للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تراث

تعددت الأساليب.. والعبث واحد!

محمد عبد الله آل شاكر

(١)

لا يزال الكلام موصولاً بما سبق في العددين السابقين عن بعض ألوان العبث

بتراثنا. وإن مما يتصل بالتصرف في النصوص المحققة ونشرها، أن تجد ذلك

مقروناً بخيانة الأمانة وسرقة جهود الناشرين والمحققين السابقين، حيث يقوم ناشر

جديد فيطبع بعض الكتب القديمة بطريقة التصوير عن الطبعة الأصلية ويحذف من

الصورة اسم الناشر الأول أو المحقق أو اسم كليهما، وقد بذل كل منهما جهداً كبيراً

في الحصول على الأصول الخطية التي طبع عنها الكتاب، ثم قام بمقابلة

مخطوطاته وضبط الكتاب وتفصيله.

وهذه الطريقة تضيع حقوق الآخرين وتنكر جهدهم، فيُنسى فضلهم الذي

سرقه المتاجرون بكتب العلم، الذين يأكلون حقوق الناس ظلماً فيجعلونه باباً من

أبواب الرزق الحرام، ولكن الأثر يكون أكثر أهمية بالنسبة لتوثيق النصوص عند

الباحثين والمعنيين بحركة النشر ومتابعتها..

وأنت واجد أمثلة كثيرة لهذا اللون من التزوير؛ فقد كان الأستاذ حسام الدين

القدسي - رحمه الله -وقف جهده وعلمه ومكتبته، التي أنشأها في القاهرة بعد

هجرته من بلاد الشام، على تحقيق وطباعة كثير من الكتب الأمهات، في الحديث

وعلومه، وفي اللغة والتاريخ والتراجم.. وتوفي القدسي، ثم جاء تجار الكتب في

بيروت ليعيدوا طباعة كتبه سرقة، وضنوا على صاحب الجهد الأول بإثبات اسمه

أو اسم مكتبته على الكتاب، فأصبحت تجد (مجمع الزوائد) للهيثمي - بأجزائه

العشرة - وتحت عنوانه: (منشورات دار الكتاب العربي - بيروت جميع الحقوق

محفوظة..) .

وبالطبع الحقوق محفوظة لغير أصحابها، أي للسارقين! درن اي إشارة إلى

عمل القدسي حتى المقدمة التي قدم بها للكتاب، وفيها وصف المخطوطة ليس فيها

اسمه.

والحال نفسه بالنسبة لكتاب (شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب) لابن عماد

الحنبلي - الذي طبعه القدسي أيضاً - وسرقته (دار إحياء الكتاب العربي في

بيروت) بطبعات متوالية، ولم تكن (دار الكتب العلمية) أقل حظاً من غيرها في

التزوير والادعاء، فهي تعيد طبع الكتاب وعلى صفحته الداخلية تحت العنوان تجد

هذه العبارة من الطبعة السابقة وفيها إيهام للقارئ، تقول مثلاً: (عن نسخة دار

الكتب المصرية العامرة، مع إتمامها ومقابلة بعضها بنسخة كوبريلي محمد باشا

بالأستانة) وهو ما تجده في كتاب (الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء) لابن

عبد البر الذي نشره القدسي سابقاً؛ فتظن أن دار الكتب العلمية أو صاحبها أو لجنة

التحقيق فيها - قد قامت بجمع النسخ ومقابلتها حتى أخرجت الكتاب مقابلاً مصححاً

ومفهرساً أيضاً!

وهكذا الحال أيضاً مع كتب الخانجي والحلبي والساسي المغربي، التي طُبعت

أولاً في مصر ثم عثر عليها الآخرون من الناشرين الجدد! .

(٢)

وإن كان بعض الناشرين (السارقين) يبقون على اسم المحقق، لصعوبة إخفائه، نظراً لطبيعة العمل الذي فيه وعدم تصديق أحد أن الناشر الجديد يمكن أن يقوم بما ليس من شأنه؛ فإنهم يحذفون اسم الناشر الأول أو اسم المطبعة فحسب، أشرت إلى أن هذا له أثره في عملية التوثيق، فقد أخرج المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية كتباً كثيرة منها (موطأ الإمام مالك، رواية محمد بن الحسن) تعليق وتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. ثم أعادت طبعه بالتصوير المكتبة العلمية، مع حذف اسم المجلس فأصبح الكتاب يُعرف بطبعة (المكتبة العلمية) ! .

وبهذا الأسلوب نفسه طبع (تفسير الطبري) بتحقيق محمود شاكر وتخريج

أحمد شاكر، الذي أخرجته دار المعارف بالقاهرة، وصدر الجزء الأول منه عام

١٣٧٤ هـ، وتوقف المشروع عند المجلد الخامس عشر هذا الكتاب نشرته منذ

عامين في القاهرة نفسها (على عينك يا تاجر!) مكتبة ابن تيمية (رحمة الله

على ابن تيمية) مع حذف اسم الدار وإضافة عبارة (الناشر: مكتبة ابن تيمية)

وبذلك انتهى دور دار المعارف مشكورة غير مأزورة.

