للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

متابعات حول نقد الصحوة الإسلامية

حصاد الصحوة..

الانتشار والتأصيل الشرعي

بقلم: د.أحمد محمد العيسى

تمثل الصحوة الإسلامية المعاصرة هاجساً مزمناً للعديد من الجهات والتيارات

الفكرية والسياسية على مستوى العالم العربي والإسلامي وعلى المستوى الدولي على

حد سواء؛ فالذين أحرقهم تسلط الغرب وهيمنته السياسية والاقتصادية، والذين

أشغلهم تغلغل القيم والثقافة الغربية داخل المجتمعات الإسلامية، يرون في الصحوة

أملاً في كبح التسلط والهيمنة الغربية، وفي إيقاظ الشعوب المسلمة من سباتها

العميق؟ لتعيش حالة التحدي التاريخي للحضارة الغربية بكل منطلقاتها العقدية

والثقافية وقدرتها التقنية العالية، أما الآخرون الذين يرون أن الغرب قد وصل إلى

مرحلة (اللاتحدي) من جانب الحضارات الأخرى، وأن ما يقدمه من قيم وثقافات

هي قيم عالمية لا ينبغي لأحد أن يعترض عليها أو يرفضها أو أولئك الذين يخافون

على مصالحهم الذاتية ومكاسبهم الشخصية، فهم يرون في الصحوة خطراً و (بعبعاً) يتهدد مصالحهم ووجودهم.

ولكن هل وصلت الصحوة الإسلامية - بالفعل - إلى مستوى متقدم لكى تشكل

لأولئك المتعاطفين معها هذا الأمل المشرق، أو المعادين لها هذا الهاجس المزمن؟

وهل واقع الصحوة يبرر تلك الحملات المسعورة التي تشنها الحكومات العلمانية في

العالم العربي على مظاهر الصحوة الإسلامية ويجعلها تنتهج سياسات تجفيف المنابع ... أو يبرر لكثير من مفكري الغرب وسياسييه وضعها في مقام العدو الأول للحضارة

الغربية؟ .

إن المتأمل لواقع الصحوة الإسلامية اليوم لن يجد صعوبة تذكر في الإشارة

إلى ضعف إمكانات الصحوة المادية والعسكرية والإعلامية، إضافة إلى عوامل

التفكك والاختلاف الذي يضرب أطنابه في معسكر الصحوة الإسلامية.

إذن: ما هي عوامل القوة والخطورة التي تمتلكها الصحوة والتي جعلت منها

أهم ظاهرة اجتماعية في أواخر القرن العشرين؟ ، إن الجواب على هذا السؤال

المهم يمكن أن يتناول عوامل شتى، ولكن - في رأيي - أن أهم عاملين يدعمان

مكانة الصحوة الإسلامية ويجعلانها تمثل الهاجس الذي أشرنا إليه، هما: سرعة

انتشار الصحوة الإسلامية واستقطابها لشرائح مختلفة في المجتمعات الإسلامية،

والاهتمام بالتأصيل الشرعي للقضايا المعاصرة.

لقد أدى الانتشار السريع للصحوة الإسلامية، واستجابة العديد من شرائح

المجتمعات الإسلامية لنداء الدعاة والعاملين للإسلام للعودة إلى الدين والالتزام

بمبادئه وقيمه وإعادة الاعتبار للهوية الإسلامية، إلى اعتبار الصحوة ظاهرة

تاريخية تسعى إلى تغيير المجتمعات الإسلامية؛ مما جعلها خطراً حقيقياً على الواقع

السائد في هذه المجتمعات، فلم تكن رسالة الصحوة الإسلامية موجهة للنخبة من

المثقفين أو المفكرين، كما هو الحال لبعض التيارات الفكرية الوافدة، مثل: تيار

الحداثة الذي كان ولا يزال يحتقر الجماهير، ويعتبرها لا تعي رسالته وخطابه

الفكري. ولقد أدى وضوح وسهولة شعارات الصحوة الإسلامية المستمد ة من

القرآن والسنة، واعتمادها على تاريخ حضاري عريق يحتوي على معين لا ينضب

من الأفكار والرؤى والقيم، إلى تفاعل الشباب المسلم مع تلك الشعارات، والتزامه

بما تطرحه من رؤى وآمال ومفاهيم، وساعد على انتشار الصحوة الإسلامية:

