفصيلي.
ثم هناك عِلم شهير اختصت به الأمة المسلمة وتميزت به عن غيرها من الأمم وهو علم الإسناد أو الجرح والتعديل، وهو يتعلق بنقد رواة الأحاديث من حيث سلامة مسلكهم العلمي والأخلاقي (العدالة والضبط) وفق قواعد استقرائية تامة وشبه تامة، كما أن هناك منهجاً يُعنى بنقد المتن «النص المسند إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم» . وقد اصطُلح على تسمية علم السند بنقد الحديث: (روايةً) ، كما اصطُلح على تسمية علم المتن بنقد الحديث: (دراية) .
هذه إشارة عامة إلى المنهج العام لضبط النص رواية ومتناً قبل فقهه واستنباط دلالاته وأحكامه وتوجيهاته في أي مجال من المجالات.
وإذا كانت علوم الشريعة ـ كغيرها من العلوم ـ تقبل القراءات المتعددة في بعض نصوصها وبعض مجالاتها، وترحّب من ثم ـ بالخلاف كما تعده ـ من بعض الوجوه ـ رحمة بالأمة وتوسعة عليها وإثراء لفقهها الاجتهادي، حتى سرت فيهم قواعد علمية محترمة مثل: «لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه» (١) ، و «الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد» (٢) ، إلا أن ذلك ليس على إطلاقه؛ فمقصودهم بذلك مسائل الاجتهاد المسوَّغة المرجوحة أياً ما كان مستندها ضعيفاً من وجهة فريق أو فقيه أو باحث.
أما مسائل الشذوذ المخالفة للإجماع اليقيني ولو كان إجماع الغالب فإن الإنكار فيها قائم؛ ولذلك فالقاعدة الأولى تنص على عدم الإنكار في المختلَف فيه، بخلاف المجمع عليه. ومعلوم مدى إنكار جميع الفقهاء على بعض الأقوال التي لا يعتد بها لبعض الأئمة والفقهاء، ولا يمثل ورودها خرقاً لذلك الإجماع مثل: إباحة المتعة وبعض المسكرات، وبعض مسائل الربا، وأقوال بعض علماء السلاطين في تجويز طغيانهم وعسفهم، وتقديم الفتاوى التي لا تتناقض وسياساتهم حتى لو تغيرت من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والعكس.
وهؤلاء بلاء على الأمة في كل عصر وبيئة؛ فهل يُعتد بشيء من ذلك استناداً إلى مشروعية الخلاف، وعدم جواز الإنكار؟
هذا إلى جانب أن مراد علماء الأصول بتسويغ مسائل الاجتهاد، وعدم جواز الإنكار فيها لا يستغرق جميع مسائل الخلاف؛ فثمة فرق حقيقي بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد؛ فالأولى يسوغ الإنكار فيها، بل يجب في بعض الحالات؛ إذ لا مستند حقيقياً لصاحب القول الشاذ المخالف للإجماع، وإنما هي شبهات طرأت في ذهن صاحبها على افتراض حسن النية وسلامة القصد، وهذا هو الأصل إلا لمن عُرف من مساره العام متهتكاً أو موالياً لسلاطين الظلم والغشم. أما الثانية (مسائل الاجتهاد) فلا إنكار فيها، مع جواز إثراء الخلاف بالنقاش العلمي المؤطر بآداب الخلاف وأخلاق الدين.
أما في حالة إصرار أي فرد أو جماعة أو سواها على تسويغ الخلاف في كل شيء، وعدم الإنكار في كل حال، استناداً إلى قاعدة مشروعية الخلاف وتعدد قراءة النص؛ فإن ذلك يعني التقاء الضدين، والجمع بين المحالين، وهذا في عُرف الأسوياء من كل مذهب وملة متعذر في سنن الكون والاجتماع.
وكل صاحب هوى لن يعدم قولاً شاذاً أو ساقطاً لفقيه أو إمام أو واعظ في القديم أو الحديث. وقد أوضح الإمام الشوكاني هذا المعنى في تعقيبه على مقولة للعلامة الحسن الجلال أوهمت بأن إنكار المنكر لا يكون إلا في مسألة لا خلاف حولها البتة، فقال: «وأما قول الجلال هنا: إن المنكر هو ما كان دليله قطعياً بحيث لا خلاف فيه فمن ساقط الكلام وزائفه؛ فإن إنكار المنكر لو كان مقيداً بهذا القيد لبطل هذا الباب وانسد بالمرة، وفَعَلَ مَنْ شاء ما شاء؛ إذ لا محرم من محرمات الشريعة في الغالب إلا وفيه قول لقائل أو شبهة من الشُّبَه» (٣) تماماً كما يفعل غلاة العلمانية حين يتصيدون قولاً شاذاً أو ساقطاً لفقيه أو إمام أو واعظ في القديم أو الحديث يؤيد انسلاخهم من أحكام الدين وأصوله، وإن كان أئمتهم المشاهير في ذلك وعمدتهم الذين لا يشق لهم غبار هم: محمد أركون، ومحمد سعيد العشماوي، وفرج فودة، ومحمد شحرور، ونصر حامد أبو زيد، ونوال السعداوي، وفريدة النقاش، ومن على شاكلتهم ممن تجمعهم خصومة عنيفة مع الدعاة الإسلاميين ومدارسهم جميعاً لا فرق بين متطرفها ومعتدلها؛ فكلهم في النهاية إرهابيون يتوزعون الأدوار ليس أكثر.
