للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قضية للمناقشة

التراجعات ... والمراجعات مازال السؤال قائماً! !

د. ماجد الإبياري

بدأ يظهر في الفترة الأخيرة الحديث عن (التراجع والمراجعة) في العمل

الإسلامي، وأخذ المتحدثون يعرضون تصوراتهم، وتحليلاتهم حول القضية

المثارة.

وهذه المناقشة للقضية الجديدة التي بدأت تأخذ أنماطاً مختلفةً وصوراً متعددةً،

أثارت عدداً من النقاط الهامة التي ينبغي الوقوف عندها وتأملها و (مراجعتها) .

النقطة الأولى:

كثر الحديث عن تراجع الحركة الإسلامية من الكتاب الغربيين، ومن

العلمانيين العرب؛ وهؤلاء وأولئك ليسوا محل حديثنا؛ إذ شدة عداوتهم لدين الله

وكل عمل لنصرته لا تخفى على أحد، لكن مجال حديثنا عن فئة من الإسلامين لا

نقول إنها تابعت الغربيين والعلمانيين في تحليلهم للظاهرة، ولكنها تولت الحديث

عن ذلك في الوسط الإسلامي.

إن الفئة التي تولت إظهار هذه المسألة - ولا زالت - فئة لها مكانتها ولها

دورها الرائد في العمل الإسلامي، إنها فئة من أهل الفكر والثقافة. فلم تُثَرِ المسألة

من عالم مشتغل بنشر العلم والتعليم، ولم تُثَرْ كذلك من داعية أو مربٍّ يشغله واقع

العمل الدعوي (التطبيقي) ، ولم نسمعها كذلك من خطيب أو واعظ مهتم بتوجيه

الناس ونصحهم.

لم تُثَر القضية من أولئك جميعاً بالرغم من كونهم شركاء أهل الفكر والثقافة

في العمل الدعوي، وإن أثيرت فليس بتلك الصورة.

ومع التقدير الشديد لأهل الفكر إلا أننا نخشى أن يكون ذلك طريقاً جديداً يراد

توجيه الدعوة إلى سلوكه، خاصةً أن هناك شبه تواصٍ به فيما بينهم، وكم سلكت

الدعوة طرقاً وجَّهها إليها أفراد منها، لهم مكانتهم ومنزلتهم في الدعوة، ولم يُشرك

في ذلك بقية أهل التوجيه والعلم والخبرة، وكانت النتيجة مرارةً شديدةً تجرعتها

الدعوة.

أحد أولئك المفكرين، وفي وقت فورة العمل المسلح لعدد من الجماعات

الإسلامية في عدد من البلدان، لم يكن يرى من سبيل لإخراج الأمة من أزمتها إلا

ما تقوم به هذه الجماعات؛ فلا يفل الحديد إلا الحديد! ! ثم ما لبثت الأيام تمضي

وهدأت - الفورة أو قضي على الثورة - حتى خرج علينا يسير في اتجاه معاكس

يحاول إلزام الدعوة على السير معه، وذلك حين دعا إلى أن تلتزم الحركة

الإسلامية خياراً استراتيجياً جديداً يقضي بإلغاء فريضة الجهاد!

وآخر راح - بعد تراجعه - يسفِّه كثيراً من الحركات الإسلامية ويتهمها

بنقص الفهم وسذاجة العقل، مع أنه كان أحد الرموز الهامة في ذلك الفريق الناقص

الفهم، الساذج العقل.

فهل يتوقع هذا أو ذاك أن تنخدع الدعوة بهم مرتين، أو أكثر من ذلك؟ وهل

ما زالوا يتوقعون أن آراءهم الفردية وطروحاتهم الشخصية سوف تلاقي تجاوباً

سريعاً كما كانت من قبل؟ ولهذا فلا عجب أن يكون أول المتأثرين بنتائج (موضة

التراجع) السلبية الذين تولوا كبر تضخيمها.

ونعيد: مع تقديرنا الكبير لأهل الفكر والثقافة، ودورهم الاستشرافي

لمتطلبات الدعوة بقراءة الماضي، ودراسة الحاضر، إلا أن التجارب التي مرت

بها الدعوة الإسلامية تنبئنا أن مثل هذه القضايا الكبيرة تحتاج - لكي نسلِّم بها،

وكونها قضية كبيرة توجه لها الجهود والطاقات - إلى أهل العلم والدعوة، مع أهل

الفكر والثقافة، تحتاج لكي نخرج لها بحل يصلح الأمة وتبرؤ به الذمة، إلى اتفاق

المنظرين مع التطبيقيين.

