للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بأقلامهن

[ويبقى الود ما بقي العتاب]

سارة بنت عبد الله الزامل

نستبشر معشرَ النساء ونُسَرُّ ونبتهج حين نرى إخوة لنا يسارعون ويسعون

لطرح قضايا إصلاحية زوجية تُعنى بتأسيس البناء الأُسري وتشييده، ليشتد عوده

ويقوى ويصلب أمام العوادي، ولتؤدى رسالة الحياة من خلاله في ظل أجواءٍ آمنةٍ

مطمئنةٍ سعيدةٍ، فنسأل الله للبقية المصلحة هذه أن يجزل لهم الأجر والثواب،

ويرزقنا وإياهم الصدق والعدل والثبات والإخلاص، وأن يحفظهم ويحفظ بهم

مجتمعنا المسلم.

ومع تقربنا إلى الله بموالاتهم، وبالدعاء لهم في ظهر الغيب؛ إلا أنه وكما

تقتضيه هذه الموالاة؛ كانت هذه المقالة التي تحمل تنبيهات، وإشارات مختصرة

حول بعض السلبيات المؤثرة على فاعلية هذه الأطروحات الإصلاحية، مقروءة

كانت أو مسموعة، والتي قد تضعف ثقة المتلقي بها وبأهليتها، وتجعل الرباط

بينهما واهناً.

وحَرِيٌّ بصاحب منبر التوجيه والإرشاد الذي يروم تقويم مادته، وإلى أي

شيء بلغت، أن يصغي إلى من يعينه على ذلك، حتى وإن كانوا دونه فضلاً وعلماً،

لذا ندعكم دعاة الحق مع أولى هذه الإشارات:

وإن طلبت مهذباً رمت الشطط:

حينما يقوم بعضهم مجتهداً محتسباً للأخذ بالحياة الزوجية إلى درب السلامة

والأمان، ولتطهيرها من الشوائب والأكدار، يريد أن يصل بها درجة من العلو

والكمال، فتراه يتعجل الأمر، ويحسب أن ليس بينه وبين تحقيقه إلا أن ينثر بين

يدي الزوجين جملة من شمائل الأخلاق وعلوها وفضائلها ونفائسها، مطالباً بتمثلها

وبالتحلي بها، ليرتفع عنهما ما كان وكان! وأنى وكيف الفوز بذلك وهو يغفل

مراعاة الظروف والأحوال، ويغفل أيضاً عنصر الزمن في تكوين الأزمات

وتراكمها، ويغيب عن ذهنه تقلب النفسيات وتفاوت الشخصيات؟ فمن الشخصيات

كما هو معلوم مشاهد من تأسره هذه المعاني أسراً، ومنها من تزيده هذه اللمسات

ترفعاً وتجبراً، وعُجباً بالذات.

وحيناً تجد من يطالب الزوجة بصور شتى وبألوان وطرق من فنون التعامل

الزوجي، دون الالتفات إلى بشرية وضعف من يخاطب، ودون الالتفات إلى أن

فاقد الشيء لا يعطيه، ودون مراعاة بعض هذه المطالب التي يثقل على المرأة القيام

بها ما لم تجد عوامل مساعدة من الطرف الآخر، وإن بقي هذا التغافل والتجاهل

عن هذه الحقائق، وبقيت معه تلك المنى والمطالب فلن يكون إلا الشطط؛ فيوم

تسمع مثلاً: «من الفن في تعامل الزوجة مع زوجها أن تعتذر منه وإن كان مخطئاً،

وإن رفض العذر والاسترضاء فاعتذري، وكرري، وكرري حتى يقبل ويرضى»

وفضلاً عن أن في هذه المقولة إجازةً لأن يخطئ الرجل وهو مطمئن، ففيها

أيضاً كَسْرٌ لنفس المرأة وتحميلها ما لا تحتمل، وإن بلغت في خلقها وتقواها، فلن

تبلغ درجة الصدِّيقة بنت الصدِّيق رضي الله عنها والتي حين قالت لها أمها في

حادثة الإفك: قومي إلى رسول الله وهو يزفُّ لها بشرى البراءة قالت: والله لا

أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي. فبقيت مضطجعة على فراشها لم

تقم إليه، وهو الذي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر يواجه العصبة المؤمنة،

والعصبة المنافقة يذبُّ عن عرضها ويقول: «والله ما علمت على أهلي إلا

خيرا» [١] ومع هذا فإنها لم تقم إليه!