وعلى هذا الأساس يشرّع هؤلاء لأتباعهم ما يعرف عند المسلمين قاطبة بأنه محسوم حكمه، مفروغ من الخلاف حوله، كشمولية الدين، وفرضية بعض الشعائر مثل الزكاة، ووجوب حجاب المرأة، ومشروعية تعدد الزوجات من حيث الأصل، وحرمة بعض السلوكيات الشائنة كالربا وتعاطي المسكرات، كما يزعمون عدم وجود ضوابط على الإطلاق في العلاقة بين الرجل والمرأة، وإذابة جميع الفوارق بين المسلمين وغيرهم من قيادات الاستعمار العسكري والثقافي الحديث بدعوى حتمية النهوض؛ إلا أن بعضهم كان يتوجه به بالأمس شرقاً، بينما صاروا جميعاً اليوم ـ تقريباً ـ يتسابقون نحو الغرب وقبلته البيت الأبيض، ولن يعدموا مسوِّغاً، وتُكَأَتُهم في ذلك جاهزة حاضرة دوماً وهي أن هذه قراءتهم الخاصة للنص الإسلامي، كما أن لغيرهم قراءاتهم المختلفة؛ فمن يحق له ادعاء تمثيل الحقيقة؟ وإذن ليس أمامَنا إلا إقرار كل طرف على قراءته؛ مع إتقان فن الاتهام المتواصل لكل مخالف لهم بأنهم إسلامويون، أصوليون، إرهابيون.. إلخ.
والحق أنه حتى هذا الإقرار ليس إلا انتهازية مؤقتة لحين تستتب لهم الأوضاع للإجهاز على كل مخالف لهم؛ إذ الدعاوى والاتهامات قد فعلت فعلها في نفوس من يسمع لهم أو يتابع خطابهم، فإن ذلك يكشف نواياهم فيما لو استتبت لهم الأوضاع، وسيتضح حينها أن شعارات: الرأي الآخر، والقراءات الأخرى، وحقوق المعارضة؛ كل ذلك سيجد لنقيضه ألف ذريعة وذريعة، وتاريخ بعضهم القريب شاهد صارخ على ذلك، في حين أن مجريات الأحداث التي تدور اليوم على أكثر من ساحة ـ برعاية قدوة الكثيرين منهم الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها ـ كشفت عن حقيقة تلك الشعارات وضيقها وزيفها.
` الحقيقة الثانية: تعددية القراءات لا تلغي صوابية القراءة الوسطية:
مما يلفت النظر بشدة في أمر هذه المقولة «تعددية القراءات» التركيز على الشذوذات في الفكر الإسلامي القديم والحديث وتضخيمها كما لو كانت توازن جميع المعتقدات والأحكام التي قال بها جمهور علماء الأمة من أي مذهب، في أي زمن، وهم تيار الوسطية الإسلامية العام الذين يشملون جميع مذاهب الأمة السوية المعتبرة.
والسؤال الموضوعي المعقّد هنا: ما سرّ هذا التركيز على تلك الشذوذات؟ وهل يخلو أي فكر ديني أو وضعي من أفكار شاذة لا تمثل جمهوره الغالب؟ بصيغة أخرى: إن ثمة قراءة مشروعة للنص وفق الأسس والقواعد التي تمت الإشارة إلى جملتها في الحقيقة الأولى أيّاً ما اختلفت تفاصيلها سواء في فروع الأصول الاعتقادية أم فروع الأحكام العملية فإنها تظل في إطار القراءة العامة المنهجية التي يمكن وصفها بأنها تمثل الأغلبية المطلقة من المسلمين. فما معنى التركيز على النسبة الضئيلة التي لا توازن من أي وجه مع سواد الأمة الأعظم وتيارها الوسطي الهادر؟
وهنا لا بأس ـ مرة أخرى ـ من الإشارة إلى أن العلمانية الكلية المتطرفة بشقيها اليساري والليبرالي لا ترى في الإسلام اليوم ما يستحق الرجوع إليه أو التعويل عليه إلا قراءة أمثال: حمدان قرمط الباطني، وأبي منصور الحلاج أو محيي الدين بن عربي الصوفيين، وجملة من الرؤى والأفكار الغنوصية والإشراقية والهرمسية الفلسفية الغازية؛ تلك التي لا تقوم على منطق عقلي واضح أو حجة برهانية مقنعة أو منهج علمي قويم.
