للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمون والعالم

دروس من زائير..

فهل نستفيد؟

بقلم:إبراهيم بن عبد الرحمن التركي

بعد استقلال زائير قام موبوتو العائد من دراسة الاقتصاد السياسي في فرنسا

بانقلاب عسكري في زائير عام ١٩٦١م بدعم من المخابرات الأمريكية ضد الرئيس

لومومبا، فهرب (كابيلا) المؤيد للنظام السابق إلى الأدغال مع مجموعة من أنصار

الرئيس لومومبا، وتبنى النهج الماركسي، وبدأ الحرب على موبوتو، لكنه بقي

ضعيفاً، ثم فجأة وخلال سبعة أشهر استطاع إسقاط نظام موبوتو في واحدة من

أسرع الحملات العسكرية في تاريخ إفريقيا الحديث، وكانت شرارة البداية عندما

أبلغ حاكم مقاطعة جنوب كيفو الزائيرية ٣٠٠ ألف من التوتسي الذين يعيشون في

تلك المنطقة بوجوب مغادرة البلاد؛ وذلك بعد سيطرة إخوانهم التوتسي على

(رواندا) و (بوروندي) وانتزاع حكمهما من الهوتو المدعومين من موبوتو.

وكابيلا ليس من التوتسي؛ لكن معركته يخوضها جنود روانديون وأوغنديون

وأنغوليون إلى جانب توتسي شرق زائير، ولعل وضعه قائداً من أجل طمأنة

الأعراق الأخرى في زائير.

لكن السؤال: من يقف خلف هذه الحركة، ومن المستفيد منها، ومن الخاسر

وما الآثار المتوقعة لها؟

أما من يقف خلف هذه الحركة ويستفيد منها: فهم عدة أطراف: أولها الدول

المجاورة خاصة رواندا المحرك الأساس للتمرد؛ لأنها تعتقد أن هوتو رواندا

اللاجئين في شرق زائير يخططون لغزوها، فكان هدف رواندا إقامة منطقة عازلة

شرق زائير، لكنها لم تتوقع اكتساح المتمردين لمدن زائير بتلك السهولة، وقد

اعترف نائب رئيس رواندا أن قواته أسهمت في إسقاط أربع مدن زائيرية.

كذلك تستفيد منها بوروندي التي يحكمها التوتسي، وكذلك أوغندا التي يتزعم

زعيمها موسيفيني الائتلاف القوي للزعماء الذين يقفون خلف كابيلا، فقد تسلم حكم

أوغندا عام ١٩٨٦م بدعم من الجالية التوتسية الرواندية الكثيفة العدد في أوغندا،

وساعد منذ ١٩٩٠م الحركات التوتسية المتمردة التي سيطرت على رواندا وبورندي

عام ١٩٩٤م، وأخيراً كابيلا.

ولا يُخفي الرئيس الأوغندي حلمه في إقامة دولة التوتسي الكبرى التي تضم

أوغندا ورواندا وبوروندي وأجزاء من زائير، وتمتد شمالاً من منطقة البحيرات إلى

السودان وغرباً إلى الكونغو، وتشكيل منطقة مهمة بموقعها الاستراتيجي مع غناها

بمواردها الطبيعية.

وبالجملة: فسبع دول من الدول التسع المجاورة لزائير تقدم الدعم للمتمردين

بسبب عدائها لموبوتو لدعمه حركات التمرد فيها.

أما المستفيد الثاني والأكبر: فهو أمريكا حيث تستفيد نفوذاً سياسياً واقتصادياً، أما النفوذ السياسي: فبعد انتهاء الحرب الباردة انتقلت المواجهة في إفريقيا من

صراع بين الشرق الماركسي والغرب الرأسمالي إلى صراع بين الغرب الأمريكي

والغرب الفرنسي، والمفهوم الأمريكي يتجه إلى الإعداد لخريطة إفريقية جديدة عن

طريق ضم بعض الدول وإعادة تركيبها؛ بناءً على أسس قبلية؛ فتكون بذلك دولة

التوتسي الكبرى إذا ما قامت هي الحليف الاستراتيجي لأمريكا على غرار إسرائيل

في الشرق الأوسط أي إنها ستكون إسرائيل الإفريقية: أقلية عددية تتمتع بتفوق

نوعي وبدعم أمريكي؛ وذلك جرياً على عادة الاستعمار في دعم الأقليات، ويصبح

كابيلا رجل واشنطن والركن الركين لسياستها في المنطقة حيث تحيطه بزمرة من

الشباب المتعاونين معه المتخرجين من الجامعات الأمريكية.

