للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بأقلامهن

دور المرأة المسلمة في تنشئة الجيل الصالح

(١/٢)

خولة درويش

الأمة بأبنائها وبناتها، بأجيالها البناءة المهيأة لنشر راية الإسلام خفاقة ودحر

عدوان ملل الكفر والطغيان ...

إن بناء الأجيال هو الذخر الباقي لما بعد الموت ... وهو لذلك يستحق

التشجيع والاهتمام أكثر من بناء القصور والمنازل من الحجارة والطين.

وحيث إن التربية ليست مسؤولية البيت وحده؛ إذ هناك عوامل أخرى تساهم

في تربية الأجيال، فسوف نتناول الدور التربوي للمرأة المسلمة في تنشئة الجيل

الصالح.

إنه لحلمٌ يراود كل أم مسلمة تملّك الإيمان شغاف قلبها، وتربع حب الله تعالى

وحب رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم على حنايا نفسها، أن ترى ابنها وقد سلك

سبل الرشاد، بعيداً عن متاهات الانحراف، يراقب الله في حركاته وسكناته، أن

تجد فلذة كبدها بطلاً يعيد أمجاد أمته، عالماً متبحراً في أمور الدين، ومبتكراً كل

مباح يسهّل شأن الدنيا.

إنها أمنية كل أم مسلمة، أن يكون ابنها علماً من أعلام الإسلام، يتمثل أمر

الله تعالى في أمور حياته كلها، يتطلع إلى ما عنده عز وجل من الأجر الجزيل،

يعيش بالإسلام وللإسلام.

وسيبقى ذلك مجرد حلم للأم التي تظن أن الأمومة تتمثل في الإنجاب، فتجعل

دورها لا يتعدى دور آلة التفريخ ... ! أو سيبقى رغبات وأماني لأم تجعل همها

إشباع معدة ابنها؛ فكأنها قد رضيت أن تجعل مهمتها أشبه بمهمة من يقوم بتسمين

العجول ... ! وتلك الأم التي تحيط أبناءها بالحب والحنان والتدليل وتلبية كل ما

يريدون من مطالب سواء الصالح منها أو الطالح، فهي أول من يكتوي بنار الأهواء

التي قد تلتهم ما في جعبتها من مال، وما في قلبها من قيم، وما في ضميرها من

أواصر؛ فإذا بابنها يبعثر ثروتها، ويهزأ بالمثل العليا والأخلاق النبيلة، ويقطع ما

أمر الله به أن يوصل.

والأم المدلّلة أول من يتلقى طعنات الانحراف؛ وأقسى الطعنات تتمثل في

عقوق ابنها.

ولنا أن نتساءل عن أهم ما يمكن للأم أن تقدمه لأبنائها.

أولاً: الإخلاص لله وحده:

إن عليها قبل كل شيء الإخلاص لله وحده؛ فقد قال تعالى: [وَمَا أُمِرُوا إلاَّ

لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ

القَيِّمَةِ] [البينة: ٥] ، فاحتسبي أختي المؤمنة كل جهد تكدحينه لتربية الأولاد، من سهر مضنٍ، أو معاناة في التوجيه المستمر، أو متابعة الدراسة، أو قيام بأعمال منزلية ... احتسبي ذلك كله عند الله وحده؛ فهو وحده لا يضيع مثقال ذرة، فقد قال جل شأنه: [وَإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ]

[الأنبياء: ٤٧] فلا تجعلي للشيطان سلطاناً إن قال: أما آن لك أن ترتاحي..؟ !

فالرفاهية والراحة الموقوتة ليست هدفاً لمن تجعل هدفها الجنة ونعيمها المقيم.

والمسلمة ذات رسالة تُؤجَر عليها إن أحسنت أداءها، وقد مدح الرسول صلى

الله عليه وسلم المرأة بخصلتين بقوله: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش: أحناه

على ولد في صغره، وأدعاه على زوج في ذات يده) [١] .

ثانياً: العلم:

والأم المسلمة بعد أن تحيط بالحلال والحرام تتعرف على أصول التربية،

وتنمي معلوماتها باستمرار.

