للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[مسيرة تركيا إلى أوروبا]

بين المخاوف والآمال

إسماعيل ياشا

تشير استطلاعات الرأي إلى أن الأغلبية الساحقة من الشعب التركي (حوالي ٧٥%) تؤيد انضمام تركيا إلى الأسرة الأوروبية؛ لأسباب، من أهمها ـ بل وهو السبب الرئيس لهذا التأييد: الأمل بالحصول على الرفاهية، وفرص العمل والدراسة لهم ولأبنائهم. ويأتي بعد هذا السبب المشترك أسباب أخرى؛ كلٌّ له توجيهه الخاص؛ فالإسلاميون يعلِّقون آمالهم في عضوية تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؛ للتخلص من تسلط العلمانية الدكتاتورية التي عانوا ولا يزالون يعانون منها، والحصول على حرياتهم، وحقوقهم الدينية: كلبس الحجاب في المدارس. ورغم الشكوك التي تساور قلوبهم في تمسك الأوروبيين بمبادئهم في القضايا المتعلقة بحقوق المسلمين؛ بسبب ما رأوا فيهم من ازدواجية المعايير؛ إلا أن الكثيرين منهم يفضلون علمانية الدول الأوروبية على علمانية تركيا، مستدلين بأن لبس الحجاب في فرنسا محظور في المدارس الحكومية، ومسموح به في المدارس الأهلية والجامعات، بينما هو محظور في تركيا في المدارس الحكومية، والأهلية، والجامعات كلها.

لا شك أن اتحاد العالم الإسلامي على غرار الاتحاد الأوروبي بمشاركة تركيا، بل وبزعامتها: هو الخيار المفضل للإسلاميين الأتراك، ولكنهم يدركون أن الظروف المحيطة بالعالم الإسلامي تجعل هذا الخيار حلماً بعيداً؛ فبأي حكومة يمكن أن تؤسس اتحاداً إسلامياً: بحكومة أردوغان، أم بحكومة القذافي، أم بحكومة العلاوي، أو بحكومة مشرف؟

وقد بدأت مسيرة تركيا إلى أوروبا في ٣١/٧/١٩٥٩م بتقديم طلبها للشراكة في المجموعة الاقتصادية الأوروبية (١) ، وبعد مفاوضات بين الجانبين استمرت ٤ سنين تم توقيع (اتفاقية أنقرة) في ١٢/٩/١٩٦٣م، فقبلت تركيا البروتوكول التجاري للمجموعة، وفي ١٤/٤/١٩٨٧م تقدمت تركيا إلى المجموعة بطلب الحصول على عضوية كاملة. وفي (قمة كوبنهاغن) التي انعقدت في ١٢ ـ ١٣/١٢/٢٠٠٢م أكَّد الاتحاد الأوروبي أنه سيتخذ قرار بدء المفاوضات مع تركيا دون تأخير، إن حققت تركيا جميع الإصلاحات المطلوبة منها إلى (قمة بروكسل) ، أي إلى ديسمبر / كانون الأول ٢٠٠٤. وكثَّفت تركيا جهودها لإجراء هذه الإصلاحات، مع تشكيل حكومة حزب العدالة والتنمية، وبذلت الحكومة بقيادة (رجب طيب أردوغان) كل ما بوسعها لتمرير القوانين المطلوبة من البرلمان التركي، وتمهيد الطريق أمام بدء المفاوضات. هكذا جاءت تركيا إلى ١٧/١٢/٢٠٠٤م؛ حيث قرر قادة الدول الأعضاء في (قمة بروكسل) بدء المفاوضات مع تركيا في٣/١٠/٢٠٠٥م.