الإخفاق المذهل على جميع المستويات للتيارات المتغربة التي قادت البلاد العربية

والإسلامية خلال هذا القرن، الأمر الذي جعل من بعض أشد المتحمسين للتيارات

القومية والماركسية والحداثية يعودون إلى الإسلام، ويتحدثون باسمه، ويشيرون

إلى أنه الحل لما تواجهه الأمة من مصائب، ونكبات.

وعلى الرغم من اعتراف الكثيرين من الأعداء والأصدقاء بقدرة الصحوة على

استقطاب أعداد غفيرة من الشباب المسلم، إلا ان بعض المفكرين الإسلاميين يعتبر

أن استقطاب تلك الجموع الغفيرة أدى إلى ضعف مناهج التربية الإسلامية؛ حيث لم

يجد المربون والعلماء الوقت الكافي لتربية تلك الجموع بالعقيدة والمبادئ الأخلاقية

الإسلامية والمنهج السليم في التفكير والتلقي، فكان أن انجرف بعض منهم في

تيارات الغلو، وانشغلت الصحوة كثيراً بالأخذ والرد في قضايا بعيدة عن واقع الأمة

وأولوياتها المعاصرة، وعلى الرغم من صحة هذه الملاحظة - على وجه العموم -

إلا أنه ينبغي التأكيد على أن التأثير والانتشار السريع للصحوة داخل المجتمعات

الإسلامية هو ميزة إيجابية كبرى، إذ إنها اثبتت أن عموم المسلمين يعيشون في

فراغ كبير لا تستطيع ملأه إلا حركة جماهيرية تعتمد على عقيد ة الإسلام الواضحة

لاستعادة موقع الأمة في العالم المعاصر، وتؤكد على أن الشباب يستجيب ويتفاعل

مع رسالة الصحوة الواضحة، مهما كانت الظروف التاريخية والسياسية التي أدت

إلى ابتعاد كثير منهم عن الالتزام الشامل بالعقيدة الإسلامية؛ فعاشوا ردحاً من الزمن

في غربة عن دينهم وهويتهم ولهذا: فإن الفشل في معالجة الانحرافات الناتجة عن

الانطلاقة السريعة لا يعني أن البداية كانت خاطئة، ولكن يعني أن أساليب التربية

لا تزال قاصرة عن معالجة تلك الانحرافات، وغير قادرة على مواكبة التغيرات

الكبيرة التي تحدث على الساحة الإسلامية.

ويأتي الحديث عن العامل الثاني من عوامل نجاح الصحوة الإسلامية، وهو:

قضية التأصيل الشرعي لقضايا المسلمين المعاصرة، وقضية التأصيل الشرعي

أصبحت هماً من هموم الصحوة الإسلامية، بعد أن اصطدم الفكر الإسلامي بمعضلة

التفاوت الكبير بين المبادئ الإسلامية والواقع الراهن، حيث أدت سنوات طويلة من

غياب المسلمين عن مصادر دينهم؛ بسبب الجهل المتراكم عبر سنوات عديدة،

وبسبب الغزو الفكري والثقافي من قبل الحضارة الغربية.. إلى أن تختلط كثير من

أحكام الدين بالعادات المتوارثة، أو بالعادات الوافدة، فنشأت المناهج المشوشة في

كثير من قضايا المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية ... فكان لزاماً

