للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دراسات دعوية

من فقه الدعاء في قصص الأنبياء عليهم السلام

نموذج موسى عليه السلام من خلال سورة القصص

بقلم: د. مصطفى فوضيل

تمتلئ قصص الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام بالحكم والفوائد والعبر،

كما قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] [يوسف: ١١١] .

ولعل أوْلى الناس بالاعتبار هم تلك الصفوة من عباد الله عز وجل التي ذاقت

طعم الإيمان وحلاوته، واستشعروا ثقل الأمانة، فانطلقوا في الناس يرشدون

وينصحون على الرغم مما قد يعترضهم من مضايقة أو بلاء. تلك الصفوة التي

ورثت أمانة الدعوة ووظيفة التبليغ من أولئك الأنبياء الكرام عليهم السلام وهم القدوة

الذين نجد في قصصهم كثيراً من الزاد على هذا الطريق.

وسأقتصر في هذه الخواطر على عنصر من أهم عناصر ذلك الزاد، ألا وهو

الدعاء.

وقد روى ابن ماجه في كتاب الدعاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

(إن الدعاء هو العبادة) . ثم قرأ: [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]

[غافر: ٦٠] كما أن الحديث سيتركز في هذه المقالة على قصة موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام من خلال سورة القصص.

وتتميز قصة هذا النبي الكريم بكونها غنية بالأحداث وتنوعها؛ ولذلك فقد

أخذت حيزاً كبيراً في كتاب الله عز وجل، وذكرت في عدة سور وبعدة أساليب؛

تبعاً لأغراض القرآن في سوره وآياته ومقاطعه.

فقد واجه أطغى الخلق فرعونَ وملأه، ثم تولى قيادة اليهود أمة تعد من أشد

الأمم تفلتاً، وأقساها قلوباً، وإزاء هاتين المهمتين عاش موسى عليه السلام منذ

ولادته حياة حافلة بالبلاء والابتلاء.

أ - ألقي في اليم وهو رضيع! !

ب - وقع في يد فرعون مباشرة وهو في أوج حملته على بني إسرائيل. قال

الراغب في مفرداته: [] يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ [] القصص: ٤ [على التكثير، أي: يذبح

بعضهم إثر بعض] .

ج - ولما بلغ أشده وقع له ذلك الحدث المفاجئ حيث قتل أحدَ جنود فرعون،

فخرج من المدينة بعيداً عن فرعون وملئه في هجرة شاقة مضنية.

د - ثم كُلِّفَ بعد فترة من الزمن بالرجوع إلى عدوه فرعون ومواجهة السحرة

في جمع لم يسبق له مثيل، وقد حكى الله عز وجل على لسانهم: [فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ

ثُمَّ ائْتُوا صَفاً] [طه: ٦٤] .

هـ- وبعد الانتصار عليهم ونجاته مع بني إسرائيل من فرعون يدخل موسى

عليه السلام في مرحلة تميزت بالمتاعب التي لا تنتهي في توجيه بني إسرائيل

وسياستهم وتربيتهم وتقويمهم.

موقع الدعاء في منهج موسى عليه السلام: يلحظ المتدبر لهذه القصة في

القرآن الكريم أن الدعاء يمثل عنصراً بارزاً في حياة موسى عليه السلام، وذا أثر

واضح في سيرورة رسالته وتوالي أحداثها وبناء بعضها على بعض.

وكون الدعاء أحد المعاني الكبرى في القصة فإن ذلك يدل على أنه مكون

أساسي من مكونات منهج الرسالة والدعوة والتبليغ عنده عليه السلام، ويكشف في

الوقت نفسه عن جانب مهم في شخصيته الموصولة بالله عز وجل، وعلى العناية

الربانية التي رافقته وقادته إلى النصر والنجاة.

كما أن المتدبر لمجموع نصوص الدعوات التي دعا بها موسى عليه السلام

يجد نفسه أمام فقه عظيم وعلم نفيس. وسأحاول أن نعيش في ظلالهما بما يسر الله

عز وجل بمنه وكرمه.