النقطة الثانية:

ما هو التوصيف الواضح لمصطلح (التراجع) هل يعنون به تراجع مستوى

الأداء في العمل الإسلامي، علمياً كان أم عملياً: في الأفكار والتصورات، أم

الأهداف والسياسات، في حجم العمل أم نوع العمل؟ أم يقصدون ذلك كله ومثله

معه! ؟ وإن كانوا يقصدون ذلك كله فإن التراجع لا يكون إلا عن مستوى أعلى

ومتقدم، وإن كان ذلك كذلك فلماذا يُغرِق أولئك في تفاصيل إخفاق العمل الإسلامي

في كل مجالاته، ومنذ نشأته الحديثة، ولم نرَ في كتاباتهم الأخيرة حول هذه

الظاهرة إلا النقد الشديد للحركة وإنجازاتها؛ فهي عندهم لم تعرف التخطيط

وطرائقه، ولا المنهجية الحركية وسبلها، ولم تحقق شيئاً من أهدافها - إن كان لها

أهداف - وحركة بهذا الوصف، هل يكون لها إنجازات تتراجع عنها؟ فعن أي

تراجع يتحدث القوم؟ !

النقطة الثالثة:

لم تخرج كتابات الخائضين في مسألة التراجع عن كونها توصيفاً لواقع مأزوم؛

فجُلُّ الكتابات تركز على بيان أهداف الدعوة الإسلامية الكبرى، وتعرض نماذج

من صور الإسلام المشرقة في القرون المفضلة، وكيف واجه الرسول الكريم صلى

الله عليه وسلم الجاهلية الأولى، ثم تُعرِّج بعد ذلك على أسباب انتكاسة الأمة وتنكبها

الطريق القويم، وسطوة أعدائها وتكالب الأمم على القصعة، ثم يأتي الحديث عن

نشأة الحركة الإسلامية الحديثة، وكيف كانت البدايات ساذجةً، ولم تكن مدركةً

للواقع العالمي، ولا حتى المحلي فضلاً عن الإقليمي، ثم تسهب الكتابات في

أسباب الخلل الداخلي بشتى صوره ... إلخ، وهذا كله صحيح في مجمله. ثم إذا

عنونت عناوين أمثال: (كيف نخرج من الأزمة؟) أو (الخروج من التيه) أو

غير ذلك من العناوين التي تُفرح كل مغتم ومتألم لحال الأمة، تجد بعد الشرح

المستفيض الذي استغرق مئات الصفحات، يُقتضب الكلام، ويجمل الحديث إجمالاً:

إنه (بالعودة الصادقة للمنهج الرباني) ! ! و (اتباع سبيل سلف الأمة الصالح في

التربية والدعوة والجهاد) ! ! و (إدراك الحركة لمخاطر الكيد اليهودي والنصراني

وقوى الشر المتكالبة على الأمة) ! ! و (ضرورة التكاتف والتآزر بين فصائل

العمل الإسلامي، والاعتصام بالأخوة الحقة) ! ! ، بل منهم من قال بعد عشرات

الصفحات في بيان تقصير الأمة وتواكلها وتخاذلها عن العمل: (إن نصرة هذا

الدين بيد الله عز وجل، ولا تحتاج إلى جهود بشرية؛ فإنه - عز وجل - إن قال

للشيء (كن فيكون) ! ! فعلامَ الحديث السالف إذن عن أثر الفكر الإرجائي

والصوفي والتواكلي وخطورته على الأمة؟

إن كل ما قيل حق، ولا غبار عليه، وهو كلام جميل ورائع؛ ولكن يا أحبتنا!

