للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ندوات ومحاضرات

مع الانتفاضة في عامها الأول

(١ - ٢)

ضيوف الندوة:

* فضيلة الشيخ: حسن يوسف: من القيادات البارزة في حركة حماس في

الضفة الغربية رام الله.

* الدكتور: محمد صالح: عضو مؤسس في حركة حماس، ممن شهد النكبة

عام ١٩٤٨م.

* الأستاذ الدكتور: سيف عبد الفتاح: أستاذ العلوم السياسية، كلية الاقتصاد

والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

* الأستاذ الدكتور: عبد الستار فتح الله سعيد: أستاذ التفسير بجامعتي الأزهر

وأم القرى سابقاً.

المحور الأول: حول المرحلة السابقة من العمل الإسلامي في فلسطين

قبل الانتفاضة الأخيرة:

البيان: ما هي قصة الانتفاضة السابقة عام (١٤٠٨هـ / ١٩٨٧م) ، وما

هي أهم ثمراتها التي قطفت، وما أهم ثمراتها التي خطفت؟

يجيب الدكتور محمد صالح:

في الحقيقة لم تكن الانتفاضة الأولى وليدة ساعتها ولكنها كانت ثمرة تنامي

العمل الإسلامي داخل فلسطين بعد أن تراجع دور منظمة التحرير في المقاومة على

إثر خروجها من لبنان نتيجة للاجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني عام ١٩٨٢م.

ونتيجة لانتشار الحركة الإسلامية الواسع داخل فلسطين أصبحت الحركة في

مواجهة مع الأحداث؛ فبدأت بتشكيل أجهزة أمنية عسكرية ومجموعات مقاومة

مدنية على مستوى الأحياء والقرى والمدن قبل عدة سنوات من انفجار الانتفاضة،

وقد بلغت تلك التشكيلات مرحلة متقدمة في قطاع غزة على وجه الخصوص قبل

الانتفاضة بأكثر من عام.

ومنذ عام ١٩٨٤م قام جناح الحركة الإسلامية خارج فلسطين بتشكيل أجهزة

عديدة من أبناء فلسطين في الشتات للقيام بأنشطة متعددة أهمها الجهاز المالي

والسياسي وكذلك الإعلامي؛ وذلك قبل الانتفاضة بنحو ثلاثة أعوام، وقد تنامى هذا

العمل في كافة ساحات الشتات الفلسطيني وخاصة في العالم العربي وفي الغرب.

لقد تزايد التوتر ضد الاحتلال في أواخر عام ١٩٨٧م، وتزامن ذلك مع قرار

الحركة الإسلامية بالبدء بمقاومة الاحتلال، فتفجرت الانتفاضة على إثر حادث

السيارة المعروف، وذلك عندما قام مستوطن إسرائيلي بصدم ثلاثة فلسطينيين عمداً

في قطاع غزة، مما أدى إلى استشهادهم.

وثار الشارع الفلسطيني في قطاع غزة على إثر هذا الحادث الاستفزازي؛

فبدأت الانتفاضة في القطاع بشكل قوي ومنظم تقودها الحركة الإسلامية بشكل

ظاهر ولكن غير معلن، لتمتد بعد ذلك إلى الضفة الغربية بالنهج المتمثل في

التصدي لقوات الاحتلال الإسرائيلية بالحجارة، وقد ظهر ذلك إلى العلن مع صدور

أول بيان عن الحركة الإسلامية بخصوص الانتفاضة بعد أسبوعين من بدايتها.

ظلت حركة فتح والمنظمات الفلسطينية الأخرى مترددة حيال الانتفاضة؛

لأنها لا تعلم شيئاً عنها، إلى أن اتخذت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية المنعقدة في

بغداد قراراً بدعم الانتفاضة والمشاركة فيها بعد نحو شهر من بدايتها.

ثم إنه وعلى إثر اجتماع بين قيادات الحركة الإسلامية داخل فلسطين وخارجها

بعد نحو أسبوعين من بداية الانتفاضة تم الاتفاق على قيام حركة المقاومة الإسلامية

حماس، وتشكلت في حينها قيادة عليا للحركة في خارج فلسطين وقيادة ميدانية في

كل من الضفة وقطاع غزة، وصدر في حينها أول بيان لحركة حماس من داخل

فلسطين.

وتشكلت بعد ذلك (كتائب الشهيد عز الدين القسام) الجناح العسكري للحركة

داخل فلسطين، وكان تركيز عملياتها على القوات الإسرائيلية المسلحة بما في ذلك

المستوطنون، وكانت معظم عملياتها خارج المدن، ولقد استمر ذلك النهج في نمط

العمليات حتى عام ١٩٩٣م، حين اتخذت قيادة كتائب القسام قراراً بمعاملة المدنيين

الإسرائيليين بالمثل، وذلك على إثر قيام الإسرائيليين بقتل أعداد كبيرة من

الفلسطينيين العزل، وبدأت كتائب عز الدين القسام بتنفيذ عملياتها الاستشهادية ضد

العسكريين والمدنيين، ولقد أعلنت كتائب القسام أكثر من مرة بأنه في حال توقُّف

الجيش الإسرائيلي والمستوطنين عن استهداف المدنيين العزل من الفلسطينيين فإنه

يمكن لكتائب عز الدين القسام أن توقف عملياتها الاستشهادية ضد المدنيين

الإسرائيليين.