وليس هذا كل ما تجده من أمثلة، ولكن حسبنا هذه الإشارة التي تغني عن

الإطالة، وإلا فإن الأمر تجاوز الحد وعجزنا عن الحصر، لنأخذ لوناً آخر من

العبث الذي لا يجوز السكوت عليه بحال.

(٣)

يزداد الضرر أكثر عندما يقوم ناشر جديد، أو محقق تاجر، على طبع كتاب

قديم بنصه وفصه، مع حذف مقدمة التحقيق السابقة والإبقاء على الكتاب كما نشره

المحقق الأول، كما تجد في كتاب (إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال

والحفدة والمتاع) للمقريزي - الجزء الأول - الذي صححه وشرحه الشيخ أحمد شاكر، ونشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، وفي صدره مقدمة للشيخ شاكر ثم كلمة لرئيس لجنة النشر.

هذا الكتاب أعيد تصويره على نفقة إدارة الشؤون الدينية بدولة قطر، وعلى

غلافه عبارة: (عُني بنشره وطبعه: خادم العلم عبد الله إبراهيم الأنصاري) .

واستبدل مقدمته بمقدمة الشيخ شاكر - وليته لم يفعل - فأضاع على القارئ والباحث

فائدة كبرى، يجنيها من معرفة أصل الكتاب والقسم الموجود فيه وطريقة عمل

المحقق وجهده وما نبه عليه في مقدمته. وإن كان له فضل يشكر عليه في إشاعة

الكتاب (رحمه الله) .

وقد يتجاوز بعضهم كثيراً، فيسرق الكتاب مع حذف اسم المحقق والناشر

والإبقاء على تعليقات وشرح الكتاب بنصها؛ فقد طبع الشيخ منير الدمشقي كتاب

(تجريد التوحيد المفيد) للمقريزي وعلق عليه الشيخ طه الزيني، وأعادت طبعه مكتبة القاهرة، حتى جاءت (مكتبة السلام) فأعادت طبع الكتاب مع جل التعليقات والتخريجات وحذفت اسم (طه الزيني) مما يوهم أن العمل في الكتاب- تعليقاً وشرحاً- إنما هو للناشر الجديد.

(٤)

وقد يلجأ بعضهم إلى طريقة أخرى، يتظاهر فيها بالظرافة (فإن اللص

الظريف لا تقطع يده، كما يقولون) فيعمدون إلى إعادة تنضيد حروف الكتاب

المحقق دون الحواشي أو الشروح، فراراً من المساءلة والملاحقة؛ لأن الحقوق

محفوظة. وعندئذ يقع في أخطاء كثيرة فاحشة، تفسد المعنى وتغير الأحكام؛ إذ

يحتاج الكتاب إلى تصحيح دقيق من صاحبه أو من لجنة تصحيح، وهذه الكتب

المسروقة - وخاصة المراجع الكبيرة - من ذا الذي يقوم ويجاهد في تصحيحها؟ !

فلو سقط حرف نفي مثلاً من العبارة أخل بالمعنى وجعل الحلال حراماً، فمثلاً

(ولا يجوز بيع مطعوم، مكيل أو موزون، بجنسه إلا مثلاً بمثل) فسقط حرف

النفي أو أداة الاستثناء.. هل تجد الكلام مستقيماً من الناحية الشرعية؟ .

وتعظم هذه المصيبة عندما ينتشر الكتاب بين أيدي الطلبة والمتفقهين الذين

يتلقون علمهم عن الأوراق دون معلم، ويقتنون هذه الكتب بأخطائها. وتجد أمثلة

على هذا في كتاب (الكافي) لابن عبد البر، وفي (منار السبيل) الذي طبعته

مكتبة المعارف بالرياض بأخطاء كثيرة، وفي كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير،

أو (تفسير القرطبي) الذي لم يصور عن طبعة دار الكتب وإنما أعيد طبعه بشكل

جديد في بيروت.

(٥)

ويتشبع بعضهم بما لا يملك، فيلبس أثواباً من زور، وينسب لنفسه محمدة

ليست له، صراحة أو ضمناً ويندرج عمله تحت عموم قوله - تعالى -: [لا

تَحْسَبَنَّ الَذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ويُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ

مِّنَ العَذَابِ] [آل عمران: ١٨٨] .

للحافظ ابن الجوزي كتاب (القواعد في الفقه الإسلامي) عثني فيه بجمع

القواعد الفقهية العامة، وما بني عليها من الفروع الفقهية وهو كتاب قيم نفيس.