أما سبب عدم تدخل أمريكا المباشر بجنودها في إفريقيا ولجوئها إلى أفارقة

يقومون بتنفيذ مخططاتها: فلا شك أنه درس من الهزيمة القاسية التي تلقتها في

الصومال حيث خرجت تجر أذيال الخيبة خاصة بعد مقتل ١٥ جندياً عام ١٩٩٣م

في مواجهة مع الصوماليين، وكان لمنظر الجندي الأمريكي القتيل الذي يجره

أطفال الصومال بحبل وهو شبه عارٍ كان لهذه الصورة أثر عظيم على الرأي العام

الأمريكي، الذي كان سبباً في تعجيل الخروج من الصومال؛ وبعد ذلك رأت أمريكا

أن التدخل بواسطة العملاء الأفارقة هو الأوْلى.

ونتيجة للصراع الأمريكي الفرنسي في إفريقيا عملت أمريكا على إلحاق زائير

الفرنسية بالحظيرة الأمريكية التي وسعتها ببعض دول شرق إفريقيا: إرتريا إثيوبيا

أوغندا، إضافة إلى العميل قرنق.

إذن: فإفريقيا تعيش مرحلة تحوّل بعد انتهاء الحرب الباردة تسعى فيها أمريكا

إلى إيجاد موطئ لأقدامها على حساب القوى التقليدية الأوروبية مثل فرنسا.

وأما من الناحية الاقتصادية فتمثل إفريقيا في القرن ٢١، من المنظار

الأمريكي، السوق الاستهلاكية البديلة عن آسيا؛ حيث تراجعت الصادرات

الأمريكية أمام منتجات اليابان والصين والنمور الآسيوية الصاعدة.

وزائير أكبر دولة في المنطقة ثروةً ومساحةً وبشراً، وهي تختزن ٦٠% من

الكوبالت في العالم، ومخزوناتٍ ضخمة من النحاس والفضة والذهب والحديد

والمنجنيز واليورانيوم والبترول الخام؛ إضافة إلى موارد طبيعية من مياه وغابات

وعاج ومطاط وموز وكاكاو وزيت نخيل وشاي وسكر..

ولذا: وصلت إلى مدينة لومومباشي أسراب من الطائرات الخاصة التابعة

لمديري الشركات الأمريكية؛ وذلك لعقد صفقات تجارية مع كابيلا حتى قبل أن

يزحف نحو العاصمة كنشاسا.

وقد وقّع وزير المناجم في حكومة كابيلا في المنفى وقع عملية استثمار مع

الشركة الأمريكية لحقول المناجم بمبلغ يزيد على بليون دولار، فأمنت الشركة

لكابيلا السيولة المالية لدعم حركته عن طريق شراء الألماس الذي اكتشفه أنصاره

في المناطق التي احتلوها، بل ووفرت له طائرة للانتقال داخلياً وخارجياً.

أما المستفيد الأخير: فهو إسرائيل حيث إنها تسعى للسيطرة على أسواق

السلاح الإفريقية، والاقتراب من منطقة البحيرات العظمى حيث ينبع النيل لإيجاد

موطئ قدم لها على البحر الأحمر؛ لكي لا يكون بحيرة عربية، وهي بالإضافة إلى

جنوب إفريقيا تعمل كرديف للسياسة الأمريكية في القارة الإفريقية.