قال تعالى: [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] [طه: ١١٤] فهذا ديننا دين يدعو إلى

العلم، فلماذا نحمّل الإسلام قصور تفكيرنا وتخلفنا عن التعلم، ليقال: إن الإسلام لا

يريد تعليم المرأة ... وإن الإسلام يكرس جهل المرأة؟ !

لا ... إن تاريخنا الإسلامي يزخر بالعالمات من مفسرات ومحدثات وفقيهات

وشاعرات وأديبات. كل ذلك حسب هدي الإسلام؛ فلا اختلاط ولا تبجح باسم العلم

والتحصيل!

فالعلم حصانة عن التردي والانحراف وراء تيارات قد تبهر أضواؤها من لا

تعرف السبيل الحق، فتنجرف إلى الهاوية باسم التجديد والتحضر الزائف، والتعليم

اللازم للمرأة، تفقهاً وأساليب دعوية، مبثوث في الكتاب والسنة. ومما تحتاج إليه

المرأة في أمور حياتها ليس مجاله التعلم في المدارس فحسب، وإنما يمكن تحصيله

بكل الطرق المشروعة في المساجد، وفي البيوت، وعن طريق الجيران، وفي

الزيارات المختلفة ... وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بال أقوام لا يفقّهون

جيرانهم ولا يعلّمونهم ولا يعظونهم ولا يفهمونهم؟ ! ما بال أقوام لا يتعلمون من

جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون؟ والله لَيُعلّمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم

ويأمرونهم وينهونهم، وَلَيتَعلّمنّ أقوام من جيرانهم ويتعظون أو لأعاجلنهم

بالعقوبة) [٢] . فهيا ننهل من كل علم نافع حسب ما نستطيع، ولنجعل لنا في مكتبة البيت نصيباً؛ ولنا بذلك الأجر إن شاء الله.

ثالثاً: الشعور بالمسؤولية:

لا بد للمرأة من الشعور بالمسؤولية في تربية أولادها وعدم الغفلة والتساهل

في توجيههم كسلاً أو تسويفاً أو لا مبالاة.

قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ

وَالْحِجَارَةُ] [التحريم: ٦] فلنجنب أنفسنا وأهلينا ما يستوجب النار.

فالمحاسبة عسيرة، والهول جسيم، وجهنم تقول: هل من مزيد؟ ! وما علينا

إلا كما قال عمر رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوا أعمالكم

قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر) .

ولن ينجي المرأة أنها ربت ابنها لكونها طاهية طعامه وغاسلة ثيابه؛ إذ لا بد

من إحسان التنشئة، ولا بد من تربية أبنائها على عقيدة سليمة وتوحيد صافٍ وعبادة

مستقيمة وأخلاق سوية وعلم نافع.

ولتسأل الأم نفسها: كم من الوقت خصّصتْ لمتابعة أولادها؟ وكم حَبَتهم من

جميل رعايتها، ورحابة صدرها، وحسن توجيهاتها؟ !

علماً بأن النصائح لن تجدي إن لم تكن الأم قدوة حسنة!

فيجب أن لا يُدْعى الابن لمكرمة، والأم تعمل بخلافها. وإلا فكيف تطلب منه

لساناً عفيفاً وهو لا يسمع إلا الشتائم والكلمات النابية تنهال عليه؟ ! وكيف تطلب

منه احترام الوقت، وهي أي أمه تمضي معظم وقتها في ارتياد الأسواق والثرثرة

في الهاتف أو خلال الزيارات؟ ! كيف.. وكيف؟

أختي المؤمنة: إن ابنك وديعة في يديك، فعليك رعايتها، وتقدير المسؤولية؛ فأنت صاحبة رسالة ستُسألين عنها، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ

وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا

أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] [التحريم: ٦] .