على الدعوة أن تبحث في تأصيل تلك القضايا من الناحية الشرعية، وإعطاؤها

الوقت الكافي للدراسة العلمية، بعيداً عن تسطيح تلك القضايا وتمييعها وتلفيق

الحلول لها، وسبب آخر أدى إلى تصاعد الدعوة إلى التأصيل الشرعي للقضايا

المعاصرة، هو: اتساع شقة الخلاف بين بعض تيارات الصحوة، فأصبح كثير من

الدعاة والمفكرين يدركون الحاجة إلى وجود مرجعية ومنهج يحتكم إليه المختلفون

لمعرفة الحق والصواب. وعلى الرغم من أن الإنجاز في هذا الموضوع لا يزال

ضعيفاً ومحدوداً، إلا أن مجرد الاهتمام بهذه القضية الكبرى، وكونه شائعاً في

أوساط الصحوة الإسلامية، يمكن اعتباره إنجازاً مهما للصحوة الإسلامية المعاصرة، ... يضاف إلى الإنجاز الأول الذي أشرنا إليه آنفاً.

ولعل الهجوم الشرس الذي تتعرض له الصحوة الإسلامية اليوم من قبل القوى

العلمانية والشيوعية في العالم الإسلامي أو من الدول الغربية، ليس مرده فقط إلى

سرعة انتشارها واعتبارها القوة الشعبية الأولى في العالم الإسلامي، بل وأيضًا

بسبب الدعوة إلى تأصيل القضايا المعاصرة شرعياً، والدعوة إلى تغيير الحياة من

جميع جوانبها داخل المجتمعات الاسلامية.

إن هذه الدعوة أثبتت للغرب ولأصحاب التيارات التغريبية أن الصحوة، في

الوقت الذي تطالب فيه بتطبيق الشريعة في جميع مناحي الحياة في البلاد الإسلامية، فإنها إنما تدعو إلى قيام نظام شامل للحياة يختلف عن مفاهيم الغرب وقيمه

وأسلوبه في الحياة، ولهذا: كان التركيز شديداً على وصف الصحوة الإسلامية بأنها: قوة (ظلامية) ، وأنها تريد العودة بالمجتمعات إلى القرون الوسطى، وأنها ...

(ماضوية) ، أي: تعيش في الماضي، وتنظر إلى الحاضر على أنه جزء من

الماضي ... إلى آخر المنظومة الفكرية المتداولة في أوساط الثقافة العلمانية.

ولعل في الإشارة إلى هذين العنصرين الإيجابيين الذين يشكلان حصاد

الصحوة خلال السنوات الماضية ما يحفز إلى معرفة السلبيات والإخفاقات التي

تتعثر فيها الصحوة؛ لكي يتم تدارسها وبحثها من قبل العلماء والدعاة والمفكرين

الإسلاميين، الذين يهمهم مستقبل الإسلام وأبنائه في عالم متغير متقلب.

الانتقال إلى مرحلة مختلفة:

إن المتأمل في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي

يعيشها العالم يشعر بأن هناك متغيرات كبيرة تحدث على أكثر من مستوى،

وبالتالي: تؤثر في جميع الحركات الاجتماعية التي تعمل وتعيش في هذا العالم،

والصحوة الإسلامية المعاصرة - مثل أي حركة اجتماعية أخرى - (بالمعنى

الواسع للكلمة) تتأثر وتؤثر بما يجري حولها من أحداث وتطورات على جميع

الأصعدة.

وكل ظاهرة اجتماعية فاعلة ومتحركة تتطور بفعل محركين أساسين، هما:

العوامل الداخلية التي تعتمل داخل الحركة، والعوامل الخارجية التي تتعامل معها

الحركة وتؤثر فيها. ولو نظرنا إلى الصحوة الإسلامية من هذا المنطلق لوجدنا أنها

قد دخلت - بالفعل - في مرحلة تاريخية جديدة، لها ظروف خاصة، ولها متطلبات

أخرى غير تلك التي كانت سائدة في فترة ماضية ليست بعيدة عن وقتنا الراهن.

ولكن.. هل يمكن معرفة خصائص المرحلة الجديدة قبل ان نعرف: ما هي

خصائص المرحلة السابقة، ومتى انتهت، ولماذا أصبحت المرحلة الحالية مختلفة

عن السابق؟ .