فللمرء أن يتساءل مندهشاً: كيف استبدل هؤلاء الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أي كيف يزعمون فرارهم من الخرافة والدجل، ثم هم ينغمسون في حمأتهما؟ مع أنهم لو عرفوا المنهج الإسلامي على أصوله ووفق ما يطبقه أهله وليس ما يروجه عنه خصومه مدعو الحضارة من مستشرقين ومستعمرين لألفوه المنهج الذي يحترم العقل ويعدُّه حجة؛ حيث لا يتعارض عقلي صريح مع نقلي صحيح، ولكنهم في الغالب ضحايا الثقافة الاستعمارية وفقه عهود الانحطاط. غير أن المثير حقاً أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن صحيح الإسلام، فداووا داءهم بالذي كان هو الداء؛ إذ فروا من مسلك الخرافة الجزئي إلى مصدرها الكلي.
` الحقيقة الثالثة: العلمانية قراءات مختلفة كذلك:
لو استغرقنا في البحث إذاً عن مشروعية تعددية قراءات النص على النحو الذي يدعو إليه دعاة التطرف العلماني فليس مقبولاً أن نقف عند حدود النص الديني وحده، بل سيشمل ذلك جميع النصوص الدينية والوضعية على حد سواء، وفقاً لهذا المنطق ذاته، وانطلاقاً من هذه المسلَّمة فلو راجعنا جملة التراث والأدبيات العلمانية ـ فضلاً عن الممارسات والنماذج التطبيقية ـ لما وجدناها قراءة وحيدة أو واحدة؛ فثمة قراءات علمانية عديدة لكل من المفردات التالية:
الاشتراكية، والديمقراطية، والقومية، كأبرز ما يميز هذه المدرسة أياً ما اختلفت شُعَبُها وفروعها، ولا تعجب إذا ما علمت أن كل واحدة من مدارس العلمانية من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار تدعي أحقيتها بالقراءة السليمة لأي من هذه المفردات الكبرى، أي فهمها أو قراءتها لـ «النص العلماني» .
وعلى هذا لم يعد مستغرباً أن تصبح الديمقراطية ديمقراطيات، وكذلك الحال مع الاشتراكية والقومية العربية ـ على سبيل المثال.
وكي لا يقال إن هذه عبارات فضفاضة عامة تطلق على عواهنها؛ إذ ليس هناك أسهل من إطلاق التعميمات والشعارات اليوم، فلا بأس من هذه الاقتباسات التي تؤكد هذه الحقائق والمسلَّمات التي يعرفها المبتدئون في دراسة الفكر المعاصر، غير أن بعضنا تربّى على الاستماع إلى من يقول لا إلى ما يقال، ولذلك فلا بأس من الاستئناس بما سيرد لاحقاً على ألسنة باحثين وبأقلامهم ينتسبون إلى البيئات الأصلية للديمقراطية والاشتراكية عدا القومية.
وبادئ الرأي هنا نقول: حقاً لا تكاد توجد أيديولوجية اجتماعية أو تنظيمية أو سياسية في القرن الميلادي الماضي وحتى هذا القرن الحادي والعشرين من «الليبرالية إلى الاشتراكية إلى الشيوعية أو حتى الفاشستية أو الفاشية» إلا وهي تدعي أنها هي الديمقراطية الحقة، وأن ما عداها ديمقراطية زائفة. وبات الناس حائرين: أيُّ هذه الديمقراطيات هو الأصيل، وأيُّها المدَّعَى؟ ولا يخرج من هذا الغموض، وهذه البلبلة الاحتكام إلى معايير خُلُقية أو روحية؛ لأن الجميع يدّعون الحرص على الحرية والمساواة وكرامة الإنسان والاحتكام إلى «معايير اجتماعية وضعية» لأن كل فئة تقدم لنفسها معياراً تسوِّغ به منهجها وأسلوبها؛ فمنكرو الديمقراطية الغربية يعتمدون المعيار السياسي، ويميزون ديمقراطيتهم بالحرية السياسية، على حين يعتمد الماركسيون المعيار الاقتصادي، فيميزون ديمقراطيتهم بالحرية الاجتماعية والاقتصادية، ويتحدى الصينيون المعيارين معاً خلال ما يسمونه «الديمقراطية الجديدة» ويتحداها أيضاً الثوريون الآسيويون والأفريقيون من خلال ما يدعونه «الديمقراطية الاشتراكية» .