أما متى نبدأ بتوجيه الصغير؟ ! فذلك إذا أحس الطفل بالقبيح وتجنبه،

وخاف أن يظهر منه أو فيه، فهذا يعني أن نفسه أصبحت مستعدة للتأديب صالحة

للعناية؛ ولهذا يجب أن لا تُهمل أو تُترك؛ بل يكون التوجيه المناسب للحدث بلا

مبالغة، وإلا فقدَ التوجيهُ قيمته. وفي كل تصرف من تصرفات المربية وكل كلمة

من كلماتها عليها أن تراقب ربها وتحاسب نفسها لئلا تفوتها الحكمة والموعظة

الحسنة، وأن تراعي خصائص النمو في الفترة التي يمر فيها ابنها، فلا تعامله

وهو شاب كما كان يعامل في الطفولة لئلا يتعرض للانحراف، وحتى لا تُوقِع

أخطاءُ التربية أبناءنا في متاهات المبادئ في المستقبل يتخبطون بين اللهو والتفاهة، أو الشطط والغلو؛ وما ذاك إلا للبعد عن التربية الرشيدة التي تسير على هدي

تعاليم الإسلام الحنيف؛ لذلك كان تأكيدنا على تنمية معلومات المرأة التربوية لتتمكن

من معرفة: لماذا توجه ابنها؟ ومتى توجهه؟ وما الطريقة المثلى لذلك؟

رابعاً: لا بد من التفاهم بين الأبوين:

فإن أخطأ أحدهما فليغضّ الآخر الطرف عن هذا الخطأ، وليتعاونا على الخير

بعيداً عن الخصام والشجار، خاصة أمام الأبناء؛ لئلا يؤدي ذلك إلى قلق الأبناء،

ومن ثم عدم استجابتهم لنصح الأبوين.

خامساً: إفشاء روح التدين داخل البيت:

إن الطفل الذي ينشأ في أسرة متدينة سيتفاعل مع الجو الروحي الذي يشيع في

أرجائها.. والسلوك النظيف بين أفرادها.

والنزعات الدينية والخلقية إن أُرسيت قواعدها في الطفولة فسوف تستمر في

فترة المراهقة ثم مرحلة الرشد عند أكثر الشباب، وإذا قصّر البيت في التربية

الإيمانية، فسوف يتوجه الأبناء نحو فلسفات ترضي عواطفهم وتشبع نزواتهم ليس

إلا.

فالواجب زرع الوازع الديني في نفوس الأبناء، ومن ثَمّ مساعدتهم على حسن

اختيار الأصدقاء؛ وذلك بتهيئة الأجواء المناسبة لاختيار الصحبة الصالحة من

الجوار الصالح والمدرسة الصالحة، وإعطائهم مناعة تقيهم من مصاحبة الأشرار.

سادساً: الدعاء للولد بالهداية وعدم الدعاء عليه بالسوء:

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا

تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا

على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجاب لكم) [٣] .

وأولاً وأخيراً: ينبغي ربط قلب الولد بالله عز وجل لتكون غايته مرضاة الله

والفوز بثوابه [فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ]

[الأنبياء: ٩٤] . وهذا الربط يمكن أن تبثه الأمهات بالقدوة الطيبة، والكلمة ... المسؤولة، والمتابعة الحكيمة، والتوجيه الحسن، وتهيئة البيئة المعينة على الخير، حتى إذا كبر الشاب المؤمن تعهد نفسه: فيتوب عن خطئه إن أخطأ ويلتزم جادة الصواب، ويبتعد عن الدنايا، فتزكو نفسه ويرقى بها إلى مصافِّ نفوس المهتدين بعقيدة صلبة وعبادة خاشعة ونفسية مستقرة وعقل متفتح واعٍ وجسم قوي البنية، فيحيا بالإسلام وللإسلام، يستسهل الصعاب، ويستعذب المر، ويتفلت من جواذب الدنيا متطلعاً إلى ما أعده الله للمؤمنين المستقيمين على شريعته: [إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ] [فصلت: ٣٠] .


(١) متفق عليه: البخاري، ح / ٥٠٨٢، ومسلم ح /٢٥٢٧.
(٢) رواه الطبراني في الكبير.
(٣) رواه مسلم، ك /الزهد والرقائق، ح /٣٠١٤.