وسيكون تناولي لمجموع هذه الدعوات مراعياً للترتيب الزمني حسب الأحداث

وتواليها.

ويمكن تقسيم القصة إلى ثلاث مراحل كبرى حافلة بالأحداث والقضايا

والأحوال:

المرحلة الأولى: وتشمل ما بين لحظة الميلاد وزمان التكليم والتكليف.

المرحلة الثانية: وتشمل ما بين التوجه إلى مصر لمواجهة فرعون ولحظة

إهلاكه، ونجاة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل.

المرحلة الثالثة: وتشمل ما بعد النجاة، حيث قيادة بني إسرائيل وتوجيههم

وسياستهم.

أما المرحلة الأولى: فقد شخّصها ابن عباس رضي الله عنهما بقوله حين سأله

سعيد بن جبير عن قوله تعالى مخاطباً موسى عليه السلام: [ ... وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ... ] [طه: ٤٠] ، قال: خلصناك محنة بعد محنة: ولد في عام كان يقتل فيه الولدان

فهذه فتنة يا ابن جبير، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً،

وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفوقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان

يقول عند كل واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير) [١] ، وهذه المرحلة وما يتعلق بها من

دعاء ذكرت في سورة القصص بشكل مفصل وواضح.

سياق الأدعية التي دعا بها موسى عليه السلام في سورة القصص: يلاحظ أن

موسى عليه السلام دعا بثلاثة أدعية قبيل خروجه من المدينة إلى حين وصوله إلى

أهل مدين، وقد جاءت إثر ثلاثة أحوال:

الدعاء الأول: قوله: [رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لي] [القصص: ١٦] ، وقد جاء هذا الدعاء إثر قتله للقبطي: [وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا

فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَذِي مِن شِيعَتِهِ

عَلَى الَذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ عَدُوٌّ

مُّضِلٌّ مُّبِينٌ] [القصص: ١٥] .

الدعاء الثاني: [رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] [القصص: ٢١] ، وقد كان

إثر بلوغه خبر المؤامرة على قتله: [وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ

يَا مُوسَى إنَّ المَلأَ يَاًتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ]

[القصص: ٢٠] .

الدعاء الثالث: قوله: [رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ]

[القصص: ٢٤] ، وقد جاء إثر الحالة التي آل إليها من التعب والجوع. قال ابن عطية:

(تعرض لسؤال ما يطعمه بقوله: [رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ] ، ولم

يصرح بسؤال. هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله. قال

ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع واخضرّ لونه من أكل البقل، وضعُف حتى

لصق بطنه بظهره ورئيت خضرة البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق يومئذ على الله. وروي أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدمه. وفي هذا معتبر وحاكم

بهوان الدنيا على الله تعالى) [٢] .

من فقه الألفاظ في دعاء موسى عليه السلام: يلاحظ أن موسى عليه السلام قد

قدم بين يدي موضوع طلبه وحاجته بقوله: (ربِّ) : [رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ

لي] ، [رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] ، [رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ

فَقِيرٌ] . وهذا التقديم يشير إلى الإيمان الكامل والتوحيد الصافي والتوجه الصادق

والتجرد المطلق من القوة والحوْل؛ فالله عز وجل هو الرب الواحد الذي له الأسماء

الحسنى، ومنها الغفور والغفار الذي منه المغفرة، والمنجي الذي به النجاة،

والرازق والرّزّاق الذي بيده الرزق، وهي أسماء دالة على صفات لا يتصف بها

على التمام والكمال إلا الله عز وجل. ولا نتصور موسى عليه السلام ينطلق بهذه

الكلمة ويصدر بها دعاءه إلا وهو مستشعر لفضل الله عليه فيما مضى من أمره،

متطلع راغب في كرم الله وجوده فيما يستقبل منه.