بل وجدنا من يجمع بين الضدين خلال ما يسمونه «الديكتاتورية الديمقراطية» (١) وكذلك الحال مع الاشتراكية التي امتحن الناس في بعض بلداننا العربية والإسلامية للإيمان بها؛ إذ كانت رمز التقدم والنهوض، ومن اختلف معها في مفردة من مفرداتها فإنه يبوء بلعنة الرجعية والتخلف وقاموس من المثالب (والتكفير) لا نهاية له: فأي اشتراكية يقصدون؟
يقول (مكسيم لوروا) في كتابه: «رادة الاشتراكية الفرنسية» : «لا شك أن هناك اشتراكيات متعددة؛ فاشتراكية بابون تختلف أكبر الاختلاف عن اشتراكية برودون، واشتراكيتا سان سيمون وبرودون تتميزان عن اشتراكية بلانكي، وهذه كلها لا تتمشى مع أفكار لويس بلان، وكاييه، ونوربيه، وبيكور، وإنك لا تجد داخل كل فرقة أو شعبة إلا خصومات عنيفة تحفل بالأسى والمرارة.
يقول الأستاذ (تاوني) : «إن الاشتراكية كغيرها من التعبيرات المختلفة للقوى السياسية المركبة، كلمة لا تختلف في مدلولها من جيل إلى جيل فحسب، بل من حقبة إلى حقبة» .
ويؤكد الأستاذ (كول) التناقض بين فهم العقيدة الاشتراكية بين بلد وآخر، وبين جيل وجيل وما بعده، ويزيد عليه فيقول: «ولم يكن التباين في العقيدة نتيجة اختلاف الزمن فحسب، بل كان هناك تناقض بين الصور المختلفة التي وجدت في عصر واحد» (٢) .
وبرغم قرب العهد بماركس المتوفى ١٨٨٢م وخلفائه إنجلز ١٨٨٦م، ولينين ١٩٢٤م مؤسس الدولة الاشتراكية الماركسية الأولى، نرى الهوة تتسع بين تجربتين رئيستين في روسيا والصين ينتسب كل منهما إلى ماركس ذاته.
وليس أفضل من أن نستشهد هنا بقول لأحد الماركسيين المعروفين وهو (مكسيم رودنسون) الكاتب اليهودي الفرنسي اليساري الذي يقول: «الحقيقة أن هناك ماركسيات كثيرة بالعشرات والمئات، ولقد قال ماركس أشياء كثيرة، ومن اليسير أن نجد في تراثه ما نسوِّغ به أية فكرة! إن هذا الكتاب كالكتاب المقدس (أسفار التوراة والأناجيل وملحقاتها) حتى الشيطان يستطيع أن يجد فيه نصوصاً تؤيد ضلالته» (٣) .
أما القراءات القومية للفكر القومي فمع أنها كغيرها من الأفكار غير خاصة ببلد أو إقليم معين، لكن الإشارة هنا قمينة بالقراءات القومية المختلفة للقومية العربية؛ فمنذ تأسيس حزب البعث العربي في دمشق ١٩٤٤م مروراً باندماج الحزب الاشتراكي السوري معه عام ١٩٥٣م إلى تجنحاته وانقلاباته (٤) ، وأشهرها الانقسام الحاسم في الحزب الذي فصله إلى جناحين رئيسيين أحدهما في دمشق والآخر في بغداد، وانتهاء بالفكر القومي الماركسي، والفكر القومي العروبي، والناصري بصوره المتعددة.
` الحقيقة الرابعة: كل العلوم تقبل تعددية القراءات وليس علوم الشريعة وحدها:
امتداداً للحقيقة الثالثة التي أكدت أن جميع الفلسفات والأفكار تحوي في طياتها قراءات مختلفة لها؛ فكذلك ما من علم إنساني واجتماعي أو طبيعي وتطبيقي يخلو من مناطق تقبل التفسيرات المختلفة المتباينة، والقراءات المتعددة؛ فهل يعني ذلك عدمية تلك العلوم وتفكيكها؟ ولنبدأ بالعلوم الإنسانية والاجتماعية.