أترى أن في خلق عائشة شكّاً؟ ! أم ترى أن عشير اليوم أوْلى وأجل؟ ! أم

هي المثاليات التي كثيراً ما تشل البناء وتُعيقه؟ !

كم هو جميل بالداعية الذي ينشد الإصلاح والإحسان أن يتوسط في قوله

ومُراده، وأن يلتمس من الكلمات أطيبها وألينها، ويؤلف بينها ثم يسوقها إلى أهلها

سوقاً، وكم هو لطيف لو همس في آذان الأزواج رجالاً ونساءً:

خُذ من خليلك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر

فالعمر أقصر من معاتبة ... الخليل على الغِيَر

وهْم الحياة السعيدة:

وحيناً تأخذك الحيرة من بعضهم وهو يَعِدُ النساء اللاتي يعانين مشكلات

زوجية بحياة سعيدة، وبعاقبة حسنة حميدة، إن هي كظمت الشكوى، وأقالت

العثرات والسقطات، وتركت السؤال عن حقها ... و ... و ... في حين أن نبيهم

صلى الله عليه وسلم يوم كانت تأتيه النساء بمثل هذا كُنّ لا ينصرفن من عنده إلا

وقد وجد لهن مخرجاً، فلا يدع العِلَل الموجعة معلقة في النفوس تفتك بأمنها

واستقرارها؛ فها هي امرأة ثابت بن قيس تأتي إليه لتقول: إنها لا تعيب على

زوجها خلقاً ولا ديناً إلا أنها لا تطيق البقاء معه؛ فما كان منه صلى الله عليه وسلم

إلا أن أمرها برد حديقته إليه ليكون الفراق الذي تريده، وتعود من عنده وقد ألقى

عنها ما تجد.

ويوم جاءته هند تشكو شحّ زوجها أبي سفيان قال لها صلى الله عليه وسلم:

خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف، فتعود هي الأخرى وقد طابت نفسها

بحكم نبيها.

وأبلغ من ذلك ما كان من نسائه يوم اجتمعن يسألنه النفقة، ويراجعنه فيها،

وشق عليه الأمر ووجد عليهن ما وجد؛ إلا أنه لم يشأ أن يكرههن على العيش الذي

هو فيه، ولم يلزمهن بالبقاء عنده، لعلمه صلى الله عليه وسلم أن الإكراه والإلزام

لا يأتي بخير، وأن ما يرد على النفس من أمور لا يُدفع بذلك، فما كان إلا التخيير،

والتخيير لهنّ كان من العليم الحيكم: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ

الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ

اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً]

(الأحزاب: ٢٨-٢٩) فما كان منهن رضي الله عنهن إلا أن عُدن واخترن الله

ورسوله، والدارالآخرة، عُدن يوم أن أُتِيَ الأمر من بابه.

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في معنى قوله سبحانه:

[وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً] (الأحزاب: ٢٨) : «أي أفارقكن من دون

مغاضبة ولا مشاتمة، بل بسعة صدر وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما

ينبغي» .

ويعلق رحمه الله على آية التخيير هذه، ويذكر أن من فوائده: «أن هذا

التخيير داع وموجب للقناعة التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول

عنهنّ جشع الحرص، وعدم الرضا الموجب لقلب القلب واضطرابه وهمّه

وغمّه» .

لذا إن هي أوهام هذه التي ترى أن قسر النفس وكظمها للذي تجد أو تهميشه

وتعليق قضاياها في سقف البيت هو العلاج لها، وهو طريق سعادتها.

بل وتعجب أيضاً من حزمة وصايا وتوجيهات تُساق للمرأة، ويراها بعضهم

أنها سمات للزوجة الصالحة الناجحة، المخلصة لزوجها، وأن الحياة بها تطيب

وتتلاشى المنغصات!

- وإن كان بعض من هذه التوجيهات فيها تلطف وتأدب يحسن بالمرأة القيام

به تجاه زوجها، إلا أن فيها من التهويل الشيء الكثير فتسمع مثلاً:

* أن حق الزوج، وحق أقاربه مقدم على حقك، وعلى حق أقاربك، وعلى

رضى والديك.

* آثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك؛ فأحبي ما يحب، واكرهي

ما يكره «وكأن الولاء والبراء أصبح في الزوج وما يهوى» .

* الحذر أن تقع جوارحه الأذنان والأنف والعينان على ما يكره «ومن ذا

الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط» .

