للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الإسلام لعصرنا

[الإنصاف في معاملة غير المسلمين]

أ. د جعفر شيخ إدريس [*]

أصبح من بدهيات عصرنا أننا نعيش اليوم في عالم تشابكت فيه مصالح الأمم؛

فلم يعد من الممكن لواحدة منها بلغت من القوة ما بلغت أن تنعزل مستقلة عن

غيرها مستغنية بنفسها. فنحن إذن محتاجون إلى معالم نهتدي بها في تعاملنا مع

غيرنا معاملة نحقق بها مصالحنا ولا نساوم بها على ديننا. أول معلم يهدينا إليه

كتاب ربنا هو أن معاملتنا لغيرنا يجب أن تؤسس على الحقائق، حقائق الدين

المتلوة، وحقائق الواقع المشهودة. من أمثلة الحقائق الواقعية التي يخبرنا بها ربنا

ويأمرنا أن نبني عليها تعاملنا قوله - تعالى -: [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ

عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ] (فاطر: ٦) . أي إنه إذا

كان الشيطان عدواً فيجب أن تكون معاملتك له مبنية على هذه الحقائق، لا على

أمور عنه تتوهمها. والحقائق الواقعية يمكن أن يدركها البشر إدراكاً مباشراً، كما

يمكن أن يعرفوها بخبر الله - تعالى - في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله

عليه وسلم. وأخبار الله - تعالى - صادقة، والخبر الصادق هو المطابق للواقع،

وإلا فهو كاذب. فما الحقائق المشهودة التي يخبرنا بها ربنا أو نشاهدها بأنفسنا عن

غير المسلمين ممن يساكنوننا هذه الأرض في عصرنا هذا؟ أول ما نتعلمه من ديننا

ويؤكده لنا واقعنا أنهم وإن كانوا جميعاً غير مسلمين لكنهم ليسوا سواء في قربهم

وبعدهم من حقائق الدين، وليسوا سواء في معاملتهم للمسلمين. وإذا كانت هذه

حقيقة فيجب أن لا نغفلها في تعاملنا معهم. يجب أن نعامل كل فرد أو جماعة منهم

بحسب ما نعرفه من حالهم. وهذا ليس إنصافاً لهم فحسب لكنه أمر ضروري

لتحصيل كثير من المصالح ودفع كثير من المفاسد. لكننا كثيراً ما نجنح إلى التعميم

حيث يكون التمييز هو الأنسب، وكثيراً ما نذكر آيات تدل على هذا العموم ونغفل

الآيات التي تخصصه أو تقيده.

من القريب منا ومن البعيد من اليهود والنصارى وسائر المشركين؟ سيسارع

بعضنا إلى تذكيرنا بمثل قول الله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى

حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) .

ويريد أن يستدل بهذا على أن ما قال ربنا سبحانه ينطبق على كل فرد فرد

منهم، وأن معاملتنا لهم يجب إذن أن تكون كلها مرتكزة على هذه الحقيقة، لكن

كتاب ربنا نفسه يدلنا على خطأ هذا الفهم. إن صيغة الآية صيغة عموم ما في ذلك

شك، لكنها مخصوصة بآيات أخرى، وبواقع نشاهده. فكتاب ربنا يخبرنا ان

بعض النصارى يسلمون.

[وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا

مِنَ الحَقِّ] (المائدة: ٨٣) .

فهؤلاء نصارى لكنهم لم يكونوا من النوع الذي لا يرضى عنا إلا إذا اتبعنا

ملته، بل اعترف بأن ملتنا هي الحق، وهداه ربه إلى قبول هذا الحق. وما أخبرنا

به ربنا في القرآن الكريم ما نزال نشاهده في أفراد من النصارى يسلمون ويبكون

حين يسلمون. وما يقال عن النصارى يقال أيضاً عن اليهود، فإن منهم أيضاً من

هداه الله تعالى إلى الإسلام من أمثال الصحابي الجليل عبد الله بن سلام الذي شهد له

الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة.

وما يقال عن تلك الآية يقال أيضاً عن آيات أخرى عمومها الظاهري

مخصوص. من ذلك قوله - تعالى -: [وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ

النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ] (التوبة: ٣٠) .

كنت أفهم هذه الآية الكريمة على عمومها الظاهري هذا، فكتبت كتيباً باللغة

الإنجليزية منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً استدللت فيه بها على أن اليهود يؤلهون

عزيراً كما النصارى يؤلهون عيسى. فعجبت عندما أخبرني الإخوة الناشرون بأنه

جاءتهم احتجاجات من بعض اليهود على ما نسبته إليهم، وطالبوني بالدليل. ولم

يكن لدي من دليل غير القرآن الكريم. لكن أحد إخواننا السودانيين الدكتور إبراهيم

الحاردلو ممن درسوا العبرية وتاريخ اليهودية، أخبرني أن أستاذه اليهودي نفسه

كان قد استغرب مما ذكره القرآن الكريم، لكنه ذهب وراجع كتب تاريخهم، ثم جاء

ليقول للأخ إنه كان بالفعل هنالك جماعة من اليهود في المدينة في ذلك الوقت

يؤمنون بأن عزيراً ابن الله. وعندما راجعت كتب التفسير وجدت ما فيها مطابقاً لما

قال، فابن كثير مثلاً يقول بعدما ذكر عن السدي قصة طويلة عن عزير: (فقال

بعض جهلتهم إنما صنع ذلك لأنه ابن الله) . ويقول صاحب التحرير والتنوير:

