للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فصل في ذكر الجنة وما لله سبحانه على عباده من خلقها من المنّة (١)

لا خلافَ بين العلماء أنَّها في السماء لقوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤، ١٥] ولأنَّها دار نَعيم، فتكون من جهة العلوِّ، بخلاف النار فإنها سجن، والسجن يكون في السفل.

وقالت المعتزلة والجهميَّة: إنَّ الجنة لم تخلق بعد، كما قالوا في النار، واحتجُّوا في الجنَّة بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] والجعل هو الخَلق، وإنما يخلقها يوم القيامة.

ولنا قوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والمعدُّ ما يكون موجودًا.

وما احتجوا به فليس المرادُ من الآية الخَلقَ في المستقبل بل في الماضي، أي: جَعَلَها، لئلا يقع التناقضُ بين الاثنين (٢).

وإذا ثبت أنها موجودة فأهلها يتنعَّمون فيها على الأبد كما في أهل النَّار، فإنهم يُعذَّبون فيها على الأبد.

وقال جهم بن صفوان: يبيدان ويفنيان لئلا يصير أهلهما شركاءَ لله تعالى.

ولنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)[الكهف: ١٠٧] في آيات كثيرة. وما ذكره فلا نسلِّم أنه يؤدِّي إلى المشاركة، لأنَّ الله تعالى واجب الوجود واجب البقاء مستحيل العدم، والعبد جائز الوجود جائز البقاء، فعدمت المشاركة.

وقد جاءت في فضائل الجنَّة أخبار وآثار منها:

قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه قال: قال رسول الله : "جِنَانُ الفردَوْسِ أربعٌ ثِنتانِ من ذَهبٍ حِليتُهما وآنيِتُهما وما فيهما، وثِنتانِ من فِضَّة حِليتُهما وآنِيتُهما وما فيهما، وليسَ بين القومِ وبينَ أنْ يَنظُرُوا إلى ربِّهم إلَّا رِداءُ الكِبرياءِ على وَجهِهِ في جنَّةِ عَدْنٍ" أخرجاه في الصحيحين (٣).


(١) انظر "كنز الدرر" ١/ ٧٣.
(٢) هم أصحاب جهم بن صفوان المتوفى سنة (١٢٨) هـ وسيذكر المصنف طرفًا من أخباره فيها.
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (١٩٧٣١)، والبخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠)، واللفظ لأحمد.