البيان: ما هي في رأيكم أهم ثمرات الانتفاضة التي قطفت؟

يجيب الشيخ حسن يوسف من قيادات حماس في رام الله:

من هذه الثمرات: عبور الإسلاميين إلى ميدان العمل الجهادي في فلسطين،

وما يحمله ذلك من وزن ومغزى يعطي الصراع عمقه العقائدي والحضاري، وهو

ما كان غائباً تقريباً طيلة الفترة من ١٩٤٨ ١٩٨٧م باستثناء الحضور المؤثر في

حرب ١٩٤٨م، ثم النشاط الإخواني في النصف الأول من الخمسينيات في قطاع

غزة.

وكان للحضور الإسلامي الفاعل في انتفاضة ١٩٨٧م دوراً أساسياً في إعادة

الاعتبار للإسلاميين في العالم العربي والإسلامي تجاه مشاركتهم في الساحة

الفلسطينية وحمل همِّ القضية والجهاد والنضال في جبهاتها المختلفة، وكان لهذا

الحضور أيضاً الدور المقرر في أن يعترف الوطنيون/ العلمانيون في الساحة

الفلسطينية بشرعية الوجود الإسلامي الذي طالما كان منفياً ومشكوكاً فيه حتى اندلاع

انتفاضة ١٩٨٧م.

وأيضاً غدا الإسلاميون ومن خلال تصاعد تجربتهم الجهادية وبروزها خلال

الانتفاضة العنوان الوحيد الحامل لمشعل مقاومة المشروع الصهيوني الذي تعاقب

على حمله أجيال الفلسطينيين في مائة العام الماضية، وخاصة حينما حان وقت

الحلول وتصفية القضية، ولو أن انتفاضة ١٩٨٧م تركت دون عوائق الاتفاقيات

والمؤامرات على العمل الجهادي لأصبح الإسلاميون؛ ليس فقط قادة الساحة

الفلسطينية دونما منازع، بل لأمكن بعون الله انتزاع حقوق على الأرض.

ونذكر أيضاً أنه في انتفاضة ١٩٨٧م ارتفعت نسبة التدين والإقبال على الله،

وانتشار قيم التماسك والتضامن الاجتماعي التي يُعتبر الإسلام وقيمه وأخلاقياته

حاضنها وراعيها، وفي حالتنا غدا الدين الحامي الأهم لهويتنا الوطنية أمام الاحتلال

وقيمه المادية والعنصرية.

البيان: وما هي أهم ثمراتها التي خطفت؟

يجيب الدكتور محمد صالح:

- كان مقرراً أن تستمر الانتفاضة وتتصاعد في المناطق المحتلة (الضفة

والقطاع) ، وأن تتطور المقاومة المسلحة إلى أن يتم دحر الاحتلال، ولكن اتفاق

أوسلو عاجل الانتفاضة وأجهض أهدافها. وتتحمل منظمة التحرير الفلسطينية

المسؤولية الكاملة عن هذا الإخفاق، وخاصة أنه لم يكن هناك مسوِّغ سياسي أو

اقتصادي أو حتى عسكري لتوقيع ذلك الاتفاق المهين، اللهم إلا خوف منظمة

التحرير الفلسطينية وقياداتها من صعود نجم الحركة الإسلامية ومنافستها على قيادة

الشعب الفلسطيني بعد أن شاخت قياداتها وعجزت عن احتواء تقدم حركة حماس

جماهيرياً وعسكرياً وسياسياً على مستوى الداخل ومستوى العالم العربي والإسلامي.

- كان من أهداف الانتفاضة الإعلان عن وحدة الشعب الفلسطيني حول هدف

التحرير، وحشد طاقات الأمة العربية والإسلامية لدعم المقاومة داخل فلسطين،

وزيادة الحصار حول (إسرائيل) وصولاً إلى الحصول على التأييد العالمي لمساندة

الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وإقناع الغرب بأن (دولة إسرائيل) لا

تحقق أهدافهم بالسيطرة على الشرق الأوسط بل تؤدي إلى تزايد العداء ضدهم في

حال استمرار دعمهم لـ (إسرائيل) ، وجاء اتفاق أوسلو ليخرج بالسلطة

الفلسطينية عن الإجماع العربي، ويفتح الباب أمام الاختراق الإسرائيلي للعالم

العربي والإسلامي ودول عدم الانحياز، كما تسبب في ضرب وحدة الشعب

الفلسطيني.

- وكان من أهم أهداف الانتفاضة دفع اليهود إلى الهجرة المعاكسة من

(إسرائيل) ؛ فجاء اتفاق أوسلو ليفتح الباب أمام هجرة يهودية كبيرة جديدة، وليؤدي

إلى تزايد وتيرة الاستيطان في القدس والضفة الغربية وغزة.

البيان: كيف توقفت الانتفاضة تلك الأولى، وما الأطراف التي تسببت في

ذلك التوقف؟

يجيب الدكتور محمد صالح:

لقد توقفت الانتفاضة على إثر توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير

الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وبين الدولة العبرية؛ فانسحبت حركة فتح

والمنظمات الفلسطينية التي قبلت خيار السلام مع (إسرائيل) من ساحة المواجهة

ومن المشاركة في فعاليات الانتفاضة الجماهيرية، وأعلنت معارضتها لأي عمل

عسكري ضد (إسرائيل) .

وبانتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من تونس إلى فلسطين وقيام السلطة

الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة توقفت فعاليات الانتفاضة الشعبية تماماً،

ولكن العمليات العسكرية بشكل عام والعمليات الاستشهادية بشكل خاص لم تتوقف،

بل تزايدت وتصاعدت وتيرتها بشكل كبير، حتى بلغت ذروتها في عام ١٩٩٦م؛

مما أدى إلى عقد مؤتمر مقاومة الإرهاب (أو مؤتمر السلام) بقيادة الولايات

المتحدة في شرم الشيخ، وحينئذ تعهدت السلطة الفلسطينية بالتصدي لحركة حماس

وقامت باعتقال كافة عناصرها العاملة في مجال العمل الخيري والسياسي والإعلامي

إلى جانب كل من يشتبه بعلاقته بالعمل الجهادي، ولقد تعاونت كل من السلطة

الفلسطينية والأردن والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مع (إسرائيل) في

ملاحقة أبطال المقاومة المسلحة وكل من له صلة بها داخل فلسطين وخارجها

وخاصة في الأردن وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

ويضيف الشيخ حسن يوسف:

وفعلت السياسات الاحتلالية فعلها في إنهاك الناس؛ فقد كانت تقتل، وتعتقل

الآلاف، وتبعد بالعشرات، وفي مرات بالمئات، هذا فضلاً عن نسف البيوت،

وفرض الغرامات والضرائب، والتنكيل بالناس، وفرض الحصارات المتكررة.

واجتمعت عوامل القوى التي كان لها تأثير كبير على المجتمع الفلسطيني

ورسم مستقبله لتعمل على تطويع الانتفاضة وتوقفها عن المضي، وإذا كانت أوسلو

هي اللحظة التي يشار إليها على انتهاء انتفاضة ١٩٨٧م فما كانت لتحدث لولا ما

يجمع عليه المحللون فضلاً عن صانعي القرار أنفسهم (انظر في ذلك ما كتبه كل

من بيرس، أوري سبير، ايهود باراك، محمد حسنين هيكل، عزمي بشارة،

توفيق أبو بكر، إيليا زريق، المستشرق اليهودي باروخ كيمرلينج، الباحثة

الأمريكية سارة روي، وغيرهم الكثير) من أن سببها المباشر كان الخوف من

تعاظم قوة الإسلاميين التي كانت آنذاك آخذة في التصاعد، أي إن الانتفاضة كانت

مرشحة على يد الإسلاميين إلى تطور جديد من المقاومة والمواجهة، إلا أن مصالح

الإسرائيليين وقيادة عرفات آنذاك ومصر والأردن وغالب الدول العربية كانت

متوافقة مع نتائج اتفاق أوسلو، وهي بهذا شبيهة بالكتاب الأبيض الذي تمخض عن

لقاء الدائرة المستديرة عام ١٩٣٩م الذي أنهى ثورة ١٩٣٦م؛ حيث اتفقت آنذاك

القوى المؤثرة في المستقبل الفلسطيني على حل لم يوافق عليه آنذاك الفلسطينيون

ولا اليهود على السواء.

البيان: هل يمكن أن يتكرر سيناريو الإيقاف وهذا السؤال نتوجه به إلى

الأستاذ الدكتور سيف عبد الفتاح؟

أ. د. سيف عبد الفتاح:

يمكن أن نقول بالفعل كما قال أحد المحللين متحدثاً عن ثلاثة أطوار مر بها

العمل الفلسطيني في الفترة الماضية:

الطور الأول: هو الذي يتعلق بانتفاضة من غير سلطة واستغرق فترة سبع

سنين.

ثم الطور الثاني: سبع سنين أخرى سلطة بغير انتفاضة.

ثم المرحلة الأخيرة: جاءت فيها الانتفاضة مع السلطة.

أنا أظن أن هذا مفتاح جيد للإجابة عن التساؤلات حول الواقع الانتفاضي.

الأمر الذي يتعلق بالانتفاضة الأولى؛ هل توقفت الانتفاضة الأولى؟

نستطيع القول إن الانتفاضة الأولى لم تتوقف تلقائياً ولكن الدرس الذي ينبغي

أن نتعلمه هو أنه حدث ما يسمى بالالتفاف حول الانتفاضة، كان ذلك في إطار وعد

من سلطة فلسطينية أتت على الأرض تحاول أن تروِّج لهؤلاء أن السلام قادم لا

محالة، وأن السلام مع (إسرائيل) ممكن، وأن ذلك سينعكس على الحياة المعيشية

داخل الأراضي الفلسطينية، من هنا ظل هؤلاء الناس يصبرون على الأوضاع التي

تولدت مع السلطة، لكن السنوات السبع في الحقيقة شهدت تصعيداً خطيراً على

الأرض في إطار أن (إسرائيل) بمشروعها الصهيوني وبمشروعها التهويدي في

القدس وبمشروعها في وأد كل إمكانات المقاومة.

وحينما نتأمل الوضع الالتفافي الذي كان من المفترض أن يؤدي إلى إيقاف

المقاومة والجهود التي تواطأت من أجل ذلك نجد أنها زادت المقاومة اشتعالاً ولو

بعد حين.. الانتفاضة إذن لم تتوقف!