(والذين وصفوه بذلك جماعة من أحبار اليهود في المدينة وتبعهم كثير من عامتهم) ،

كل هذا يدلك على أنه من الخطأ أن تفهم الآية الكريمة على عمومها الظاهري فيظن

أنها تنطبق على كل فرد ينتسب إلى اليهودية؛ لأن من اليهود المحدثين من لا يعلم

أن بعضاً من سلفه كان يقول هذا. فكيف ينسب إليه قولهم؟ وقد أعجبني في هذا

الصدد إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية حين فرق بين من حرف ومن لم يحرف من

أهل الكتاب فقال: (وعلى هذا فإذا كان بعض أهل الكتاب قد حرفوا بعض الكتاب،

وفيهم آخرون لم يعلموا ذلك فهم مجتهدون في اتباع ما جاء به الرسول، لم يجب

أن يجعل هؤلاء من المستوجبين للوعيد) [١] . بل إن في واقعنا اليوم ما هو أغرب

من هذا، فهنالك اليوم آلاف مؤلفة ممن ينتسبون إلى النصرانية في أمريكا لكنهم لا

يؤمنون بأن عيسى ابن الله!

أسوق كل هذا لأقول إننا يجب أن نعامل الناس بحسب الحقائق التي نعرفها

عنهم، ولا نلزمهم باعتقاد ينكرونه مستدلين على ذلك بالقرآن الكريم. كيف أفعل

مع إنسان يزعم أنه نصراني لكنه يصرح بأنه لا يعتقد بأن المسيح ابن الله؟ هل

أقول له ما دمت نصرانياً فلا بد أن تؤمن بأنه ابن الله؛ لأنه هكذا أخبرنا كتاب ربنا؟

في مقابل هذا إذا وجدت من يزعم أنه يهودي أو نصراني لكنه لا يؤمن بضرورة

الذبح مثلاً فلن آكل طعامه؛ لأن طعامه إنما أحل لنا بسبب أنهم يذبحون. أما الذي

نعلم أنه لا يذبح فطعامه حرام حتى لو كان مسلماً؛ فكيف إذا كان يهودياً أو نصرانياً؟

وبمثل هذا السبب لم يعامل المسلمون نصارى بنى تغلب معاملة النصارى؛ لأنهم

كما قال عنهم أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -: (لم يتمسكوا بشيء من

النصرانية إلا بشرب الخمر) [٢] .

نعم إذا وجدت فرداً أو جماعة من اليهود أو النصارى يتصفون بمثل صفات

اليهود والنصارى الذين قال الله - تعالى - عنهم إنهم لن يرضوا عنا حتى نتبع

ملتهم، أو أنهم شديدو العدواة لنا، فلن أصدق إنكارهم لهذا؛ لأن هذه حالات قلبية

يمكن أن يكونوا فيها كاذبين. بل لا بد أن يكونوا كاذبين إذا كان حالهم الظاهري

يشبه حال الذين تحدث عنهم القرآن الكريم.

إذا أردنا أن نعامل غيرنا معاملة منصفة، والمعاملة المنصفة هي دائماً في

مصلحتنا، فلا بد لنا من معرفة مثل هذه الحقائق وتذكرها والالتزام بها في معاملتنا

لهم ولا سيما في القضايا الكبيرة مثل قضية فلسطين. إن بعض اليهود وإن كانوا

قلة هم معنا في عداوتهم للحركة الصهيونية، بل وفي إنكارهم لقيام دولة إسرائيل؛

فهل من الإنصاف لهم، وهل من مصلحتنا أن نقول لهم إننا لا نفرق بين يهودي

وصهيوني في حربهم لنا؟ إن من الأمريكان ومن الأوروبيين من يهودهم

ونصاراهم ومشركيهم من هم مع الحق الفلسطيني وضد الاعتداء الصهيوني، وهم

لا يستخفون باعتقادهم هذا بل يستعلنون به كلاماً وكتابة ومواقف عملية، أفليس من

حقهم علينا أن نشكرهم على هذا، بل ونكافئهم إن استطعنا؟ ثم أليس من مصلحتنا

أن تنشق صفوف المعتدين ويكثر عدد المنصفين؟ كيف إذا سمع أمثال هؤلاء أن

بعض المتدينين منا هم الذين لا يقدرون لهم هذا المعروف، وهم الذين لا يميزون

بين معتد ومنكر للاعتداء ومحايد لا هو معنا ولا ضدنا. أليس في هذا فتنة لهم؟ ما

هكذا كان يفعل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. ألم يقل يوم بدر عن أسارى

المشركين: (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له)

كان سيفعل هذا مكافأة له لأنه كما قال الحافظ ابن حجر: (كان من أشد من قام في

نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين

حصروهم في الشعب) [٣] .

إن الذي ينبغي أن نتذكره نحن المسلمين أن ديننا يخبرنا بأن كل إنسان يولد

حين يولد على الفطرة، وأن الشر الذي يتلبسه طارئ عليه. والشر الطارئ يختلف

قوة وضعفاً من إنسان لإنسان. وقل أن تجد إنساناً فقد كل الخير الذي فطره الله

عليه، فعاد لا يرى المعروف إلا منكراً والمنكر إلا معروفاً. كلاَّ؛ فعامة الناس

فيهم شيء من نبض الفطرة؛ ولذلك يسلم بعضهم حين تتبين له الحقيقة. ولذلك تجد

فيهم الكريم والمنصف والشجاع في قول الحق. فعلينا أن نستثمر هذه الصفات

الحسنة في الناس ونجازيهم عليها؛ فذلك خير لنا، وهو من سنة نبينا صلى الله

عليه وسلم.


(*) رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة.
(١) الجواب الصحيح، ج ٢، ص ٢٩٥.
(٢) تفسير الطبري.
(٣) الفتح، ج ٧، ص ٣٢٥.