أما بالنسبة للأطراف الخاسرة في هذه المعركة: فلا شك أن أولها موبوتو

الذي كان يخدم المصالح الأمريكية لأكثر من ٣٠ سنة من خلال التعاون مع

الأمريكيين ضد الحكومات اليسارية والماركسية التي كانت في أنجولا وموزامبيق

وغيرها؛ لكن بعد هزيمة الماركسيين لم يعد موبوتو مهمّاً مثلما كان؛ والأمريكان

يريدون توسيع مصالحهم السياسية والاقتصادية، لذا كان لا بد من إيجاد البديل

الأقدر منه على تلبية المصالح الأمريكية الجديدة.

وقد أسهم موبوتو في إسقاط نفسه بنفسه؛ فخوفه من حدوث انقلاب جعله

يحكم بمبدأ فرّق تسدْ بين الهيئات الأمنية المختلفة. يقول محلل عسكري: إن

الجيش الزائيري لم يكن أبداً أداة للحرب، وإنما كان أداة أمنية مخصصة لحماية

الرئيس؛ إضافة إلى أن الجنود بلا مرتبات لعدة شهور؛ بل كان قادة الجيش وقت

اشتعال المعارك يبيعون الأسلحة التي تم شراؤها لشن هجوم مضاد نهائي على

المتمردين يبيعونها إلى حركة يونيتا المتمردة في أنجولا.

أما ثاني الأطراف الخاسرة: فهي فرنسا فقد خسرت كنزاً مادياً ومعنوياً وثقافياً

كانت تتمتع به طيلة قرون عديدة؛ ويتمثل في ثروات هذه البلاد، ولم تعد أمريكا

راغبة في أن تشاركها فرنسا في اقتسام الكعكة الزائيرية.

لم تجرؤ باريس على القيام بعملية منفردة إنقاذاً للنظام الموالي لها في زائير؛

وذلك بعد الانتقاد الحاد الذي تعرضت له لتدخلها في رواندا عام ١٩٩٤م.

أما سبب استيلاء أمريكا على منطقة النفوذ الفرنسية هذه، فإنه يرجع إلى

الخلاف القديم المستمر بين أمريكا وفرنسا؛ فالأخيرة منذ عشرات السنين وهي تعتز

بذاتها وتريد أن تكون مستقلة لا تابعة لأمريكا؛ ويظهر ذلك من خلال اهتمامها

المعروف بلغتها وتمسكها بذلك في جامعاتها، بل وسعيها لنشرها بواسطة (تجمّع

الفرانكفونية) على الرغم من أن التفوق من حيث الانتشار في العالم هو للغة

الإنجليزية. ومظهر آخر لذلك هو الشكوى الدائمة التي يبديها مثقفو فرنسا من خطر

انتشار الثقافة الأمريكية في فرنسا، ودعوتهم لحماية ثقافتهم من خطر الأفلام

والمسلسلات الأمريكية وانتشارها في فرنسا، وأنه سبيل لنشر الثقافة الأنجلو

سكسونية؛ لحماية ثقافتهم الفرانكفونية؛ ومثال آخر على ذلك: هو مقاطعتها

لاجتماعات حلف شمال الأطلسي لمدة ٣٠ عاماً حتى عام ١٩٩٥م بسبب الخلاف

على قيادة حلف الأطلسي واحتجاجاً على الهيمنة الأمريكية على ذلك الحلف.

ومع قدم هذين المسوّغين للعداء الفرنسي الأمريكي إلا أن أمريكا امتنعت سابقاً

عن التدخل في مناطق نفوذ فرنسا؛ وذلك بسبب الحرب الباردة وحاجتها إلى توحيد

الصف الغربي ضد الاتحاد السوفييتي السابق، أما بعد سقوط الماركسية فلم يعد

لذلك التحفظ مسوّغ، إضافة لما صدر من مواقف فرنسية محرجة للأمريكيين كان

طابعها الاستعراض والمراءاة أمام العالم؛ فكان لا بد من تأديبها حتى تعود لبيت

الطاعة الأمريكي، ومن تلك المواقف زيارة الرئيس الفرنسي إلى سراييفو في بداية

حرب البوسنة ودعوة فرنسا الدائمة للمجتمع الدولي أن يوقف الحرب؛ فظهرت

بمظهر المدافع عن المظلومين أكثر من غيرها، إضافة إلى ما قام به الرئيس

الفرنسي شيراك من زيارة القدس والاستعراض أمام كاميرات التلفاز بتلمسه ذلك

وتهديدهم بقطع الزيارة، إلى غير ذلك من الاستعراضات؛ فكان لا بد من تأديبه

وإخضاعه وإيقافه عند حده، لتبقى السيادة لزعيم النظام العالمي الجديد كما تصورها

هو!