إذن من الوارد الالتفاف من جديد حول الانتفاضة؟

د. سيف: من الوارد بلا شك، وقد حدث ذلك على سبيل المثال؛ فإن إدانة

السلطة الفلسطينية لعمليات المقاومة تحت مسمى إدانة قتل المدنيين من الجانبين هو

نوع من الالتفاف والمغالطة؛ لأنه وفق التعريف ليس هناك مدني في إسرائيل سوى

الأطفال الذين لا يعون؛ فما عدا الأطفال فإن كل فئات الشعب الإسرائيلي محاربة

ومقاتلة.. وإن واجب المقاومة غاية في الأهمية؛ والانتفاضة في أشكالها المختلفة

بما فيها العمليات الاستشهادية عمل مشروع بل واجب، ولا يستطيع أي أحد بأي

حال من الأحوال أن يتحدث عن عدم مشروعيته أو عدم جدواه.

البيان: لكن يبدو أن الدكتور صالح له رأي آخر؟

الدكتور صالح: نعم، من الصعب أن يتكرر الإيقاف بالشكل الذي حدث سابقاً؛

لأنه من غير الممكن خداع الشعب الفلسطيني بالوعود كما حدث بشأن الانتفاضة

الأولى، وخاصة أن (إسرائيل) تصر على موقفها حول القدس والدولة المستقلة

وعودة اللاجئين.

وإن انتهاء مؤتمر كامب ديفيد الأخير بين عرفات وباراك دون اتفاق لم يترك

مجالاً لخداع الشارع الفلسطيني. فإذا أضيف إلى ذلك قوة الموقف العربي

والإسلامي الرسمي والشعبي الداعم سياسياً للانتفاضة ولمطالب الشعب الفلسطيني

العادلة، فإن هذه الأمور جميعاً تجعل من المستبعد أن تتوقف الانتفاضة دون تحقيق

الحد الأدنى من أهدافها، وهو: دحر الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة

وعاصمتها القدس بإذن الله.

ولكن في حال اجتياح الجيش الإسرائيلي لمناطق السلطة الفلسطينية يمكن

للانتفاضة الشعبية أن تتوقف قسراً، وحينئذ تتحول الانتفاضة إلى مقاومة مسلحة

شاملة ضد الاحتلال؛ ولذا يستبعد أن تبادر (إسرائيل) إلى إسقاط السلطة نهائياً،

بل يحتمل أن تعمد إلى تغيير القيادات لتأتي بمن يقبل أن يكون عميلاً لها أكثر.

الاحتمال الأكثر خطورة على الانتفاضة هو قيام (إسرائيل) بإشعال حرب

إقليمية بدعم أمريكي يتم من خلالها احتلال غرب سوريا وصولاً إلى نهر الفرات،

وفي حال تحقيق نصر حاسم لـ (إسرائيل) على سوريا في مثل هذه الحرب

سينهار النظام العربي على الجبهة الشرقية، ليؤدي إلى إحباط الانتفاضة الفلسطينية.

هذا الاحتمال يحتاج إلى عدة سنوات من الإعداد المشترك بين (إسرائيل)

والولايات المتحدة الأمريكية، ويحتاج إلى ظروف موضوعية ومسوغات دولية تتيح

لأمريكا أن تشارك في مثل هذه الخطة.

البيان: يبدو أن طبيعة الصراع مع اليهود بالغة التعقيد، فما هي برأيكم

فضيلة الدكتور عبد الستار سعيد مصادر هذا التعقيد؟

الأستاذ الدكتور عبد الستار سعيد:

أهم مصادر هذا التعقيد التواء طبيعة الشعب اليهودي في القديم والحديث والتي

صورها لنا القرآن في وضوح وجلاء، وهي كما عرفها التاريخ ليست في الشرق

وحده بل في كل مكان، ومما يعبر عن ذلك نموذج (شايلوك) في رواية شكسبير

الشهيرة.

بل وكتبهم أيضا تبين لنا قدراً كبيراً من هذه الطبيعة، وهي في غاية الحقد

ليس على المسلمين وحدهم بل على البشرية كلها، وما زالت أجيالهم يستقون من

منابع الضلالة وكأنه شيء في دمائهم.

الأمر الثاني: الذي يزيد في تعقيد هذا الصراع هو ظروف المرحلة، وهي

غير مسبوقة في تاريخنا. إن الأمة الإسلامية في كل مرة كانت تصاب في المعارك

كما حدث في الغزوة التترية والحروب الصليبية كانت تستفيق إلى أنها انحرفت عن

طريق الله فتسرع الفيئة إلى دين الله، أما هذه المرة عندما دخل الكفار بلادنا فإنهم

تركوا طبقات تدمر الإسلام في العالم الإسلامي: المرأة أصبحت عارية.. أصبح

الربا في كل شُعَبِ الاقتصاد.. أصبح القانون الوضعي يحكمنا في اتجاهات الحياة

وفي العالم الإسلامي كله ما عدا بعض البلاد.. كيف نستمد النصر من الله ونحن لم

نتب ولم نرجع إليه؟

الأمر الثالث: التدخلات الدولية ومصالح الدول الكبرى وخنوع بعض

القيادات التي في المنطقة إما خوفاً وإما حرصاً على مظاهر الحياة والأبهة التي هم

فيها. أنا لا أتكلم عن قوة الدول الكبرى وأسلحتها وجيوشها وإنما أتحدث عن

الشعوب حين تؤمن بقضية، حتى الشعوب الكافرة تستطيع أن تذل القوى العظمى؛

فهذه فيتنام أذلت فرنسا وأمريكا خلال ١٥ سنة وهما من الدول الكبرى، وهم لا

يؤمنون بدين ولا بيوم آخر، وعندنا الشعب الأفغاني وهو شعب مسلم طيب فقير لا

يملك مقومات الحرب بل ولا الحياة استطاع بإذن الله أن يحطم عنجهية روسيا وهي

دولة مجاورة لحدوده ليست كأمريكا التي كانت تسير آلاف الأميال لتنقل معداتها إلى

فيتنام، ولهذا لا بد أن تمكن الشعوب من أن تقول كلمتها، ولا بد أن تتحرك.. نعم!

