للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خواطر في الدعوة

قاتل الله ردود الأفعال

محمد العبدة

تربى الصحابة في مكة تربية قرآنية، فلم تكن أقوالهم وأفعالهم ردوداً على

تصرفات الآخرين، ولم نسمع أنهم اسُتجروا لمعركة لا يريدونها، أو شُغلوا عن

طريقهم الذي سّنه لهم رسول الله، ولم تستفزهم تحديات قريش وسفاهة بعض

رجالها لقتال ينال الأسرة الواحدة أو العشيرة الواحدة، وعندما أرادوا في المدينة

مخالفة اليهود في مسألة معينة، وأخذوا الأمر إلى أقصى الطرف الآخر، استغرب

الرسول هذا الفهم، وردهم إلى الطريق الأعدل.

هذا الاعتدال في الشخصية، يجب أن يكون ديدن العلماء والدعاة (الذين هم

ورثة الأنبياء) في إرجاع الناس إلى الحق وإنقاذهم من براثن الشيطان. ...

وإن الشخصية التي يستفزها الحدث وتقابله برد فعل قوي، وتذهب بعيداً إلى

الطرف الآخر، وتتمادى في ذلك، وتؤكد على موقفها، وتصوّبه، وتحاول الإتيان

بالأدلة والبراهين، وتغالط نفسها في ذلك، هذه الشخصية ليست قدوة صالحة

للعاملين في حقل الدعوة؛ فإن ردود الأفعال أصابت المسلمين بمقاتل خلال تاريخهم

الطويل، وإن المتتبع لتاريخ فرقة المرجئة سيتضح له أن فكرة الإرجاء، وإن

كانت تتقبلها بعض النفوس (لجهل أو لهوى) ، ولكنها كانت تقوى وتتبلور وتنتشر

بعد أحداث معينة، وكان الذي غذاها في بداية أمرها الرد على الخوارج وآرائهم

المتشددة المبتدعة، ثم زاد الإرجاء وتأكد بعد فشل عبد الله بن الزبير (رضى الله

عنه) في محاولته لاسترجاع الخلافة من بني أمية، وبعد مقتل الحسين (رضى الله

عنه) في خروجه على يزيد، وفي مثل هذه الأجواء تبدأ المحاولات لتطويع

النصوص وتأويلها لتتناسب مع الفكرة المعتنقة، ومع البعد عن الشؤون العامة،

ولتؤكد الانكماش والتقوقع.

وإن أوضح ما تكون هذه الظاهرة في المماحكات التي وقعت بين الفرق التي

تتبنى وجهات نظر مختلفة في العقائد، يقول العلامة ابن المرتضى: (وعندما غلا

المعتزلة في إثبات الحكمة، وأوجبوا معرفة العقول للحكمة بعينها على جهة

التفصيل، فجاؤوا بأشياء ركيكة، رد عليهم الأشعرية وغلوا في الرد، واستلزم ذلك

نفي الحكمة ... ) [١] .

ويقول ابن تيمية ناقداً لهذه الظاهرة: (كما قد يصير بعض جهال المتسننة ... في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت، إذا رأى أهل البدعة يغلون ... فيها) [٢] .

ولا يخلو عصرنا من هذه الخصلة الذميمة، فبعد فشل ثورة أحمد عرابي في

مصر وقد ساهم فيها الشيخ محمد عبده، ونفي على إثرها إلى بلاد الشام، وعاش

في بيروت كانت ردة الفعل عند الشيخ أن قال كلمته المشهورة: (لعن الله السياسة،

وساس، ويسوس ... ) .

ولكن ردود الأفعال فيما يدور حول الدعوة والعمل الإسلامي المعاصر كانت

أعنف من هذا وأكثر إيلاماً للنفس؛ فقد أصيب بعض الناس بحساسية بالغة إزاء

مخالفيهم، فلا يحبون أن تذكر محاسنهم، بل لا يحبون أن يذكروا أبداً، وذهبوا

بعيداً في التشنيع عليهم، وإلصاق التهم الظالمة بهم، وتحميل أقوالهم ما لا تحتمل،

وإن المسلم الذي يراقب هذه الأحوال ليتعجب من أمثال هؤلاء، ويقول في نفسه:

هل هؤلاء الأشخاص أسوياء؟ وهل يتقون الله حقّاً؟ !

والله نسأل التقوى في القول والعمل.


(١) إيثار الحق على الخلق، ص ١٩٤.
(٢) فتاوى ابن تيمية، ج ٦ ص ٢٦.