للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

البيان الأدبي.. تراجم أدبية

البلبل الذي صمت

بقلم: أحمد عبد العزيز العامر

فقدت ساحة الأدب الإسلامي رجلاً متعدد المواهب، جرت الدعوة في شرايينه

شابّاً ومعلمّاً وشاعراً وكاتباً ومتحدثاً، له مشاركات نقدية في تقويم ما يسمى بالشعر

الحر، حينما استعرض قصته ومنطلقاته وأهداف رموزه، في كتابه: (جناية الشعر

الحر) ، مما دعا إلى مناصبته العداء من جمهرة الحداثيين.

لكنه لم يبال بردود أفعالهم، فأعقب ذلك بدراسة نقدية أخرى بعنوان: (بين

الأصالة والحداثة) ، وله ديوانا شعر: (جرح الإباء) ، و (رسالة إلى ليلى) .

لعلكم عرفتموه، فهو الأستاذ الداعية الأديب (أحمد فرح عقيلان) ، ولد (رحمه

الله) ، عام ١٩٢٤م في (الفالوجة) بفلسطين، ونشأ في أسرة علم ودين، ونال

الشهادة العليا لمدرسي الثانوية عام ١٩٤٦م، ثم عمل مدرساً للغة العربية في بعض

مدن فلسطين، وبعد نكبة ١٩٤٨م، انتقل إلى (خان يونس) ودرّس بها، ثم هاجر

إلى السعودية ودرّس في معهد العاصمة النموذجي بالرياض لعدة سنوات، وعمل

مديراً للأندية الأدبية برئاسة رعاية الشباب ثم مستشاراً بها إلى أن توفي هذا العام،

ولقد عرّف به بعض الكتاب والنقاد، فأعطوه بعض حقه من الدراسة والتعريف،

وحللوا شعره، وبينوا مظاهر شاعريته وأدبه، منهم: د. (صالح الشنطي) ،

ود. (مأمون فريز جرار) ، و (أحمد الجدع) ، و (حسني أدهم) .

لكنه ووجه (رحمه الله) بعد وفاته بعقوق، لا سيما من محبيه، وتلامذته،

والأدباء والنقاد الموضوعيين، حيث لم يكتب عنه إلا قليل منهم، ومما يذكر فيشكر

ما كتبه الأديب (عبد الله بن سليم الرشيد) في ذكر ما له من شاعرية وما يحمله من

هموم إسلامية، ولقد وصف شعره بأنه وعظي، وأنه شاعر واعظ! ، وتساءل:

هل من العجب أن يكون الواعظ أديباً، أو الناقد والشاعر واعظاً، هذا إذا فهمنا

الوعظ بالمعنى الشامل الذي يدخل فيه التذكير المباشر وغير المباشر كالأسوة

الحسنة مثلاً، ومع ذلك: فلا تنافر بين الأدب والوعظ ما دام ذلك الأدب مستوفياً

شروط الإبداع صياغة ولفظاً، وكفى بكلام الله واعظاً وهو الحجة البالغة ... [*] .

والحقيقة: أن شاعرية (عقيلان) يلمحها المتذوق للشعر في ثنايا ديوانيه بما

يهز سامعه هزّاً، ويثيره شجناً، ويحلق بالقارئ إلى آفاق رحبة، يلمس فيها صدق

العاطفة وجمال العبارة ووضوحها، وهنا أورد بعض نماذج شعره:

- من قصيدته (يقول لنا الشهيد) والتي قالها حينما أُريد نقل رفات الشهداء

المصريين فيما أحسبهم بعد حرب ١٩٤٨م على ثرى فلسطين:

يقول لنا الشهيد دعو عظامي ... فما في الدين مصري وشامي

دعوني واطلبوا ثأري فإني ... لقتل من استباحوا الحق ظامي

أليست روضة الشهداء حولي ... ونور المسجد الأقصى أمامي

فلسطين الجريح مكان روحي ... ووجهة الأنبياء بها إمامي

- ومن قصيدته (شباب وخنافس) يقول:

لهفي على ابن الأكرمين مخنفساً ... رخصاً يسابق في الدلال الغيدا

مستعبد التفكير خلف عدوه ... كالقرد يقضي عمره تقليدا

بسوالفٍ وسلاسلٍ وأظافرٍ ... يعصي الإله لكي يطيع يهودا

- ومن قصيدته (صرخة الأقصى) يقول:

صوت من المسجد الأقص يناديني ... إلى فدائية الإيمان يدعوني

يصيح والصخرة الغراء خاوية ... أين البطولات في الغر الميامين

أَبَعْد أن زفني عمرو إلى عمر ... في هالة المجد والقرآن والدين

يعربد الكفر مخموراً بمئذنتي ... ويستهين بقدسي كل ملعون؟

- ومن قصيدته (صرخة) يقول:

حطمت قيثارتي قطعت أوتاري ... ولّى الغناءُ ودقت ساعة الثار

ماذا أغني وتاريخ العروبة في ... مستنقع الذل والتشريد والعار

والقدس والمسجد الأقصى وصخرته ... عاد الأذان بها تهريج كفار

رحم الله الشيخ، وجمعنا به في الجنة ...


(*) المجلة العربية، (أحمد فرح عقيلان) ، شهاب خبا، ع/٢٣٩.