وهناك من يعتقد من الإسلاميين بأن الاتحاد الأوروبي يمارس مع تركيا سياسة المماطلة، وأنه لن يقبل عضويتها الكاملة أبداً، وفي الوقت نفسه لن يقول: إنه لا يقبلها، وسيفتح أبوابه لتركيا، ولكنه لن يسمح لها بالدخول. كما أن القوميين يشاركون الإسلاميين في هذا الاعتقاد، إضافة إلى شعور القوميين المتطرفين بأن الاتحاد الأوروبي يسعى لتفكيك وحدة تركيا بتشجيع الأكراد على الانفصال. ولكن الغريب في الأمر أن الانفصاليين من الأكراد يرون انضمام تركيا إلى الاتحاد، ومن ثم تحسن وضع الأكراد من الناحية الاقتصادية، وحصولهم على كافة حقوقهم الثقافية نهاية لحلم الانفصال؛ ولذلك هم يحاولون عرقلته. وأما الجبهة العلمانية فانشقت إلى قسمين في هذا الشأن، والأغلبية منها تؤيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي كغاية لمسيرة التغريب، والذين جعلوا الغرب قبلتهم يؤيدون هذا الانضمام بقوة، وكأنهم لا يرون لتركيا حياة خارج الاتحاد الأوروبي، وهناك من يعارض من العلمانيين انضمام تركيا إلى الاتحاد لخوفه من تفلّت زمام الأمور من أيدي العلمانيين؛ نتيجة للإصلاحات الديمقراطية التي يجبر عليها الاتحاد، وهؤلاء يفضلون تركيا المنغلقة على تركيا المنفتحة، حتى تستمر سيادة العلمانية الديكتاتورية ونفوذها. وأما الليبراليون، ودعاة الديمقراطية فإنهم يؤيدون الانضمام لتصل تركيا في ديمقراطيتها إلى مستوى ديمقراطية الدول الأوروبية، وقطع يد العسكر عن الميدان السياسي نهائياً.

وفي هذه النقطة ذاتها سؤال هام يطرح نفسه: «لماذا يسكت الجيش على انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؟» ويتشكل جواب هذا السؤال من احتمالات عديدة:

أولاً: إن الجيش التركي بصفته حامي الجمهورية التي أسسها (كمال أتاتورك) يرى - كأغلبية العلمانيين - أن انضمام تركيا إلى الأسرة الأوروبية فيه تحقيق لهدف رسمه (أتاتورك) لتركيا التي حوَّل وجهها من الشرق إلى الغرب؛ ولذا لا يمكن له أن يعارض هذا الهدف، وإن كان سيفقد في نهاية المطاف سيطرته على الحياة السياسية؛ ومع ذلك فإنه يسعى إلى حماية نفوذه بشكل أو آخر، حتى بعد انضمام تركيا إلى الاتحاد، ويبحث لها عن سبل.

ثانياً: إن الوضع الراهن في تركيا لا يسمح للجيش أن يعارض إرادة الشعب التركي الذي يؤيد هذا الانضمام بأغلبية ساحقة؛ حيث إن البلد لا يستطيع أن يتحمل أزمات سياسية تنعكس آثارها السلبية مباشرة على الاقتصاد الذي يحاول الخروج من الأزمة التي كانت السبب الرئيس؛ لإزالة معظم السياسيين القدامى من الساحة السياسية من قِبَل الناخبين الأتراك، ولعل الجيش يدرك تماماً أن معارضته لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، رغم تأييد واسع من الشعب التركي ستزيد في تآكل ثقة الشعب به؛ حيث تآكل جزء منها بسبب تأييده للحكومات الفاسدة.

ثالثاً: كانت التدخلات العسكرية بحجة وجود الخطر على النظام العلماني، ويعتقد العلمانيون المؤيدون لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أن هذا الخطر سوف يزول نهائياً بترسيخ معايير الاتحاد وثقافته، وأن الدول الأوروبية لن تسمح لخروج نظام تركيا عن مساره العلماني، كما لم تسمح للزعيم القومي النمساوي (يورغ هايدر) (١) وهكذا لن تبقى لحماية الجيش حاجة، وهكذا يجمعون بين موقفهم الإيجابي من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وتأييدهم للجيش.

رابعاً: وجود الجنرال (حلمي أوزكوك) في قيادة الجيش سهَّل الطريق أمام الحكومة التركية؛ لأنه يؤيد شخصياً هذا الانضمام، رغم وجود بعض الأصوات المعارضة في داخل الجيش، ويقال: إن السنوات التي قضاها الجنرال (أوزكوك) في بروكسل ضابطاً في مركز الناتو، واحتكاكه بالأوروبيين تركت بصماتها في آرائه.