فخذ مثلاً من قانون العقوبات ـ وفق أي تشريع وضعي ـ لو أن مجرماً ثبت جرمه بالأدلة المادية القاطعة، ولنفترض أنه من علماء هذا المجال، فراح يفسّر نصوص القانون بما يدرأ عنه الجرم ـ كما يفعل جمهرة المحامين اليوم ـ زاعماً أن هذه قراءته للنص ـ بوصفه مختصاً ـ وإن خالف جميع علماء العقوبات؛ فهل يصبح ذلك شفيعاً له من العقاب؟ وإذا تم فلن يأمن أحد على حياته أو حقوقه المعنوية والمادية؛ لأنه ما من مجرم إلا ويستطيع أن يفسّر نص القانون المجرِّم لفعلته، ذاتياً حين يكون من أهل الاختصاص، أو عن طريق خبير قانوني أو محام، وهذا ما يتم في العادة؛ فهل دَفَعَ ذلك عملياً عقوبة عن مجرم قامت الأدلة المادية القاطعة ضده في ظل نظام عادل حقاً؟
وخذ مثلاً أكبر وأشهر من نصوص القانون الدولي وفقراته؛ فإذا صح أن أية قراءة لأي نص تصبح ذريعة للعبث والشغب، ولا حق لأحد: فرداً كان أم جماعة أم دولة في تصويبه وإعادته إلى الصواب بالمعروف أو القوة إن اقتضى الأمر؛ فليس ثمة ما يمنع محتلاً أن يغتصب بلد غيره، وأن يحشد قراءات مسوغة لجرمه من خلال تفسيراته لنصوص القانون الدولي القاضية بتجريم ما أقدم عليه، زاعماً أن تجريمه لا يعدو أن يكون قراءة من قراءات عدة لذلك النص أو مجموعة النصوص، أما قراءته ـ وقد يكون معه علماء ومختصون وخبراء حقاً ـ فغير ذلك، بل على العكس منها تستخلص تجويزاً أو إيجاباً لما أقدم عليه.
وهذا ليس افتراضاً نابعاً من نسج الخيال، بل هو ما حدث ويحدث بين الحين والآخر، ولعل من أشهر هذه الوقائع وأقربها احتلال العراق للكويت عام ١٤١١هـ ـ ١٩٩٠م بحجج وذرائع عدة، وحين طرحت الأطراف الأخرى أن هذا الفعل يمثل جريمة في عرف القانون الدولي حشد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الذي تولى كِبْر هذه الجريمة كل ما يعتقده مؤيدات قانونية وتاريخية واقتصادية وعسكرية وسواها، غير أن ما يعنينا هنا هو الجانب القانوني للمسألة؛ فعلى سبيل المثال: جاءت قراءة علماء وخبراء القانون الدولي العراقيين تحديداً مشرّعة للاحتلال وفق تفسيرها الخاص بفقرات القانون الدولي وبنوده بهذا الخصوص.
ولهذا الغرض انعقدت ندوة كبرى في ٣٠/١٢/١٩٩١م دعا إليها قسم القانون بجامعة بغداد لدراسة بعض الجوانب القانونية لأزمة الخليج من قِبَل مختصين في الشؤون القانونية وكذلك في السياسة الدولية، وقُدِّمت في هذه الندوة أبحاث من بعض أساتذة القانون الدولي بجامعة بغداد، وقد جاء في بعضها ما نصه: « ... ولكن القانون الذي سيرتكز عليه النظام الدولي الجديد والذي سيكون أداته لن يختلف في تقديرنا عن القانون الدولي القائم، ولكن الذي سيختلف هو توظيف هذا القانون لخدمة النظام المطلوب من خلال تفسير قواعده، وتسخير هيئاته لتحقيق هذا النظام، وفعلاً تم تطبيق ذلك على ما أطلق عليه «أزمة الخليج» من خلال إعطاء تفسير خاص لقواعد القانون الدولي» (١) .
وإذا كانت هذه قراءة أساتذة القانون الدولي الموالين للنظام العراقي في ذلك الحين فإن جمهرة كبيرة من أساتذة القانون الدولي ذاته اجتمعت في وقت متقارب جداً في القاهرة بتاريخ ٥/١/١٩٩١م ولمدة ثلاثة أيام خرجت بقراءة مغايرة لقراءة أساتذة القانون الدولي المجتمعين بجامعة بغداد.
وقد وصف السيد محمود رياض وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام لجامعة الدول العربية سابقاً هذا التجمع الدولي في القاهرة بأنه يعد «أكبر تجمع من خبراء القانون الدولي من مختلف الأقطار العربية والأوروبية والأمريكية للنظر في العدوان العراقي على الكويت» .
ونقل السيد رياض تأكيد «رجال القانون أنه لا يجوز الركون إلى أي مسوِّغ أياً كانت طبيعته سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك لتسويغ ارتكاب العدوان، وإن الحرب العدوانية ترتب المسؤولية الدولية باعتبارها جرعة ضد الإنسانية» وترتب على هذه القاعدة مطالبة رجال القانون بضرورة إجراء محاكمات للقيادة العراقية على غرار محاكمات (نورمبرغ) التي عقدت بعد الحرب العالمية الثانية.
وقال رياض: «لكن الاعتراض العربي على موقف العراق لا ينصبُّ على مطالبته بضرورة احترام قرارات مجلس الأمن جميعها وإنما على انتهاك العراق للمواثيق الدولية والأخوة العربية بغزو الأراضي الكويتية وإعلان ضم الكويت» (٢) .