* احتملي توتره، وقدري مشاكله في عمله وكثرة مشاغله، وإياك وبث هموم

البيت والأولاد عنده «طيّبٌ هذا من المرأة وحسن، لكن هي الأخرى تجد المشاكل

والمتاعب في البيت ومن والأولاد؛ فلمن تبثها؟ ! بل إن معاناتها ليلة من الليالي

من جنينها الذي في أحشائها أو من رضيعها وهو بين يديها، أو من مراهق لها لا

تدري على أي شيء يبيت، لتعدل متاعب شهر كامل مما يجده بعض الرجال وهو

في مكتبه أو متجره» .

وتسمع أيضاً:

* لا يسبقك أحد لاستقباله عند دخوله، وأيضاً لتوديعه عند خروجه.

* لا تنامي في حضرته ولا حتى في غيبته، فتهملي بيته وأولاده.

* تجب طاعته مطلقاً بالمعروف ولو أمرك بنقل جبل من مكانه.

* ولو قمت على رأسه ولم تجلسي حتى يفرغ من غدائه وعشائه؟ !

والقائمة طويلة، وطويلة من أشباه هذه التوصيات، والتوجيهات التي يُراد بها

إصلاح البيوت، وتهذيب النفوس، وجلب المحبة والمودة بين القلوب.

والسؤال: أتُرى أن هذا يكون ويتحقق؟ ! وأن بمثل هذا ستبرأ الجراح

وتُجبر الكسور، وتقوم البيوت على السمع والطاعة بالمعروف؟ ! أيكون هذا

والطرح بهذه الصورة وبهذا البعد عن الواقع المشاهد؟ !

إننا نخشى ضد ذلك! فقد تتراجع الزوجة عن بعض ما كانت عليه، يوم

تسمع بأنها ليست هي الزوجة الصالحة المخلصة الناجحة، إلا إذا قامت بمثل تلك

الهالات من التعظيم والتفخيم لزوجها وهي التي تدري أهذا يزيده قرباً منها أم تمرداً.

وأما الرجل حين يسمع مثل هذه النداءات لزوجه، فقد تتعالى نفسه وتعظم

وتكبر في عينه ويستقل ويستصغر كل حسنة وفضيلة من صاحبته، ويحدث عنده

خلط في حقيقة القوامة التي شُرعت له، وبين العلو والكبر الذي ليس هو له، حتى

إنه وتحرزاً من تسرب هذا الشعور عنده؛ فقد ختم الحكيم الخبير آية القوامة بقوله

تعالى: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا

مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ

نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا

عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِياًّ كَبِيراً] (النساء: ٣٤) تحرزاً من ذاك، وبياناً منه

سبحانه أن العلوّ والكبر لله وحده لا ينازعه فيهما منازع. فيا دعاة الخير والإصلاح!

سددوا وقاربوا، واتقوا وارفقوا بأخواتكم المسلمات اللاتي يُقرئنكم السلام ويُذكرنكم

بحديث نبيكم عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً،

ولكن بعثني معلماً ميسراً» [٢] .

رويداً.. رويداً:

وتزداد المعاناة حين تُنادى [٣] النساء بالتزين، والتجمل للزوج، وليس هو

التزين والتجمل المعتاد، لا إنما وكما يعبر بعض المصلحين للتفوق على نساء

المجلات، وفتيات الفضائيات، حتى لا يفتن الزوج! ويقع في المكروه والحرام!!

وعجباً منكم أيها المصلحون! أوَمَا كان الأجدر والأوْلى أن تكون ثمة التفاتة صادقة

حازمة لذاك الطَّرَف كي يغض الطَّرْف عن تلك المفاتن؟ !

ثم لو أن الحياة الزوجية يوم وليلة تقضى والسلام؛ فلربما أمكن هذا، أمَّا

وهي حياة طويلة، سنوات العمر كلها، والتي فيها يتم بناء الدارين معاً الأولى

والآخرة ولكل بناء عدته وأدواته، وفيها يتم تنشئة وإعداد جيل يُعلم من حاله ما يُعلمُ،

وفيها أيضاً وكما توجبه الحياة بناء علاقات بشرية علاقات لها حقوق وتبعات،

وفيها مع ذلك كله مرض وضعف، وهم وحزن، وفتور وإدبار، يلحق بالنفس،

فيها هذا كله وأنتم تعلمونه فما الذي دهى حتى تطالب المرأة أن تتجمل وتتزين

للتفوق على هؤلاء النسوة؟ ! ثم لا بد إذن ولتحقيق ذلك من تجاوزات شرعية كثيراً

ما نددتم بها ونفَّرتم منها: التشبه، الترجل، التنمص ... إلخ هذه المحاذير؟ !