ستكون هناك تضحيات هائلة ومغارم كبيرة؛ لكن نحن أمة تؤمن بالله واليوم

الآخر ولا يضيع لنا ذرة عند الله؛ من مات منا فهو شهيد، ومن عاش فهو في

رعاية الله. الشعوب الآن لا تملك حتى التظاهر ولا جمع التبرعات علناً في أغلب

بلادنا خوفاً من الأنظمة، ويجرم من يفعل ذلك ويحاكم مع أن هذا هو أدنى صور

النصرة..

الأمر الرابع: هو وجود نخب حاكمة في بلادنا لا تملك ولا تحسن التعبير عن

قضايا الأمة ولا تسعى بل ربما لا تريد أن تسعى لحل هذه القضايا، وأبلغ دليل

على هذا هو سلسلة التردي التي تحياها الأمة على مستوى الأنظمة وعلى مستوى

الدول، ومتى ما تستفيق هذه الحكومات وتعطي الشعوب نوعاً من الحركة والحرية

في أن تتبنى هذه القضية فإنه باستطاعتها بإذن الله أن توقف الخطر اليهودي عند

حدود محددة إلى أن يتم لفظه خارج أرضنا بإذن الله في يوم ما.

البيان: ما هي الفروق الجوهرية بين طبيعة العمل بالداخل الفلسطيني قبل

مجيء السلطة وبعده؟

الدكتور محمد صالح:

لم تحدث فروق سياسية جوهرية في الداخل الفلسطيني قبل مجيء السلطة

الفلسطينية وبعده بالرغم من وجود مجلس تشريعي منتخب إلا فيما يخص بعض

جوانب الحياة المدنية التي تولاها الفلسطينيون بأنفسهم تحت إشراف غير مباشر من

السلطات الإسرائيلية. أما على مستوى المقاومة فقد أصبحت الأمور أكثر صعوبة؛

لأن أجهزة الأمن الفلسطيني تنسق بشكل مباشر مع قوى الأمن في (إسرائيل) ،

وبذلك اجتمع على المقاومة عبء الموساد، وعبء الأمن الفلسطيني. إضافة إلى

ذلك عملت السلطة على منع أي عون أو تأييد شعبي فلسطيني لحركات المقاومة

الإسلامية داخل فلسطين من خلال الترغيب والترهيب والتضليل بمقولة أن المقاومة

تتعارض مع المصالح العليا للشعب الفلسطيني، وأن المقاومة تعطي ذرائع وحججاً

لـ (إسرائيل) لعدم تنفيذ بنود اتفاق أوسلو.

يضيف الشيخ حسن يوسف:

ومع مجيء السلطة يمكن لنا القول بأننا دخلنا إلى حد كبير في العصر العربي

بما فيه من بيروقراطية وأمراض ومحسوبية وكبت واحتكار التعبير باسم وحدانية

السلطة ومشروعيتها؛ ومن هنا فإن هامش الحركة والمناورة انحسر كثيراً في ظل

وجود طرف داخلي فلسطيني (السلطة) إضافة للاحتلال وتصفياته.

جاءت الانتفاضة الحالية في البداية، وبالدرجة الأولى متناغمة مع التوجه

الرسمي للسلطة الفسلطينية، وذلك بعدما أعلن عن انهيار قمة كامب ديفيد؛ حيث

كانت هذه القضية نهاية شوط طويل من المفاوضات التي بدأت منذ عام ١٩٩٣م،

وكانت السلطة ومنذ أيار (مايو) ١٩٩٩م، تمر في حالة فراغ قانوني، وشكلت

الإعلانات المتكررة والممجوجة حول النية بإعلان استقلال الدولة محاولة تكتيكية

للسلطة من أجل الضغط واتخاذها ورقة بيدها، وذلك من أجل ملء الفراغ السياسي،

ولما استنفدت هذه الورقة أغراضها، تزامن ذلك مع انتهاء قمة كامب ديفيد التي

لا نعلم على التحديد ماذا جرى فيها والتي سمعنا بعد انتهائها مباشرة عن

سيناريوهات عنيفة متوقعة من أجل التحريك، وتهيئة الأوضاع لحل غامض لا

نعرف ماهيته ولا كيفيته.

ولقد جهدت السلطة الفلسطينية ومنذ بداية عام ٢٠٠٠م على التهيئة لدخول

الشعب الفلسطيني في أجواء من التصادم مع الاحتلال، تمثل ذلك في مناسبتي يوم

الأرض وذكرى يوم النكبة من عام ٢٠٠٠م، وتحرك الشارع في أيار (مايو)

وقبل ذكرى النكبة بأسبوع؛ وذلك لتزامن المناسبة بالإضراب عن الطعام الذي كان

المعتقلون في سجون الاحتلال قد أعلنوه مما جعل هناك هبة جماهيرية صاحبت

الإضراب حتى نهايته في أواخر أيار، ولكن ومع التحضيرات التي كانت تجري

من أجل قمة كامب ديفيد في بداية حزيران (يونيو) التي قيل بأنها ستكون واعدة،

عملت السلطة على إنهاء تلك المواقف على ضوء الاتفاقات بينها وبين اليهود.