الواقع: أن الباحث في تاريخ الصحوة يجد صعوبة في تحديد بداياتها،

ومراحل تطورها، والتحديات التي أثرت على مسيرتها التاريخية، ولن نجد

صعوبة في الإشارة إلى أن دراستنا للصحوة الإسلامية - بوصفها ظاهرة تاريخية

اجتماعية متغيرة - ضعيفة إلى حد بعيد، ولو أراد الباحث الرجوع إلى المكتبة

للبحث في مصادر تتناول ظاهرة الصحوة بشكل عام، لوجد العديد من الدراسات

والكتب والندوات والمؤتمرات، التي إما أن تكون صادرة عن مراكز البحث العربية

القومية، أو تكون صادرة عن مراكز البحث الغربية، نعم: هناك كثير من الكتب

الإسلامية المتميزة، ولكنها في الغالب تتناول ظواهر جزئية لها علاقة بظاهرة

الصحوة، أو جزءاً من مكوناتها، مثل: التجديد، والغلو والتطرف، وتطبيق

الشريعة، ومظاهر الانحراف عن المنهج الصحيح في العقيدة والأدب والفكر..

وغيرها، ولكن لا تجد الكثير والمفيد من الدراسات التحليلية لتاريخ الصحوة

وواقعها ومستقبلها.

إذن: فإن هذه المحاولة في تحديد ملامح المرحلة الجديدة التي نتوقع أن

الصحوة قد دخلت فيها، ستكون قريبة من الاستقصاء الذي يعتمد على قراءة

للأحداث التي حدثت خلال السنوات الماضية، ولا يمكن اعتبارها دراسة تحليلية

تعتمد على تراكم المعرفة في هذا الموضوع، إذ إن الباحث يحتاج إلى مقدرة كبيرة

في لملمة جوانب الموضوع من مصادر عديدة، قد يكون كل مصدر له ارتباط

بظواهر جزئية من مكونات الصحوة.

لو تأملنا في واقع الصحوة خلال العقدين الماضيين - أي: في السبعينات

والثمانينات الميلادية - لوجدنا أن الصحوة قد اكتسبت انتشاراً واسعاً في جميع بلاد

العالم، وأصبحت شيئاً فشيئاً تستفيد من الإخفاقات المتسارعة للأيديولوجيات القومية

والبعثية والماركسية، التي كانت تجتذب قطاعاً واسعاً من الشباب المسلم، ثم بدأ

الجهاد في أفغانستان بعد الغزو السوفييتي لذلك البلد المسلم في عام ١٩٧٩م، فأدى

إلى استنفار إسلامي شعبي ضخم مما جعل من هذه القضية محورا أساساً من محاور

خطاب الدعوة؛ حيث بدأت الآمال تراود كثيراً من الشباب بصياغة ملحمة إسلامية

كبرى تحرر المسلمين من نفسية الذل والانكسار، وتغسل العار الذي لحق بالمسلمين

في أماكن أخرى كثيرة، من أهمها: فلسطين. وقد ساند هذا الاتجاه: الظروف

الدولية المواتية التي كانت تنظر إلى الجهاد في أفغانستان على أنه الأمل في تحطيم

الدب الروسي؛ ولذلك: ساندته كثير من الأطراف بالمال والسلاح، وعلى الرغم

من قيام الثورة الإيرانية في تلك الفترة، التي اعتبرها كثير من الحركات الإسلامية

وغير الإسلامية نصراً للفكرة الإسلامية ونذيراً بالخطر على الأيديولوجيات السائدة،

إلا أن كثيراً، من القوى المهيمنة كانت تدرك الحاجز الكبير الذي يفصل الشعوب

الإسلامية عن النموذج الإيراني؛ مما جعلها لا تتحرك بشكل جدي للوقوف في وجه

العمل الإسلامي.