خامساً: هناك سيناريو يدور حوله الحديث على الألسنة، ويقول: إن القوى العلمانية تسكت على جهود حكومة حزب العدالة، والتنمية سكوتاً مؤقتاً في سبيل انضمام تركيا إلى الاتحاد؛ لأنها بحاجة إليها في هذه الفترة لاستقرار البلد، كما أن التقدم في طريق الحصول على موعد بدء المفاوضات لم يكن ممكناً بدون تأييد الإسلاميين، وبمجرد الاستغناء عنها - إما قبيل بدء المفاوضات وإما بعده - سينتهي هذا السكوت، وتتحرك تلك القوى لإطاحة الحكومة، ولكن لن تكون هذه بتدخل عسكري، بل ستكون بالأساليب الأخرى التي لن تزعج الاتحاد الأوروبي.

وأما تحمّس حكومة حزب العدالة والتنمية لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي: فيرجع إلى اعتقاد قادة الحزب بأن واقع العالم، ومصالح البلد السياسية والاقتصادية ترجح كفة الانضمام، إضافة إلى رغبة الشارع التركي الذي صوَّت له في الانتخابات، ولا يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يتجاهل هذه الرغبة. ومع ذلك فإن تصريحات قادة الحزب ـ قبل (قمة بروكسل) ـ بأن الاتحاد الأوروبي ليس خياراً وحيداً لتركيا، وكذا تهديد (أردوغان) بترك القمة بلا تروٍّ، حينما طُلِب من تركيا الاعتراف بدولة القبارصة اليونانيين تدل على أنهم لا يلهثون وراء الأوروبيين، وأنهم ليسوا بمستعدين لتقديم جميع التنازلات لأجل الانضمام. فأما الإصلاحات التي طلبها الاتحاد الأوروبي من تركيا فهي في الأصل لصالح المواطن التركي، والمفاوضات مع الاتحاد تجري ما دامت هناك مصالح مشتركة.

إن (أردوغان) وأصدقاءه مدركون تماماً حاجة الاتحاد الأوروبي إلى تركيا، حتى يلعب دوراً فعَّالاً في الصراع العالمي، وينافس أمريكا والصين، فإنه سيمتد نفوذ الاتحاد الأوروبي بعضوية تركيا إلى أعماق آسيا، مستفيداً من علاقات تركيا مع الشعوب التركية الثقافية، كما ستقوى صلته بالعالم الإسلامي، وسيكون كعضو في منظمة مؤتمر الدول الإسلامية، وبالإضافة إلى هذه المكاسب الاستراتيجية للاتحاد فإن الفجوة بين اقتصاد الاتحاد واقتصاد أمريكا سوف تفتح لصالح الاتحاد في حالة انضمام تركيا. وعلى هذا لا يهم العثمانيين الجدد انضمامُ تركيا إلى الأسرة الأوروبية، ولهذا ترك الحكم النهائي في هذا الشأن إلى الشعوب الأوروبية التي لم تنسَ غزوات جيوش الدولة العثمانية، وحصارها لفيينا، وإنما يهمهم بالدرجة الأولى: «كيف تسترجع تركيا قوتها» ؟


(١) أسست كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ في ١٨/٤/١٩٥١م: مجموعة الفحم والصلب الأوروبية، في إطار مبادرة أطلقها رجل الدولة الفرنسي (روبير شومان) . وفي ٢٥/٤/١٩٥٧م وقعت الدول الست نفسها (معاهدة روما) التي تأسست بموجبها المجموعة الاقتصادية الأوروبية، ويتتابع انضمام دول أخرى مع مرور السنين تحولت هذه المجموعة إلى الاتحاد الأوروبي الحالي.
(١) حصل حزب الحرية النمساوي (FP) بزعامة (يورغ هايدر) على ٢٦.٩% من أصوات الناخبين في انتخابات ١٩٩٩م، ودخل البرلمان النمساوي كثاني حزب، كما شارك الحكم في في الحكومة الائتلافية، ولكن ضغوط الدول الأوروبية أجبرت زعيمه على الاستقالة من زعامة الحزب؛ بسبب تصريحاته القومية المتشددة.