للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[وما نرسل بالآيات إلا تخويفا]

مروان كُجُك

ذُهل العالم لهذا الزلزال الذي وقع في المحيط الهندي، وراح الجيولوجيون يفيضون في الحديث عن أسبابه وتفسيراته، ورسموا لنا خرائط المواقع الزلزالية في الكرة الأرضية، وشرحوا لنا كيف حدث الزلزال، ونقلت لنا الأخبار وما زالت وصفاً لما حدث وصوراً تبين لنا بعضاً من الأهوال التي أحاطت بالمنطقة الزلزالية وما جاوزها حتى شواطئ إفريقيا؛ ولكنهم لم يتفطّنوا أن يسألوا أنفسهم: لِمَ حدث ذلك؟

هذا الزلزال بلا شك كارثة تأثر بها العالم من شرقه إلى غربه، ومن جنوبه إلى شماله، تابعها العالم من خلال ما نقلته الإذاعات، وما بثته القنوات الفضائية من صور، وما أسمعتناه من صراخ وبكاء ونحيب، وما أرتناه من الأجساد الهامدة التي لم تحترق بنار، ولم تصعق بكهرباء، ولم تُقتل برصاص، ولم تتوقف قلوب أصحابها لانفجارات قطعت نياطها، وإنما هو الماء الذي لا حياة إلا به.

إن بديع الكون وصاحبه ـ جل جلاله ـ هو المتصرف فيه، ولا يمكن إلا لنواميسه وقوانينه وحده - سبحانه - أن تسيطر عليه وتحركه وتعمل فيه. إن الذي وضع الأرض للأنام هو المالك لها والمقدر لأقدارها، والعالِم بما ينهض بهذا الأنام أو يرديه، وبما يهلكه أو ينجيه؛ فإذا غفل العباد عن غاية الخلق نبههم، وجعل من بعض خلقه عبرة لبعض.

ومن رحمة الله بخلائف الأرض أنه ـ سبحانه ـ لا يدعهم في غمرة ساهين حتى يرسل إليهم بالآيات ليعودوا عن غفلتهم وغيهم وظلمهم؛ وما هذا الزلزال الرهيب إلا من تلك الآيات التي تترى بين صغير منها وكبير، ما يخص الفرد منها، أو الأسرة، أو الجماعة، أو الأمة، أو العالم بأسره مؤمنه وكافره؛ فرحمته وسعت كل شيء، ومن رحمته إرساله بهذه الكوارث التي تحرض العقلاء على الالتجاء إليه، والبعد عن معاصيه، وأنه لا أحد أكبر ولا أعظم منه، والله لا يريد ظلماً بالعباد، ولكنها رحمته ينبه بها خلقه ويستوفز بها وجدانهم، ويخوّفهم بقدرته ليخافوا يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، فلا يظلموا ولا يتجبروا، وليشفقوا من عذاب ربهم الذي ليس له من دافع. قال - سبحانه وتعالى -: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: ٥٩] .

لم تهتز الكرة الأرضية بمزاجية منها وإنما بوحي من الله وأمر؛ وذلك لا يتعارض مع الوصف العلمي إن كان صادقاً دقيقاً؛ فقوانين الكون المادية كلها من صنع الله وتقديره، تتضافر جميعاً لتأخذ بيد الإنسان وفكره نحو إحقاق عبوديته لله وحده التي فيها سعادة البشر كل البشر في الدنيا والآخرة. قال - تعالى -: {إذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: ١ - ٥] ليكون ذلك عبرة لمن يعتبر من الكبار والصغار، والضعفاء والبسطاء والعتاة والجبارين، والصالحين والأشقياء، وكل ذي نفس منفوسة. إنها آيات تذكِّر الذاهلين عن صاحب الملكوت، وتهزأ بكل جباري الأرض أن لا أحد أكبر من الله، ولا أقدر، ولا أبرم لأمر منه.


(*) مدير تحرير مجلة (آفاق ثقافية) .