والآن: أرأيتم كيف يعمد كل فريق إلى قراءة نصوص القانون الدولي بطريقته الخاصة؟ فهل يُترك كل فريق وقراءته؟ ومن ثَمَّ فلا فرق بين غازٍ ومغزو، وظالم ومظلوم، وقاتل ومقتول، ومعتد ومعتدى عليه؛ إذ لكل قراءته التي تعفيه من أية مساءلة قانونية أو سواها؟ أم أن الحل يكمن في إلغاء القانون الدولي من أساسه، ما دام أنه ـ وقت النزاع ـ لم يحقق الهدف في فض النزاع بين طرفين دوليين، حتى على المستوى النظري بين مختصيه وخبرائه؟ أم سيقال ـ وهذا هو المنطق الذي يعني ما سواه حلول الدمار وخراب الديار ـ: إن ثمة قواعد وأسساً ومبادئ لقراءة مواثيق القانون الدولي بفقراته ومواده وجميع نصوصه ـ شأنه في ذلك شأن أي علم محترم ـ يجمع عليها جمهور أهل هذا العلم ولا عبرة ـ بعد ذلك ـ بمن شذ أو سعى لتوظيف تلك النصوص لخدمة أغراض ذاتية: حزبية أو قطرية أو مصلحية على أي مستوى.
بتعبير أكثر دقة: ما وزن هذه الفئة التي اجتمعت في جامعة بغداد بجانب الفئة الأخرى المجتمعة في القاهرة كمّاً ونوعاً؟
وإذا كان هذا هو منطق العلم والعقل والواقع فليس ذلك شأناً خاصاً بالقانون الدولي، بل هي قاعدة عامة مطّردة لا تستثني علماً إنسانياً أو اجتماعياً ناهيك عن شرعي.
أما إذا أصر بعض من أعمى الله بصيرته على استثناء علوم الشريعة وحدها؛ فهي مكابرة صريحة، أو جهل فاضح بالأصول والقواعد التي تضبط منهج الاستدلال فيها، وتغييب مقصود أو غباء لا يُحسد صاحبه عليه برأي الجمهور في أي مسألة تأتي غالباً بالحل الوسط المحقق لمقاصد الشريعة، وفي حال حصول استثناء في ذلك فإنه لا يأتي اعتباطاً أو مسايرة لهوى زعيم أو وضع بيئي، بل ثمة قاعدة المصلحة الشرعية المنضبطة القاضية بـ «تبدل الأحكام بتغير الأزمان» أو «تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد» (١) تسد تلك الثغرة وتحقق مراد الشارع. والمقصود أن ذريعة القراءات المتعددة ستفضي إلى تعطيل جميع العلوم وإلغاء فاعليتها إذا تم تناولها على ذلك النحو العدمي التفكيكي الهادف إلى إقصاء مرجعية الدين وإبقاء ما عداه، رغم أن ما ظنوه قصوراً في مرجعيته يطال بقية المراجع من باب أوْلى وفق منطقهم ذاته.
هذا بالنسبة للعلوم الإنسانية والاجتماعية والشرعية، فهل العلوم الطبيعية والتطبيقية في منأى عن ذلك التحيّز، أو الشذوذ في القراءة؟
والحق نقول: ـ تأكيداً ـ لا يوجد علم على الإطلاق أياً بلغت مكانته أو سما مصدره وحياً سماوياً، أم فكراً بشرياً، إنسانياً واجتماعياً كان، أم طبيعياً وتطبيقياً يسلم من الانحراف في التأويل، أو في الوقوع في دائرة التحيز.
وليس هذا مقام التدليل التفصيلي على حقيقة هذا التقرير؛ إذ ما سبق يغني عن البيان فيما يتصل بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، أما الطبيعية والتطبيقية فمن رام تفاصيلها وغيرها فليراجع جملة الأبحاث المقدمة من ثلة من العلماء والباحثين من مختلف التخصصات والميادين ـ بما فيها الطبيعية والتطبيقية ـ لدراسة إشكال التحيز في العلوم المختلفة، وأثبت جميع أولئك الدارسين حقيقة ذلك الإشكال وقيام الأيديولوجيا بتأثيراتها في صياغة العديد من القوانين والنظريات العلمية بلا استثناء؛ هذا فضلاً عن التطبيقات والممارسات لها (٢) .
` الحقيقة الخامسة: التعددية في قراءة «الهرمنوطيقا» الغربية، وليس في النص الإسلامي:
وفي مسألة قراءة النص هذه قد ينصدم القارئ العادي وربما المثقف الضحية حين يكتشف أن لا علاقة للنص الإسلامي بذلك الجدل العقيم الذي تلوكه ألسنة غلاة النخبة العلمانية في ديارنا؛ إذ تتحدث عن نسبية في فهم النص ـ أي نص ـ وعن تاريخيته، وتسعى لنزع طابع القداسة عنه من الأساس، لتعتبره في نهاية المطاف ـ صراحة حيناً وضمناً حيناً آخر ـ نصاً مكتوباً كأي نص بشري تراثي مكتوب، لا تتجاوز دلالته ظرفه الزماني والمكاني، على نحو قانون (دوغمائي) صارم. والحق أن ذلك كله منصبّ على نص الكتاب المقدّس في الغرب، وتأويله (الهرمنوطيقا) الذي اقتضته مشكلات فكرية وعلمية وسياسية شهيرة لا صلة للنص القرآني أو النبوي بأي من ملابساتها على الإطلاق، ولكن هكذا يفعل الاستلاب الحضاري بضحاياه.