هذا من الناحية السياسية، أما من النواحي الأخرى فقد اتسمت تلك المرحلة

بتأسيس كثير من المشروعات الدعوية والخيرية في كثير من بلاد العالم مما مكن

الصحوة من اكتساب خبرات كثيرة، إضافة إلى تكوين جذور عميقة في العمل

الاجتماعي والإغاثي وبناء المساجد والمدارس، مما أكسبها التفاف الجماهير حولها، وجعل خطابها الدعوي مهيمناً في الأوساط الشعبية في البلاد الإسلامية، كما

انتشرت وسائل جديدة للدعوة لم تكن مستغلة من قبل، مثل: الشريط، والمجلات،

والمؤتمرات الخارجية، وقوافل ومخيمات الدعوة ... وغيرها، وظهرت أيضا فكرة

البنوك الإسلامية وبعض مجالات الاستثمار الإسلامي.. إلى غير ذلك من مظاهر

الصحوة أو العودة إلى الدين، وكل هذه الأنشطة كانت تسير في كثير من بلاد العالم

دون وجود عوائق سياسية أو قانونية كبيرة.

من جهة أخرى، ومع تسارع العمل الإسلامي وتشعبه، وبعد النجاحات

السريعة: بدأ يلوح في الأفق التنافس بين تيارات الصحوة في اجتذاب العائدين إلى

الدين، وبرز كثير من الخلافات حول الأساليب المتبعة في الدعوة، وتعدى ذلك إلى

ظهور اتجاهات الغلو من جهة والتفريط من الجهة المقابلة، بعد أن اصطدم العمل

الإسلامي بالواقع المتخلف للمجتمعات الإسلامية، ونظراً لكون الصحوة لم تجابه في

ذلك الوقت تحدياً خارجياً حقيقياً، فقد أدى ذلك إلى انشغال الصحوة بنفسها حتى ظن

الكثيرون أن الصحوة بدأت تأكل نفسها.

إذن: هل يمكن أن نقول: إن تلك الأحوال قد تبدلت؟ بحيث نستنتج ان

الصحوة قد دخلت مرحلة جديدة؟

إن المتأمل في الأحداث التي وقعت منذ بداية العقد الحالي - أي: منذ خمس

سنوات تقريباً - سواء على ساحة العمل الإسلامي، أو تلك الأحداث التي وقعت

على الساحة الدولية والإقليمية، يدرك أن هناك الكثير من المتغيرات التي بدلت

واقع العمل الإسلامي، وبدلت الظروف المحيطة بالصحوة، وما لم يتم استيعاب

هذه المتغيرات ومعرفة حجمها وتأثيرها فإن الصحوة الإسلامية ستفقد القدرة على

التعامل مع تلك المتغيرات ومواجهتها وتكييفها لمصلحة العمل الإسلامي، وستتطلب

مرحلة استيعاب تلك المتغيرات سعياً متواصلاً لدراسة المتغيرات كما هي في الواقع، وأيضاً بحثاً عميقاً للوسائل الشرعية الصحيحة لكيفية التعامل مع تلك المتغيرات

وعلى الرغم من تداخل تلك المتغيرات بحيث يصعب تقسيمها إلى متغيرات داخلية

أو متغيرات خارجية - حيث إن كل متغير داخلي لابد وأن يكون متأثراً بالعوامل

الخارجية وربما مؤثراً فيها، والعكس صحيح أيضاً- ولكن قد يكون من الضروري

فرز تلك المتغيرات لكي يمكن تصور المرحلة الجديدة بشكل أفضل.

المتغيرات الداخلية:

لقد أدى الانتشار الكبير الذي حققته الصحوة إلى تعدد الاتجاهات الفكرية

والسياسية داخل إطار الصحوة الإسلامية، واختلفت المدارس التي تسعى إلى جذب

أكبر عدد من المناصرين لفكرتها، مما خلق نوعاً من التشرذم والاختلاف والتنافس

غير المنضبط بالضوابط الشرعية.