البيان: ما هي ظروف إخراج قيادات حماس من الأردن قبل الانتفاضة؟

وهل هناك إمكانية للعودة؟

الدكتور محمد صالح:

لم يكن خروج قيادات حماس من الأردن لأسباب أردنية داخلية أو نتيجة

لتجاوزات قامت بها الحركة على الساحة الأردنية، أو تجاوزت لبنود اتفاق الحركة

مع الحكومة الأردنية في عام ١٩٩٣م، وإنما كان خروجهم نتيجة لضغوط

(إسرائيلية، أمريكية، فلسطينية) على النظام الأردني توافقت مع رغبة النظام

الأردني الجديد في التخلص من أي ارتباط رسمي بالقضية الفلسطينية بعد مباحثات

الملك عبد الله الثاني وعرفات حول القضايا العالقة بشأن الأردنيين من أصول

فلسطينية.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى ما تعلنه الأردن حول الآثار السلبية لوجود

قيادات حركة حماس في عمان على المعاهدة الأردنية الإسرائيلية (معاهدة وادي

عربة) ، وحرصها على عدم إعطاء ذريعة أو مسوغات لـ (إسرائيل) لتنفيذ

خطة ترانسفير من الضفة الغربية إلى الأردن في حال استمرار نشاط حركة حماس

في الأردن.

لذا فإن عودة قيادات حركة حماس مرتبطة بعدم السماح لهم بممارسة نشاط

سياسي أو إعلامي من الأراضي الأردنية.

البيان: هل هناك تنسيق بين حماس، وبين المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان؟

ولماذا لم يكن هناك وجود للعمل الفلسطيني لمواجهة (إسرائيل) في الجنوب

اللبناني طيلة السنوات الماضية؟

هناك تواصل بين حركة حماس وكافة القوى الوطنية والإسلامية على الساحة

اللبنانية، ولكن لا يوجد أي تنسيق مع المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان، وذلك

لأسباب سياسية؛ لأن وجود قوى فلسطينية على الأرض اللبنانية لم يعد ممكناً بعد

الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٨٢م بين الحكومة اللبنانية

و (إسرائيل) والذي تم بموجبه إنهاء حصار (إسرائيل) لبيروت مقابل خروج

القوات الفلسطينية نهائياً من لبنان.

المحور الثاني: ملامح التعامل مع المرحلة الحالية في حال استمرار

الانتفاضة.

البيان: هل كان لمنظمة (حماس) دور مبكر في تفعيل الانتفاضة الثانية؟

وهل كان مخططاً أن تبدأ الانتفاضة بهذا الشكل؟

الدكتور محمد صالح:

إن تمسك حركة حماس بثوابتها واستراتيجيتها في مقاومة الاحتلال هو

الأساس الذي هيأ لانطلاق الانتفاضة وتصاعدها.

إن اهتمام الحركة بالمحافظة على الذاكرة الفلسطينية والعربية تجاه المقدسات

وتجاه الحقوق الوطنية ومواجهة جميع محاولات طمس هذه المفاهيم وإضعافها طوال

(مرحلة أوسلو) كان الأرضية التي انطلقت منها انتفاضة الأقصى؛ حيث قامت

حركة حماس بحشد طاقاتها ودعت الشعب الفلسطيني في الداخل للتصدي لزيارة

شارون دفاعاً عن حرمة المسجد الأقصى منذ اللحظة الأولى للإعلان عن تلك

الزيارة.

وتجدر الإشارة إلى أن الشارع الفلسطيني وكافة القوى الفلسطينية كانت

غاضبة، وكانت تشعر أنها مقبلة على مواجهة مع الاحتلال في أعقاب انهيار مؤتمر

كامب ديفيد الأخير، ووصول مسيرة السلام إلى طريق مسدود، وخاصة أن

الإجراءات الإسرائيلية التعسفية تزايدت وتصاعدت منذ نهاية ذلك المؤتمر.

لم يكن مخططاً أن تبدأ الانتفاضة بهذا الشكل؛ لأنه لم يكن متوقعاً أن يقوم

الإسرائيليون بمثل هذا الاستفزاز للمشاعر الدينية وبهذه الطريقة، وقد جعل الله من

زيارة شارون شرارة فجرت المشاعر الدينية والوطنية جميعاً، في داخل فلسطين

وخارجها وعلى امتداد العالم العربي والإسلامي، وذلك فضل الله أولاً وأخيراً.