وحتى يتم الانتفاع به بسهولة ينبغي وضع فهرس له يجمع مسائله مرتبة مبوبة وقد

فعل ذلك الشيخ (جلال الدين نصر الله الحنبلي البغدادي) ، فصنع له فهرساً جمع

فيه مسائل الكتاب مرتباً لها على أبواب الفقه، حسب تشكل المسائل ومناسبة بعضها

لبعض، لا على ترتيب المؤلف، فصار الكتاب أداة طيبة تكشف للباحث سريعاً

عما يريد. (انظر: الأموال ونظرية العقد، د. محمد يوسف موسى، ص٥٨) .

وقد طُبع الكتاب بمصر طبعة جديدة عام ١٣٩٢ هـ مكتبة الكليات الأزهرية

ومكتوب على جلده: راجعه وقدم له وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد - ولا

يعنينا الآن التعليقات المزعومة -! وهذا الأمر يوحي بأن المحقق المعلق المراجع

هو الذي صنع الفهرست الذي أُلحق بآخر الكتاب، كما اعتاده المحققون والمعلقون،

ولكن كل من عرف الشيخ طه وعمله في كتبه الأخرى أدرك الحقيقة وعرفها.

وأما الطريقة الظريفة أكثر فهي: أن يأتي أحدهم لكتاب محقق فيقرن اسمه مع

اسم المحقق ثم يزاحمه حتى ينفرد وحده بالكتاب - اسماً - تحقيقاً ونشراً.

منذ عشر سنوات - في ١٤٠١ هـ - قرأت إعلاناً نشرته (مكتبة النهضة

الحديثة بمكة) على بعض كتبها، تقول فيه: (ترقبوا صدور (المتجر الرابح في

ثواب العمل الصالح) تأليف الحافظ الدمياطي (توفي سنة ٦١٣هـ) ، كتاب قيّم مفيد،

يطبع لأول مرة عن نسخة مكتبة الأزهر المخطوطة. حققه وأشرف على طبعه

جماعة من العلماء) انتهى الإعلان.

وكان الشيخ رضوان محمد رضوان قد طبع الكتاب هذا في القاهرة منذ حوالي

نصف قرن (وكان وكيلاً للجنة إحياء المعارف النعمانية بمصر، ويقيم في حي

السيدة زينب بالقاهرة، وقد اهتديت إلى منزل إقامته منذ سنوات وعلمت بوفاته

رحمه الله) ، وصدر الكتاب عن مكتبة النهضة عام ١٤٠٣ هـ بمجلد ضخم، وعلى جلده عبارة: (قرأه وأمر بطبعه عبد الملك بن دهيش - ابتغاء مرضاة الله) دون اسم رضوان محمد رضوان، إلا أنه نسي أن يحذفه من آخر صفحة في الكتاب، ففيها: (بلغ مقابلة على نسخة رواق الأتراك بالأزهر الشريف..) ثم تحتها (رضوان) . (وهذا فسَّر جماعة من العلماء.. وبقي دليلاً على الصدق) .

ولم تنتهِ القصة بعدُ؛ فإليك تمامها:

صدر الكتاب بطبعة تالية مكتوب عليها: (نسخه وضبطه وقابله: عبد الملك

ابن عبد الله بن دهيش، ورضوان محمد رضوان - من علماء الأزهر الشريف)

(سبحان مَن يحيي الأموات! يبدو أن رضوان قد أعاده الله - تعالى - حتى ينسخ

ويحقق مع الشيخ من علماء الأزهر! - وكلمة (يحقق) هذه من عندنا) .

وتحمل الأيام لنا طبعة أخرى أيضاً من الكتاب نفسه بشكله السابق - تصويراً

أنيقاً - وعليه هذه العبارة: (تحقيق عبد الملك بن دهيش - ومحمد رضوان) (يبدو

أن رضوان لم يحسن عمله فاستعان الشيخ بأبيه محمد) ، وتحت ذلك: (مكتبة

النهضة..) وفي الداخل: (الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ، طبعة منقحة وتمتاز بزيادات مفيدة، وفيها مقدمة، في صفحة واحدة، كتبها الفقير إلى عفو ربه عبد الملك بن عبد الله بن دهيش) وعلى الغلاف: (الناشر عبد الملك بن دهيش) .

هذه خطوات متدرجة على طريقة سياسة الخطوة خطوة [ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ

الشَّيْطَانِ] [الأنعام: ١٤٢] ، فما أدري ما دلالة هذا التصرف بهذا الترتيب وهذه

المراحل المتدرجة في العبث؟ وهل يثير ذلك في ذهن القارئ شيئاً؟ !

وعلى كل حال: ليست هذه آخر الملاحظات، فلا يزال هناك أمور أكثر

خطورة، والله المستعان.