إن النخبة العلمانية لدينا لا تعي ـ أو هكذا يبدو الأمر ـ أن إسقاطها لإشكال النص في الكتاب المقدّس (التوراة والإنجيل) الذي يسمونه (الهرمنوطيقا) على النص الإسلامي (القرآني والنبوي) غير موضوعي، وغير ممكن تصديقه عند جمهرة المسلمين من مختلف المستويات والطبقات والشرائح؛ إذ الكل يدرك ـ وإن على درجات متفاوتة ـ عصمة القرآن من أي محاولة للتحريف والتزييف، وأن جميع ما تم بهذا الخصوص باء بالإخفاق الذريع، كما تدرك في الوقت ذاته ما أصاب الكتب المقدسة عند أهل الكتاب من تحريف غير يسير نطق به القرآن في غير ما موضع، وأكدته الدراسات المقارنة بين الكتب المقدسة والقرآن الكريم.
إن «الهرمنوطيقا» ذات صلة باللفظ الإفرنجي «وله علاقة بـ (هرمس) الذي هو رسول الله لدى اليونانيين، ولهذا كان عليه أن يفهم ويؤول أولاً ما تريد الآلهة توصيله إلى البشر، قبل أن يُترجم ويشرح مقاصد الآلهة نحو البشر، ومن هنا فإن التأويل مرادف للهرمنوطيقا» (٣) . ثم «أصبحت الهرمنوطيقا عِلْماً في عصر النهضة والإصلاح الديني لمواجهة السلطة الدينية التي تزعم أن لها وحدها الحق في فهم النصوص المقدسة، ولهذا تبنى المصلحون البروتستانت مبدأ الكتابة الذاتية للنص المقدّس، وقد بلور هذا المبدأ (ماثياس فلاسيوس إيليركيوس) وهو يدور على حجتين رئيستين:
الحجة الأولى: مفادها أنه إذا كان الكتاب المقدّس لم يُفهَم تماماً؛ فهذا لا يعني أن تفرض الكنيسة تأويلاً برَّانياً لكي نجعله معقولاً.
والحجة الثانية: يشترك فيها (إيليريوس) مع (لوثر) في أن الكتاب المقدس ينطوي على اتساق جَوَّاني، واتصال آياته بعضها ببعض» (٤) .
ويشير المفكر المصري الدكتور محمد يحيى، أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة، إلى أنه «إزاء هذا التحول الحاسم في النظرة إلى كتابهم المقدس بإسقاط قدسيته في واقع الأمر، وإسقاط طابعه الإلهي المعتاد، جاءت الدراسات الأولى أو المواضعات الأولى في علم (الهرمنوطيقا) لكي تحاول وضع أسس وصفت بالعلمية والموضوعية للتعامل مع النصوص ـ كل النصوص ـ تفسيراً وتأويلاً وفهماً، وعلماً وعملاً، وكانت هذه المحاولات في مطلع القرن التاسع عشر وقبله بقليل، ثم طيلة ذلك القرن من جانب نفر من المفكرين الألمان، وهو الأمر الذي ألقى بظلاله في العهود اللاحقة؛ بحيث يكتسب هذا الفرع الدراسي الطابع الألماني، ويؤثر في المدارس الفلسفية والفكرية الألمانية، ويتأثر بها، وبقي هذا الطابع محفوظاً، حتى فيما بعد عندما انتقل هذا الباب من البحث إلى سائر البلدان الأوروبية وأمريكا» (١) .
ويعزو الدكتور محمد يحيى عوامل تأخر نقل جوانب من هذا العلم (الهرمنوطيقا) إلى الطابع «الفلسفي» التقني الغالب على علم أو درس «الهرمنوطيقا» ، «واستخدامها في سياق عملية العلمنة والتغريب من جانب النخب الثقافية العربية المتصلة بالغرب اتصال حياة وبقاء. أضف إلى ذلك صعوبة هذا العلم وتركُّز مصادره الأساسية في الثقافة الألمانية قبل اتصال النخبة بها، وإن كان لهذا العلم وضع قوي لاحق داخل الثقافة الفرنسية، مما أدى ـ مثلاً ـ إلى ظهور بعض مؤثراته على نخب شمال أفريقيا. كذلك تأخر النقل والاستيراد ـ في تقديري ـ لأن الفلسفات الأخرى الطاغية في تنكير النخب المثقفة ـ كالليبرالية والشيوعية، وبعض أشكال القومية ـ كانت تؤدي دورها في العلمنة والتغريب على أكمل وجه، ويجب أن لا ننسى أن التخلف الذي يميز هذه النخب إزاء الثقافة الغربية التي يعتبرونها القدوة مسؤول هو الآخر عن تأخر نقل «الهرمنوطيقا» ذلك العلم الصعب المرتبط بالسياقات الفكرية والتاريخية والحضارية للعالم الغربي» (٢) .
