للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وبعث إليه ملك الروم رسولاً، فلما شاهد الإيوان هاله، وتأمله وإذا فيه يسيرُ اعوجاج، فقال: يحتاج أن يكون مربعاً، فقيل له: هكذا بُني، وإن عجوزاً لها إلى جانبه بيتٌ، وقد أرغبها الملك بالأموال النفيسة لتعطيه البيت فيدخله في الإيوان، فامتنعت، وقالت: هكذا وجدتُه وورثتُه عن آبائي. فتركها ولم يعرض لها لئلا يشقَّ عليها. فقال الرومي: هذا الاعوجاجُ أحسن من الاستواء (١).

ويُروى أن العجوز قالت: أَرغَبْتَني في هذا الكوخ ما أشتري به المنازل العالية والقصور الشاهقة، ولكن قصدتُ شيئين؛ أحدهما: أن تبقى لك هذه المأثرة، ويتحدَّث بها الناس بعدك، والثاني: من أين لي جاز أجاوره مثلك، فلو أعطيتَني جميع ما تملك ما بعت به جوارك؟ فبكى الملك وقال: زِه، ولم يكن عنده أحظى منها.

وسابور بنى الإيوان، وزاد فيه أنوشروان.

وقال أنوشروان: صَلاحُ العمال باستقامة الوزراء، ورأسُ الكل تفقُّدُ الملكِ أمورَ رعيته، فإن صلاح الرعية أنصر من [كثرة] الجنود.

وقال: أيام السرور كلمح البصر، وأيام الحزن تكاد تكون أعواماً (٢).

قال علماء السير: فتح أنوشروان الشرق والشام والمغرب والروم، وبنى مدينة قريبة من المدائن وسماها: رومية، ونقل إليها من الشام الرخام والمرمر والفصوص، وحكم بلاد الهند والصين، وزوَّجه خاقان ابنته وابنة أخيه، وخضعت له ملوك الدنيا، وكاتبوه وكانوا على بابه، وقطع النهر، وقتل الاخشنوار ملك الهياطلة، وكان ملكاً عظيماً، وأوغل في الهند وتخوم الصين، فخافته ملوك المشرق.

وكتب إليه ملك الصين: من بود ملك الصين الذي له قصر الدرّ والجواهر واليواقيت، ويجري فيه نهران يسقيان شجر الكافور والعود، وتوجد رائحة قصره من مسيرة شهرين، ويخدمه ألف ملك، وفي مربطه ألف فيل بيض، إلى أخيه كسرى أنوشروان. وبعث مع الكتاب هدايا، من جُملتها فارش من دُرٍّ عيناه ياقوتتان، والفَرس


(١) مروج الذهب ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٢) مروج الذهب ٢/ ٢١٠ وما بين معكوفين منه.