ثم أيضاً أتريدون بالمرأة المؤمنة الحيية العفيفة الحافظة للغيب بما حفظ الله أن

تنزل ميدان السباق والمنافسة مع هؤلاء النسوة؟ ! مع هؤلاء اللاتي لا همّ لهن إلا

الجسد والجسد لا غير، تُعطيه وتعطي به [٤] ، ولا همّ لهن إلا زعزعة مرضى

القلوب؟ !

أتريدون بأمَةِ الله أن تهبط بعقلها وفكرها لتنافس هذه؟ ! لتنافس من تستوي

عندها الظلماء والنور؟ ! أهذا كله حتى لا يفتن زوجها وتبوء بإثمه؟ ! [أَلاَ فِي

الفِتْنَةِ سَقَطُوا] (التوبة: ٤٩) : فيوم زاغ البصر، وغلب الهوى وتدنت الهمة

سقط الرجل في الفتنة؛ هو سقط وليست زوجه هي المسؤولة عن ذاك.

فاتقوا الله دعاة الحق، [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا] (الأنعام: ١٥٢) ؛ [َلاَ تَزِرُ

وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى] (الأنعام: ١٦٤) .

وأين هي بقية الكنوز النبوية؟

ثم ومع أن غاية ما يريده إخوتنا هؤلاء هو الإصلاح والنصح والنفع للعباد ولا

شك في ذلك إلا أن ثمة تساؤلاً لا نجد له جواباً؟ !

فبينما الأخذ والعطاء فيما على الرجل والمرأة من حقوق وواجبات، إذا

بالألسنة تجري وتجري ولا تتعثر ولا تتلعثم وهي تكيل لنفسها الحقوق والواجبات،

وإذا بها تسرد جملة مفصلة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يدعون منها

ضعيفاً ولا صحيحاً إلا تشفعوا بها، وحاجُّوا النساء بها، وحيَّ هلا بها، وهي من

عند محمد الزوج الوفي الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم.

إلا أن الذي نأسف له، ونعجب منه إذا جاء الحديث عن حق أخواتهم

المسلمات، إذا بالأصوات تخبو، وإذا بالشفاه تطبق عن درر وكنوز نبوية من

سيرة حياته الزوجية، والتي بلغت في سموها ورقتها، وفي جمالها وكمالها،

وإنصافها ما حدا بزوج من أزواجه أن تدين له بذلك، وتحفظ له ذلك، وتقول يوم

سئلت عن خُلقه: كان خلقه القرآن، ولو علمت رضي الله عنها ثناء أبلغ وأعظم

من ذلك لوسمته به، وذلك للذي رأته منه في الذي بينها وبينه.

ثم ولو تصفحنا بعضاً من الأحداث الأسرية في بيت النبوة، والتي من المفيد

المُجْدِي أن تكون ثمة وقفات معها وتأملات لها؛ ليدرك المتلقي حقيقة بشرية نبيه

ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو قدوته وبشرية أزواجه رضي الله عنهن.

كأن تكون مثلاً وقفات مع آيات سورة التحريم، والتي نزلت إبَّان حدث

أُسري في ذلك البيت، ثم أُحسن عرض الحدث واستثماره وكيف أن هذا حدث في

بيت النبوة من تدبير خفي وتواطؤ مرتب له، وإفشاء لحديث النبي صلى الله عليه

وسلم في بيت رجل يحمل همَّ أمة، ويقود أمة ليخرجها من الظلمات إلى النور. ثم

من كان خلف هذا الحدث؟ وابنتا من هما تلك المرأتان؟ ثم كيف أن الله يفتح لهما

خط العودة والأوبة ... ثم ... إلخ ما في هذه القصة من دروس وعبر، هنا سيخرج

المتلقي بشعور هادئ متوازن يواجه به أحداثه البيتية، ويتعامل معها بشيء من

الإنصاف والواقعية.