وإذا أضفنا إلى ذلك ضعف آليات الحوار بين تيارات الصحوة وغياب أجواء

الثقة، فإن صورة تماسك العمل الإسلامي ودعم بعضه البعض تكون أكثر قتامة؛

فقد أصبح العمل الفردي المنغلق على التيار أو الإطار الفكري أو الحزب السياسي

أحد السمات البارزة في العمل الإسلامي، ولعل هذه السمة كانت موجودة في

المراحل السابقة، أي: إنها سمة ليست جديدة على العمل الإسلامي، ولكنها

أصبحت أكثر تجذراً في المرحلة الحالية، كما أن استمرارها مع وجود التحديات

الخارجية المتعاظمة يجعلها تمثل أحد أهم العوائق التي ستؤثر على مستقبل العمل

الإسلامي.

من المتغيرات الأخرى التي أصبحت تميز المرحلة الجديدة: النفسية القلقة،

وتراجع الحماس المندفع، وازدياد الخوف على مستقبل الصحوة الإسلامية عند كثير

من قادة العمل الاسلامي وشباب الصحوة؛ وقد حصل ذلك بعد انهيار الحلم

الإسلامي في أفغانستان نتيجة الحرب الهوجاء بين رفقاء الجهاد، فقد تجاوزت

الآمال حدودها في فترة من فترات الجهاد، ثم عادت الآمال الآن بعدما حدث ما

حدث إلى درجة متدنية، بل ربما غير الكثيرون قناعاتهم بأهداف الصحوة ورسالتها، وقد عزّز هذه الحالة ضعف نتائج مشاركة كثير من تيارات الصحوة الإسلامية في

العمل السياسي في الدول العربية وغير العربية، حيث لم يؤد دخول الإسلاميين إلى

البرلمانات والمجالس التشريعية إلى مكاسب حقيقية للعمل الإسلامي، أو لتحقيق

الهدف المشترك، وهو: تطبيق الشريعة الإسلامية في أنظمة الدول وتشريعاتها.

أما على الصعيد الفكري والعلمي: فقد بدأت بعض التحولات الفكرية من

البروز بقوة خلال المرحلة الجديدة، فقد برز اتجاهان رئيسان في كيفية التعامل مع

الواقع ومع الحضارة الغربية المهيمنة، حيث أدى تحول كثير من الرموز الفكرية

العلمانية والماركسية إلى الفكر الإسلامي، وكذلك ممارسة الحوار الفكري مع

التيارات العلمانية، إلى بروز تيار (الفكر العقلاني) الذي يرى أن الفكر الإسلامي

يجب أن (يتطور لصالح الواقع وتحت ضغطه ضد التعامل المثالي والتاريخي مع

الإسلام) ، و (أن الواقع هو الأصل، والعقل هو الأساس، ولا سلطان إلا للعقل

ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه) ، وفي مقابل ذلك: اتجه كثير من

المفكرين والمنظرين للصحوة إلى الدعوة إلى (فقه الواقع) والتأصيل الشرعي

للمستجدات الحضارية على الساحة الإسلامية، ونتيجة لاختلاف المنطلقات والأسس

التي يرى بها كل طرف الأحداث والمتغيرات الداخلية والخارجية والسبل الصحيحة

للتعامل معها، فقد دخل الاتجاهان في مناطق تجاذب سببت نوعاً من التشويش

الفكري على كثير من شباب الصحوة؛ فقد أدى الاتجاه (العقلاني) إلى خلخلة ...

الثوابت الإسلامية، وإلى تمييع كثير من قضايا المسلمين المصيرية، وفي الوقت

نفسه: لم يحسم الفريق الآخر موقفه من مسألة (فقه الواقع) ، فلا زال الكثيرون

يتساءلون عن ماهيته، ويشكك البعض في أهميته وجدواه.

ومن المتغيرات على الساحة الإسلامية: تقلص العوائد المالية التي كانت

تساهم في دعم مشروعات الصحوة الخيرية والإنسانية والدعوية؛ فقد تأثرت

الصحوة بانخفاض وتدهور الاقتصاد في معظم الدول الاسلامية، إضافة إلى

الظروف الخارجية التي بدأت تحاصر الدعم المالي الشعبي للعمل الإسلامي،

وسيكون لهذا العامل دوراً أساساً في مستقبل الصحوة في المرحلة الجديدة التي بدأت

تعيشها.