إجابة الله عز وجل لدعوات موسى عليه السلام: يقول الله عز وجل:

[وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] (غافر: ٦٠) ويقول أيضاً: [وَإذَا سَأََلَكَ عِبَادِي

عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذََا دَعَانِ] [البقرة: ١٨٦] .

والإجابة تكون من الله عز وجل بمقتضى حكمته وعلمه جل جلاله؛ فهو

سبحانه الذي يعلم حقائق الأمور ومآلاتها ويجيب العبد بما يَصلح له في دنياه وأخراه.

والسياق يدل على أن الله استجاب لموسى عليه السلام بما يبين حكمته جل

جلاله، فيلاحظ أنه جاء في الدعاء الأول بعد قوله: [رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ

لي] قوله عز وجل: [فَغَفَرَ لَهُ] .

وجاء في الدعاء الثاني بعد قوله: [رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] قوله:

[فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ]

[القصص: ٢٥] .

وجاء في الدعاء الثالث بعد قوله: [رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ]

قوله: [فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا

سَقَيْتَ لَنَا] [القصص: ٢٥] .

بعض التفصيل في هذه الإجابات: الدعاء الأول: [قَالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ

نَفْسِي فَاغْفِرْ لي] . الإجابة: قال سيد قطب رحمه الله: (استجاب الله لضراعته

وحساسيته واستغفاره: [فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] . وكأنما أحس موسى

بقلبه المرهف وحسه المتوفز في حرارة توجهه إلى ربه، أن ربه قد غفر له.

والقلب المؤمن يحس بالاتصال والاستجابة للدعاء فور الدعاء، حين يصل إرهافه

وحساسيته إلى ذلك المستوى، وحين تصل حرارة توجهه إلى هذا الحد. وارتعش

موسى عليه السلام وهو يستشعر الاستجابة من ربه، فإذا هو يقطع على نفسه عهداً، يعده من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه: [قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ

فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ] [القصص: ١٧] . فهو عهد مطلق ألا يقف في صف

المجرمين ظهيراً ومعيناً، وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من

صورها، حتى ولو كانت اندفاعاً تحت تأثير الغيظ ومرارة الظلم والبغي. ذلك

بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه، ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله

من قبل) .

ويؤيد ما ذهب إليه سيد قطب أن الله تعالى قال في سورة طه: ٤٠، في

سياق تعداد نعمه عز وجل على موسى عليه السلام: [وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ

الغَمِ] [طه: ٤٠] . قال القاسمي: (أي غم القتل بأن صرفنا عنك ما تخشاه) [٣] .

وأصل النجاة والنجاء: الانفصال من الشيء، والغم الذي هو الكرب أصله

ستر الشيء ومنه الغمام لكونه ساتراً لضوء الشمس. (المفردات للراغب: (نجو

(وغم [. وعلى هذا فكان ما وقع لموسى عليه السلام بسبب قتل القبطي قد ستر

عليه نفسه بما نزل عليها من الكرب والحزن الشديد، فنجاه الله عز وجل من هذا

الغم أي فصله عنه فانكشف ولم يعد له عليه سلطان. ولا شك أن موسى عليه

السلام بقلب المرهف النقي قد أحس بهذا الكرم الرباني العظيم.

الدعاء الثاني:] قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ [. الإجابة: يلاحظ أن

الإجابة لم تأت عقب السؤال مباشرة، بل انتقل السياق إلى بيان الوجهة التي اتجه

إليها باحثاً عن الأمان، إلى أن وصل إلى أهل مدين، ووقع له ما وقع من إعانة

المرأتين بالسقي لهما واستدعاء أبيهما له:] فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قَالَ لا

تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ [فجاء الجواب على لسان أبيهما ويقال إنه شعيب

عليه السلام، وقد حكى كثير من المفسرين أن مدين كانت خارج سلطان فرعون،

مما يدل على أنه دخل في أرض الأمان.