العتاب الأخير:

وحين تضيق أَمَةٌ من إماء الله وهن كثير بالحال التي تعيشها مع زوجها،

وبالذي تجده في بيتها من ظلم، وبخس لا يحتمل، هي لا تشكو هيئته الرثة، ولا

تشكو تفوُّق رجل الشاشة عليه لطفاً وحسناً ولا تشكو الحرمان العاطفي، لا؛ إنما

تشكو ما هو أشد من ذاك، تشكو تنصله الكامل من مسؤولياته: الزوجية، أو

الأبوية أو البيتية أو ربما نفض يديه من ذلك كله حتى ألحقها بركاب السائلين أو

الغارمين، أو أنها تشكو فساداً في دينه، فساداً يصل إليها وإلى أبنائها الشيء الكثير

منه، وينتزع من شعب إيمانها ما ينتزع، أو تجد سوءاً في خلقه، حيث السخرية

والتجريح والازدراء والتشهير والتهديد لها بكل ما يروعها، يكيل لها هذه المعاني

كيلاً، ويستذلها ويستحقرها، ويحرمها أن تعيش لا نقول عيشاً حين تضيق هذه

وتجد أن الصبر لا مكان له، وأن العيش جد لا يطاق، والمواجع تتجدد عليها تجدد

الليل والنهار، عند ذاك تريد مخرجاً.

فها هي تطرق أبواب إخوة لها في الله، سمعت لهم كثيراً واستجابت لهم كثيراً

تطرق أبوابهم حاملة بين يديها مظلمتها هذه عسى أن يرفعوها ويلقوها بعيداً عنها،

وعسى أن تجد النصرة والشفاعة الحسنة وعسى.. وعسى؛ ظناً منها أن الجسد

واحد والشعور واحد كما هو الأصل.

وإذا بها تفاجأ ببعضهم؛ فهذا يهوِّن من شأن ما تحمله، وذاك يشك في صدقه،

والثالث يرى أن الصورة ضخمة مبالغ فيها، والرابع والخامس.

حتى إذا ما وصلت إلى العاشر الذي رق لها قلبه وظهر له صدق ما تقول

وأنها أمَةٌ مستضعفة، مظلومة، مهضومة الحقوق، قام وأسرع يغيثها من كأس

طالما سقى منه عشرات النساء قبلها، والذي لا ندري أهم لا يملكون غيره؟ ! أم لا

يريدون لنا غيره؟ !

اصبري واحتسبي أمة الله! ! فتدافع الدموع والعبرات وتراجعه، وتراجعه

ولا يزيد على: اصبري واحتسبي، احتسبي واصبري.

عند ذلك تعود هذه من حيث أتت، وتعود بالذي أتت به ومعه غيره.. معه

أسف وألم وعتاب: أهذه نجدة الإخوان؟ ! أهذه نصرة من علموا السنة والكتاب؟!

مسكينة هذه التي لولا أنها تخاف الله وتخشى لقاءه لوجدت لها ألف مخرج

ومخرج، ولولا أنها تريده مخرجاً شرعياً سامياً سماوياً لاستفتت أرباب الهوى

ودعاته.

مسكينة هي، لكنها أمة ترجو الله واليوم الآخر، وتعلم أن الأمر كله لله، وبيد

الله وأنه سبحانه عالم الغيب والشهادة العزيز العلي الكبير المتعال مالك يوم الفصل

والحساب يوم ترد فيه المظالم، يوم سيأخذ الله بحقها ويوفيها أجرها ويظهرها على

من ظلمها وخذلها يوم كانت في الدنيا.

وتبقى كلمة:

دعاتنا الفضلاء! ومع ما سبق إلا أن في الخاطر كلمة.. كلمة حق ووفاء.

إذ إن لكم عندنا صنائع بر وخير، وإحسان صنائعكم محفوظة لم تُنسَ، ولكم علينا

بعد الله فضل ومنة؛ فما صحوتنا هذه، وما عودتنا إلى طريق الحق والدعوة إليه

والاعتزاز به إلا ثمرة عطائكم وجهودكم، وما من نعمة نتقرب بها إلى الله سبحانه

وتعالى وإلا ولكم من الأجر مثلها بإذنه جل جلاله.

فلكم في السر والعلن دعوات صالحات بأن يحفظكم مولاكم ويثبتكم ويسددكم،

وينزل لكم القبول، ويفتح لكم القلوب، ويُظهر بكم الحق، ويزيح بكم الباطل،

ويجزيكم خير الجزاء وأوفاه.


(١) رواه البخاري، ح/ ٢٦٦١.
(٢) رواه مسلم، ح/ ١٤٧٨.
(٣) وتأتي هذه المناداة تبعاً لمناداة جَمْع من الأزواج: أن أهليهم ليسوا كأهل الفضائيات، وأنهم يجدون ويعانون ويخشون الفتنة وو «وسلام على أمة هذه هِمَم رجالها» .
(٤) والعطاء درجات؛ فإبداء الوجه مُزيّناً، مُحسناً، على صفحات مجلة، أو من وراء شاشة هذا عطاء وله مقابل.