المتغيرات الخارجية:

لقد شهد العالم خلال الأعوام الخمسة الماضية أحداثاً متسارعة وعظيمة الأهمية ... فقد سقطت الشيوعية رسمياً خلال هذه الفترة، وبرزت إعادة تشكيل مناطق

التماس الحضاري والأيديولوجي، وانتهت بذلك الحرب الباردة، وصاحب ذلك:

نشوء العديد من الحروب الإقليمية في أوروبا وآسيا الوسطى وغيرها، وحدث في

العالم العربي أهم حدث في تاريخ المنطقة المعاصر، وهو حرب الخليج الثانية،

الذي بدا فيه النظام العربي الذي قادته القومية العربية متصدعاً وغير قادر على

الاستمرار، وبدأت في المنطقة، ما يسمى بعملية (السلام) بين عدو المسلمين

الأول والحكومات العربية. وفي أثناء التحرك الدولي لتنظيم المسرح العالمي بعد

هذه الأحداث لسد الفراغ من سقوط القوة العالمية الثانية واختفاء التنازع الأيديولوجي برزت الصحوة الإسلامية بوصفها قوة اجتماعية وسياسية لها وزنها على الساحة

العربية والدولية، فأصبحت تمثل العائق الأبرز في اتجاه ترتيب النظام العالمي

الجديد، فنتج عن ذلك: الاتجاه إلى تحجيم هذه القوة الجديدة أو احتوائها، فبدأ

العالم الغربي يرى في القوة القادمة من منطقة العالم الاسلامي خطراً يهدد مصالحه

في المنطقة؛ مما جعله يدعو إلى تحالف علماني ضد (الأصولية الإسلامية) ،

ودخلت الصحوة الإسلامية نتيجة لذلك في صراع مكشوف مع معظم الأنظمة

الحاكمة في العالم الإسلامي، واستطاعت بعض القوى الإسلامية أن يكون لها تأثير

في صنع القرار، واتخذت بعض الأنظمة تدابير (احترازية) للحد من تأثير

الصحوة؛ فاعتمدت سياسات أمنية واقتصادية وإعلامية وتربوية لتجفيف منابع

الصحوة.

هذه المتغيرات الخارجية التي حدثت خلال الأعوام القليلة الماضية تؤسس بلا

شك لمرحلة جديدة لم تشهدها الصحوة الإسلامية من قبل؛ حيث تبدل المناخ العام،

وعظمت التحديات وكثر الأعداء، وتغيرت أساليب الصراع والتنافس، وبدت في

خط المواجهة الأمامي أمام هيمنة الغرب حضارياً وسياسياً واقتصادياً، وأصبحت

الصحوة منذ ذلك الحين ظاهرة عالمية تشحذ الهمم لدراستها ورصد اتجاهاتها

وتطورها ومستقبلها.

ومعظم المتغيرات الداخلية والخارجية التي أشرنا إليها تحدث دون أن يكون

للصحوة دور بارز في صنعها أو التخطيط لها؛ إذ إنها - في الغالب - تحدث في

وقت هي غير مستعدة لمواجهتها أو التعامل معها، بل وربما عدم الوعي بها

والإحاطة بتفاصيلها، فافتقد العاملون للإسلام والدعاة والمفكرون الرؤية

الاستراتيجية البعيدة المدى، وانشغل الكثير منهم بالأحداث اليومية المتسارعة

ومحاولة مواجهتها، وظهر عند الكثيرين التردد أو النكوص عن العمل، وظهرت

الرغبة في العودة إلى الأساليب التي كانت صالحة ومنتجة في الفترات السابقة عندما

كان المناخ مسالماً، والتيار - عالمياً وإقليمياً - يسير في الاتجاه نفسه.

فهل نعي هذه المتغيرات، ونعرف أبعاد المرحلة الجديدة التي دخلنا فيها؟