وها هنا فوائد:

١- أنه عندما سأل النجاة لم يلزم مكانه ينتظر الإجابة بل توكل على الله عز

وجل، وانطلق يلتمس سبيل النجاة، وهذا ما يومئ إليه قوله تعالى:] وَلَمَّا تَوَجَّهَ

تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [] القصص: ٢٢ [قال ابن

عطية: (كان موسى لا يعرف تلك الطريق ولم يصحب معه أحداً فركب مجهلتها

واثقاً بالله تعالى ومتوكلاً عليه) ثم قال: (ولما خرج موسى عليه السلام فاراً بنفسه

منفرداً حافياً لا شيء معه رأى حاله وعدم معرفته بالطريق وخلوه من الزاد وغيره؛

فأسند أمره إلى الله تعالى وقال:] عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [، وهذه

الأقوال منه تقتضي أنه كان عارفاً بالله تعالى عالماً بالحكمة والعلم الذي آتاه الله

تعالى) .

٢- أن قول موسى عليه السلام:] قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ [

وقول شعيب عليه السلام:] لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ [، يدل على أنهما

يتواصلان عبر لغة واحدة، متفقين على أصول المفاهيم الدالة عليها، وعلى هذا

المنوال قول شعيب بعد ذلك:] سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [

] القصص: ٢٧ وقول موسى أيضاً:] وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [

] القصص: ٢٨ [، كل هذا يدل على أنهما يستقيان تلك المفاهيم من مشكاة واحدة!!

٣- أن النجاة المذكورة هنا هي في الحقيقة نجاة خاصة بهذه المرحلة بالذات؛

إذ كان موسى عليه السلام في حاجة إلى فترة من الوقت تهدأ فيها نفسه وتستجمع

فيها قوته، استعداداً للمرحلة القادمة، وهي أشد وأهول. والقرآن لم يقف طويلاً

عند الفترة التي قضاها في أهل مدين، ولم يذكر شيئاً من أحداثها، والظاهر أنها

تميزت بالهدوء والخلوة والتفكر مما يكون غالباً مصاحباً لرعي الغنم.

أما النجاة العامة الكبرى فهي التي ستتحقق في المرحلة القادمة الحاسمة،

بالفصل النهائي بين موسى ومن آمن به وبين فرعون وملئه، وذلك بعد تخليص

بني إسرائيل من ظلم فرعون وإهلاك هذا الطاغية الخبيث أمام أعينهم وهم

ينظرون!!] فَلَمَّا تَرَاءى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (٦٤) وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (٦٦) إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (٦٧) وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ [] الشعراء: ٦١ ٦٨ [،] وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ فَأََنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأََنتُمْ تَنظُرُونَ [] البقرة: ٥٠ [.

الدعاء الثالث:] رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [. الإجابة: قال

ابن عطية: (في هذا الموضع اختصار يدل عليه الظاهر، قدّره ابن إسحاق:

(فذهبتا إلى أبيهما سريعتين وكانت عادتهما الإبطاء في السقي فحدثتاه بما كان من

أمر الرجل الذي سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه، وقيل الصغرى أن تدعوه له

فجاءت على ما في الآية) .

إن تجاوز السياق لهذا التفصيل يومئ إلى سرعة الإجابة؛ وقد حدد القرآن

الكريم غرض المرأة من المجيء:] قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ

لَنَا [] القصص: ٢٥ [. وهذه الدعوة إنما هي في الحقيقة بداية لتكريم رباني عظيم: رزق طيب مبارك، وأمان في ضيافة رجل صالح، وزوجة بارة عاقلة طاهرة

عفيفة، وعمل شريف يناسب روحه السنية التي تشوقت إلى الخلوة والسير في

الأرض سير تفكر وتأمل، تحنثاً وتعبداً وإعداداً من الله تبارك وتعالى له للمواجهة

الحاسمة مع فرعون وملئه! !


(١) الكشاف، ٢/٥٣٧.
(٢) المحرر الوجيز، ١٢/١٥٨.
(٣) محاسن التأويل، ج١١/١٦٤.