البيان: هل يمكن القول بأن زيارة شارون جاءت عفوية دون تخطيط مسبق؟

الأستاذ الدكتور عبد الستار سعيد:

من طبيعة اليهود كما قال ربنا تعالى: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ]

(البقرة: ١٠٠) يأتي نتنياهو لينقض ما عقده رابين، ويأتي باراك ليتنصل من

خطوات نتنياهو، وهذا المجرم السفاح شارون جاؤوا به ليوصل القضية إلى الحلم

الأكبر مسقطاً جميع الاتفاقات المسبقة؛ وهذا ليس غريباً على طبيعة اليهود كما

حدثنا القرآن، كما في الآية الأخرى: [الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي

كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ] (الأنفال: ٥٦) وهذا كلام القرآن ينبغي أن نفهمه جيداً

في كل مرة.. لا يتخلف مرة، وقد كانوا في مفاوضتهم لنبيهم موسى عليه الصلاة

والسلام بشأن البقرة في غاية الإتعاب، ولهذا كانت النتيجة المراوغة والأكاذيب

والتلاعب في كل شيء.

ولما انكشف الأمر واستبان سبيلهم للجميع ودنس أشقاهم باحة المسجد الأقصى

في زيارة لها ما بعدها هب الشعب وانتفض بعد أن طفح الكيل، وأيقنت السلطة أنها

وصلت إلى طريق مسدود.. وجاءت الانتفاضة تلقائية حين أحس الناس بالخطر

بعد أن ضُيق الخناق عليهم وظن اليهود أنهم قاربوا النجاح في أن يُلجِئوا هذا الشعب

إلى الهجرة إلى مصر أو إلى الأردن أو أي قطر آخر. لكن من رحمة الله أن هب

الشعب وانتفض دفاعاً عن دينه وحقوقه وهو عارٍ من كل سلاح إلا قوة الإيمان

واليقين في نصر الله عز وجل. هذه الانتفاضة هي المدخل الآن الذي هز اليهود

وهز العالم وأمد القضية الفلسطينية بنبض جديد وقوة جديدة عسى أن تبلغ مداها

المأمول إن شاء الله.

البيان: ما مدى الدور الذي تقوم به حماس مقارنة بالدور الذي تقوم به

المنظمات الفلسطينية الأخرى؟ ومتى دخلت تلك المنظمات على خط الانتفاضة؟

الدكتور محمد صالح:

تعتبر حركة حماس ثاني أكبر القوى الوطنية داخل فلسطين، وهي أكبر

القوى الإسلامية الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها وعلى امتداد العالم العربي

والإسلامي.

ودور حركة حماس والحركات الإسلامية الأخرى مثل الجهاد الإسلامي العقدي

والثقافي والتربوي هو الأخطر في تفعيل الانتفاضة واستمراريتها؛ ومن ثم فإن دور

حركة حماس المباشر وغير المباشر في تفعيل الانتفاضة الجماهيرية هو كبير

وفاعل جداً، ودورها على مستوى المقاومة المسلحة هو الأكثر فاعلية والأعظم

خطراً على الدولة العبرية وعلى المستوطنين؛ لأن عملياتها تهدد الأمن الشخصي

لكل يهودي يقيم على أرض فلسطين. وتجدر الإشارة إلى أن المنظمات الأخرى

وفي مقدمتها حركة فتح قد لحقت خط الانتفاضة بعد تفجرها واندلاع موجة الغضب

الشعبي العام من كافة طوائف الشعب الفلسطيني، وأصبح لفتح بعد ذلك دور فاعل

في الانتفاضة وفعاليات المقاومة.

البيان: يعني هل كانت الانتفاضة هذه المرة من قبيل رد الفعل؟ بمعنى: هل

يصح القول بأن اليهود استدرجوا الفلسطينيين لهذه المواجهة غير المتكافئة لأغراض

أكبر؟

الدكتور محمد صالح:

لقد بدا للمراقبين أن هذه الانتفاضة كانت ردة فعل على زيارة شارون لباحة

المسجد الأقصى، ولكن الحقيقة أنها القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لأن هذه

الزيارة قد وضعت السلطة في مأزق حرج أمام الشارع الفلسطيني من حيث أن

قبولها بالوضع الحالي يعني أنها ستصبح أداة بيد الاحتلال؛ لأنه بدون مواجهة مع

الاحتلال ستفقد السلطة احترامها وتفقد بذلك مسوِّغ وجودها في نظر أبناء فلسطين.

أما الحكومة الإسرائيلية برئاسة باراك التي كانت تدرك آثار الزيارة السلبية

عليها فإنها لم تكن راغبة في زيارة شارون تلك، ولكنها لم تكن قادرة على منعها؛

لأن القدس بحكم الدستور الإسرائيلي تعتبر جزءاً من إسرائيل، ولذلك فإن إلغاء

زيارة شارون مخالف للدستور الصهيوني ويتعارض مع عقيدة كل إسرائيلي.

أما شارون فكان يسعى إلى استفزاز الفلسطينيين، وكان يريد أن تحدث

انتفاضة تؤدي إلى سقوط حكومة باراك ليتقدم نحو الإمساك بالسلطة في أجواء ثورة

فلسطينية توحد المجتمع الإسرائيلي خلفه، وتعطيه ذريعة للتنصل من جميع

الاتفاقات السابقة مع الفلسطينيين.

أما القول بأن الفلسطينيين قد استُدرِجوا لهذه المواجهة غير المتكافئة لأغراض

أكبر: فهو أمر وارد إسرائيلياً. أما على الجانب الفلسطيني فيمكن أن يكون هذا

صحيحاً لو أن الانتفاضة توقفت بعد فترة قصيرة أو أن السلطة الفلسطينية خضعت

لتهديدات (إسرائيل) وتنازلت، ولكن الواقع يشير إلى أن الانتفاضة التي أدخلت

السلطة في مأزق، قد أدخلت (إسرائيل) أيضاً في مأزق سياسي وأمني واقتصادي.