وحيث يوجد في التراث الإسلامي ـ حسب مفهوم النخبة العلمانية المتغربة للتراث ـ مدارس لتفسير القرآن، ومقولات تأويلية مشهورة، اختلفت حولها مدارس علم الكلام، وعبارات معروفة في ذلك التراث مثل عبارة «القرآن حمّال أوجه» فإن ذلك يعني تسهيل عملية نقل «الهرمنوطيقا» من السياق الحضاري الغربي إلى علم التفسير أو التأويل الإسلامي. غير أن الفارق الجوهري سيظل بارزاً وعميقاً بين علم «الهرمنوطيقا» الغربية وبين علم التفسير في الإسلام، من حيث نشأة الأولى في خضم التشكك والنقد والإلحاد العقلي بالكتب «المقدسة» ، وبين نشأة الثاني في رحاب الإيمان، ومنطق العقل والاقتناع بالقرآن الكريم المعصوم من أي تحريف وتزييف (٣) .
ولئن كان بعض المثقفين المتغربين عن قصد أو غير قصد يمارسون منهج التأويل «الهرمنوطيقي» الغربي، دون إفصاح عن ذلك، وإنما تظهر انعكاساته في قراءاتهم التطبيقية للنصوص الشرعية الإسلامية؛ فإن ثمة نموذجاً ثالثاً يمارس هذا الدور مصرحاً بأنه مسلم علماني (٤) ، يتعامل مع النص الإسلامي صراحة من منطق «هرمنوطيقي» (٥) بل نجده يقول في هذا السياق: «وقد نقض الخطاب الإصلاحي الإسلامي في تشغيله آلية الاجتهاد مفهوم (الاجتهاد) المعصوم، أو عصمة الاجتهاد؛ فمن المعروف في قواعد (الهيرمنوطيقا) الإسلامية أن الاجتهاد يصبح معصوماً عن الخطأ بعد الإجماع. يصبح الاجتهاد هنا وفق فهم الخطاب الإصلاحي الإسلامي في مدار النسبي والظرفي والمؤقت، أي في مدار شرط مكاني وزماني محدد. ومن هنا فإنه ليس له عمومية الانطباق بالضرورة على مشكلات تنشأ في شروط مغايرة ومختلفة، ومن ثَمَّ ليس هناك للأحكام الفقهية عمومية كذلك» (٦) .
كما يقول في معرض مناقشته للدكتور أحمد الريسوني (أستاذ أصول الفقه بجامعة محمد الخامس) : «فالأساس في تلك النظريات وفق باحث (علماني) مثلي، هو تجاوز فجيعة المسلم بالتاريخ، وتكييف إسلامه مع تطوراته، وإذا ما تفحصنا هذه الأقوال التي يرتاب بها الريسوني، ويشكك بدوافعها، وينزع عنها الجدارة العلمية، ويرميها في مكان آخر بعقدة المنطلقات النظرية الأساسية للإصلاحية الإسلامية، في نفي من احتكار موظفي (المقدس) لتفسير النص وتأويله، والنطق باسمه والادعاء بامتلاك الحقيقة، وإنكار الكهنوتية، وإعطاء الذات الفردية الحرة حق فهم الدين وتفسيره وتأويله، بما ينسجم مع التطور الاجتماعي» (٧) .
وهكذا يُسقِط صاحبنا (الهرمنوطيقا) المتعلقة بالكتاب (المقدس) على النص الإسلامي المتعلق بالقرآن الكريم وصحيح السنة المطهرة تماماً بتمام، منادياً بمشاعية حق التأويل لكل من أَنِسَ في نفسه مجرد رغبة فحسب، وإن لم يمتلك مؤهل التخصص العلمي، أو يلتزم القواعد المنهجية، كي لا نقع في ادعاء امتلاك الحقيقة، ولأجل التخلص من الكهنوتية، انطلاقاً من حق الحرية الفردية في التفسير والتأويل وفق قانون التطور الاجتماعي ليس أكثر!
والواقع أن هذا نموذج حي للمثقف المستلَب استلاباً مركّباً؛ حيث يجهل أبجديات المنهج الإسلامي في تأويل النص، على حين يزعم في الوقت ذاته أنه الأعلم والأكمل.