يا من سوَّدتم تلك الصفحات في عرض حال أمة يعلمه الجميع، ويدركه الصغير

والكبير! نشكر لكم هذه الحلول (العامة) التي نتفق وإياكم على صحتها، ولكن

أخبرونا مأجورين عن تفاصيل ذلك! أفيدونا مشكورين عن برنامج علمي قابل

للتطبيق العملي في وسط هذه الظروف الحوالك التي أظلمتم بها الدنيا في وجوهنا،

كيف الطريق التنفيذي للعودة إلى المنهج الصافي؟

إن توحيد الصفوف وتراصَّها مطلب ملحٌّ للغاية، ولكن أخبرونا بالسبيل الذي

يوحد به عشرات الألوف من الشباب الذين تربوا على تزكية النفس، وعلى التربية

الروحية والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، تربوا على ذلك عشرات

السنين، كيف يوحد هؤلاء مع ألوف أخرى لم ترَ من طريق لنصرة دين الله إلا

مقارعة الباطل بكل ما تيسر لها، من تسفيه إعلامي، وتحقير سياسي، وحرق

وقتل وتدمير، ويرون ذلك كله جهاداً وإعلاءً ونصرةً لدين الله؟ كيف السبيل إلى

رص الصفوف بين هؤلاء وأولئك بعدما كبر الصغير هنا، وشاب الكبير هناك على

ما أُشربوه من مفاهيم؟ هذا مع فرض أن القادة والموجهين قد تآلفوا وتعاونوا؛

فكيف وقلوب رؤوس الناس لم تصفُ بعد؟ !

إن طرق الحلول بهذه الوسيلة ليذكرنا بمن يعظ الناس في أهمية الخشوع في

الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ولأنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، ولأن

الله - عز وجل - ربط الفلاح بذلك حين قال: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ

فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ] (المؤمنون: ١-٢) ، والعبد إن صلحت صلاته صلح

سائر عمله ... إلخ؛ وهذا كله مسلَّم به، ولكن كيف نخشع في الصلاة؟ هذا

جانب لا يتطرق إليه الناصح، وينقطع حديثه، أين هذا ممن يصنف في ذكر

عشرات الطرق لكيفية الخشوع في الصلاة؟

إن التوصيف أمر هين، يحسنه أصحاب الأقلام، ومن لم يمسكوا الأقلام،

والمريض بسهولة شديدة يصف أعراض مرضه للطبيب، ولكن الطبيب لا يزيده

وصفاً آخر، قد يذكر له أسباب المرض حتى يتوقاها بعد ذلك؛ ولكن دوره لا يقف

عند ذكر الأسباب، بل يصف له علاجاً لهذا المرض بعد معرفته بوصفه وسببه،

ويحدد له موعداً لتعاطي الدواء وحجم الجرعات ومدة التناول، ويطلب منه

مراجعته للتأكد من صحة سير العلاج وتحسُّن المريض، فإن لم يكن أهل العلم

والفكر والدعوة أطباء الأمة، فأي دور يريدونه لأنفسهم؟ !

ولا شك أن القضية المطروحة للنقاش جدُّ هامةٍ، فهي واقع معاش، ولكن لا

بد من وضع القضية في إطارها الصحيح، وحجمها الصحيح، وتقدير زمانها بشكل

صحيح. إن تراجع العمل الإسلامي الحالي عما قدمه قبل ذلك حاصل بلا شك،

والعودة لمراجعة ذلك التراجع خطوة صحيحة على الطريق، ولكن قضية التضخيم،

والمبالغات، والتوريم السطحي لقضايا كبيرة تمس حياة الأمة، هو أمر ينبغي

التنبيه عليه. وإنها لمهمة عظيمة وخطيرة في الوقت ذاته، تحتاج إلى أصحاب

الأفهام والعلم الأصيل، وتحتاج إلى رجال يتحرقون لآلام أمتهم يبيعون أنفسهم لله.

ولكون محدثكم ليس من هؤلاء ولا أولئك فلا يستطيع تقديم صورةً علميةً قابلةً

للتطبيق العملي في هذا الواقع المأزوم، ولكن في الإمكان أن تكون هذه دعوة

لرموز الأمة من علمائها الأبرار ودعاتها الأطهار، ومفكريها الأخيار الذين

يستطيعون أن يجتمعوا ويأتلفوا، ويضعوا مسألة التوصيف جانباً؛ فقد وصفنا بما

فيه الكفاية، ونحتاج إلى برامج عملية لحل إشكالات الأمة الكبيرة، وإلا بقي

السؤال قائماً: كيف نخرج من الأزمة؟