وحركة حماس لا تعتبر أي مواجهة مع الاحتلال استدراجاً، بل إنها تعتبر

الاستدراج الأخطر هو الاستمرار في مسيرة السلام العبثية، أما الانتقال إلى

المواجهة مع الاحتلال فهو الخيار الصحيح، سواء كان ذلك مطلوباً أو مرفوضاً

بالنسبة لـ (إسرائيل) خصوصاً في ظل وحدة وطنية إسلامية ودعم عربي

وإسلامي ودولي للانتفاضة.

ويضيف الأستاذ الدكتور عبد الستار سعيد:

لست مع هذا الرأي القائل بأن الفلسطينيين استُدرجوا، وهذا ليس بصحيح

بدليل أن اليهود اليوم يسعون سعيهم لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الانتفاضة،

كما أن الانتفاضة الأولى ما زالت تمثل كابوساً مزعجاً للعقل اليهودي يخشى أن

يتكرر، وهو يعلم أنه لو تكرر فإن رد الفعل سيكون حركة شعب وربما أمة وليس

حركة سلطة يمكن أن تستدرج. إن الآلام والمتاعب المروعة التي تعرضت لها

إسرائيل من جراء الانتفاضة الثانية تؤكد أن اليهود شعباً ودولة يحيون أزمة

يحاولون الفكاك منها بكل سبيل لا يدخرون في ذلك محرماً ولا غيره ولا يرعون

عهداً ولا يقدرون رأياً؛ فهم كما قال القرآن: [الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ

عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ] (الأنفال: ٥٦) ، فلا يتقون الله ولا يتقون ما

يسمى بالرأي العام العالمي أو القانون الدولي.

هذه الانتفاضة أوقعت باليهود أشد أنواع الألم والرعب رغم كل ما يمارسونه

ضد المسلمين هناك من سياسات الإرهاب والتقتيل والتخريب والوقيعة مستخدمين

الطائرات الحربية والدبابات والصواريخ؛ فمع أن المعركة غير متكافئة إلا أن

رصيد الإيمان والصبر يعدلان الكفة بفضل الله، والله تعالى يقول: [وَإِن تَصْبِرُوا

وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] (آل عمران: ١٢٠) .

البيان: ظهر تفاعل من فلسطينيي ١٩٤٨م في بداية الانتفاضة، ثم توقف،

فما هي الأسباب؟ وهل أفلح اليهود في تشويه هوية أولئك بدعوى أنهم عرب

إسرائيل؟

الشيخ حسن يوسف:

لفلسطينيي ١٩٤٨م ظروفهم وسياستهم الخاصة، وهم منذ أوسلو ومن قبله

طبعاً يطورون حركتهم السياسية والاجتماعية في مواجهة العدو، ولكن على نار

هادئة؛ إلا أن تطورات الأحداث في السنين الماضية، وفي هذه الانتفاضة على

وجه الخصوص، رفعت درجة مشاركتهم لتغدو بإذن الله في قابل الأيام من أكثر

الساحات الفلسطينية تمركزاً للعمل الوطني الفلسطيني والصبر على القضية، من

هنا يأتي دور القوى الحية المعنية في مقارعة العدو للاستنفار في هذه الساحة.

البيان: ما هو تقييمكم لحجم المشاركة الإسلامية الرسمية وغير الرسمية

خارج فلسطين في تفعيل الانتفاضة، وما السبيل في رأيكم لضمان استمرار هذه

المشاركة وعدم ترك القضية تبرد مرة أخرى؟

الشيخ حسن يوسف:

في الحقيقة كان لاستفزاز شارون وهو يتحدى مشاعر مسلمي الأرض،

وللمناظر الفظيعة التي ارتكبتها حكومة باراك مثل الشهيد محمد الدرة، الدور الكبير

في رفع درجة التعاطف الذي لقيته الانتفاضة، ومع أن صور هذا التعاطف أفضل

بكثير منها في الانتفاضة الأولى إلا أنها لا تتناسب مطلقاً مع حجم التحدي القائم،

وهو بالتأكيد دون التعاطف الذي تلقاه إسرائيل من يهود العالم فضلاً عن تعاطف

الحكومات والشعوب الغربية النصرانية معها! وفي أضعف الإيمان يجب أن يرقى

التعاطف مع الانتفاضة إلى درجة المتعاطفين مع العدو. والعتب هنا كبير على

إخواننا في الحركات الإسلامية؛ لأن موضوعنا هو موضوعهم، ولأن مشاكلهم

الداخلية مع نظمهم متداخلة مع طبيعة قضيتنا، ولأن الثورة السياسية والاجتماعية

المكبوتة منذ أكثر من قرن من الزمان في ربوع عالمنا العربي والإسلامي، هي

مسألة متشابكة جداً مع القضية الفلسطينية لدرجة الالتحام؛ ففلسطين كقضية مركزية

للمسلمين في الأرض والإحساس بها سواء بالسلب أو الإيجاب من قبل شعوب

المسلمين تعبر عن مؤشر الضمير بين صحوته ويقظته أو نومه وغفلته، بإمكان

الحركات الإسلامية أن تحرك جماهيرها أسبوعياً من خلال المساجد، أو من خلال

تفعيلها للحركة الطلابية، أو النقابات أو غير ذلك.