أما ثالث الأطراف الخاسرة فهو السودان؛ فقد كان يستخدم زائير للهجوم من

أراضيها على قرنق، وقد ذكرت جريدة الواشنطن بوست أن الحكومة الأمريكية

تنسق مع يوغندا ورواندا بشأن السودان.

ويفترض المخطط الأمريكي إنهاء النفوذ العربي والإسلامي عن طريق إقامة

نواة إفريقية صلبة تتعاون مع إسرائيل كقبيلة التوتسي، وإغلاق بوابة العبور

العربية الإسلامية باتجاه إفريقيا والمتمثلة بالسودان؛ وذلك بما يشاهد من حصار

اقتصادي عالمي يدبر ضد السودان، يتزامن مع دعم عسكري يقدم لرفيقهم قرنق

لإنجاح عملية انفصال الجنوب عن الشمال المسلم. ولا يقف المشروع التوتسي

عربياً عند حدود السودان؛ بل يتعداه للإمساك بمنطقة البحيرات ومنافذ البحر

الأحمر ومنابع النيل وكلها أوراق ضغط على مصر وهي الطرف الرابع الخاسر من

هذه الحرب إضافة لقيام (إسرائيل) ببناء ٤٠ سداً ومشروعاً للري والزراعة

والكهرباء على نهر النيل الأزرق قبل أن يدخل السودان، واستصلاح ١٥٠ ألف

فدان من الأراضي الأثيوبية المجاورة للسودان، تعتمد في ريها على المياه

المخصصة لمصر من نهر النيل.

لكن مصر عن هذا الخطر غافلة وعلى عدائها للسودان مستمرة، وما يفعله

قرنق من محاولة فصل جنوب السودان في زعمها شأن داخلي لا علاقة لها به مع

أنها هي المستهدفة مما يحدث أكثر من السودان، فهل تصحو مصر من غفلتها قبل

أن يلتف الحبل على عنقها؟ أم تأخذها العزة بالإثم؟ !

ومن الأطراف الخاسرة في هذه الحرب نيجيريا التي جعل تقرير البيت

الأبيض عن استراتيجية أمريكا خلال القرن المقبل، جعل من أهدافه تخفيض

تصدير المخدرات الإفريقية خاصة من نيجيريا إلى أمريكا.

ويظهر مدى العداء بين أمريكا ونيجيريا وأنها تُرى خاسرة من هذه الحرب:

تكرر إعلانها التضامن ضد التدخل الأمبريالي.

ولعل آخر الأطراف الخاسرة زعيم كينيا؛ لأنه كان حليفاً قديماً لموبوتو.

ثم بعد الحديث عن الرابح والخاسر في هذه الحرب لعلنا نختم الحديث

بالتساؤل عما بعد هذه الحرب، وعن آثارها: فهل يا ترى سيعبر كابيلا نهر

الكونغو إلى برازافيل لإعادة توحيد الكونغو الكبير الذي يضم زائير وبرازافيل

والغابون وإفريقيا الوسطى؟ وهل سيكون الدور على نيجيريا بإثارة اضطرابات

العمال فيها؟ أم على كينيا، أم إفريقيا الوسطى؟ وهل سيكون لهذه التغيرات أثر

حاسم في معركة جنوب السودان؟ وهل ستعي مصر الخطر الذي يحاك ضدها،

فتدع إعانة أعداء السودان عليه؟ أم تثبت للجميع قصر نظرها حيال ما يدبر ضدها؟ وهل في محاولات احتواء منابع النيل ما يشير إلى بداية حرب المياه في الشرق

الأوسط؟

هذه التساؤلات وغيرها ستجيب عنها الأيام والأحداث؛ والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.