للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

من أهل بَهُرَسير، فخرج إلى سعدٍ فقال: ما الذي يَمنعكم من دخول بَهُرَسير؟ فواللَّه ما بقي فيها أحد، فقال له سعد: فما السببُ في كونهم هربوا؟ قال: لأن الملكَ لمَّا بعث إليكم في الصلح، أجبتموه بما أوجب ذلك، قال: فما الذي قُلنا؟ قال: قال إنسان منكم: لا صُلح بيننا وبينكم حتى نَأكلَ عسلَ أفريذين بأتْرُجِّ كُوثى، فقال الملك: إن الملائكة لتتكلَّم على ألسنتهم، فيقال إن أفريذين مدينة قاطع نهر جيحون (١).

ثم تَسوّر المسلمون الأسوار، ونزلوا وفتحوا الأبواب، ووجدوا فيها من الأموال والذخائر والأطعمة ما لا يُحصى، وكان دُخولُهم في الليلة العاشرة من صَفَر، فلما لاح لهم أبيضُ كسرى كبَّروا وقالوا: هذا ما وعدَ اللَّه ورسولُه، وأقاموا أيّامًا من صفر لا يقدرون على العُبور إلى المدينةِ الشرقية، وكانت الفُرس قد أخذت السفن والمعابر إلى ما يليهم، فكانت من البطائح إلى تكريت.

[حديث فتح مدينة كسرى]

قال هشام: وقال سعد: مَن يَدلُّنا على مَخاضة؟ فجاء قومٌ من النَّبط فدلُّوهم على مخائض، فتوقَّف سعدٌ في ذلك ورأى الإبقاء على المسلمين، فرأى سعدٌ في المنام أنّ خُيولَ المسلمين اقتحمت دجلة وعَبرتْ، فأصبح عازمًا على العُبور، فقال للناس: رأيتُ كذا وكذا وإني عازِمٌ على قطع هذا البحر، وجاءه علجٌ فقال: إنْ أقمتَ ثلاثًا ذهب يَزْدَجِرْدُ بكلِّ شيء في المدائن، فقوي عزمُه على العبور، وأصبح المدُّ في دجلة زائدًا على الحدِّ، فقال سعد: مَن يتقدَّم فيَحمي لنا الفِراضَ حتى يَتلاحقَ به النَّاسُ؛ لئلا يَمنعوهم من الخروج؟ فقال عاصم بن عمرو: أنا، وخاضَ أوَّلَ الناسِ، وانتدب معه ستّ مئةٍ من أهل النَّجدات، فجاؤوا إلى الفِراضِ، وعليها جماعة من الفُرس فقتلوهم وانهزم الباقون، فحينئذٍ قال سعد للناس: اقتحموا، فقدَّموا الرِّماك (٢)، ثم الفُحول بعدها، فيقال إن الخيل أحجَمت، فصاح سعد: إنْ كُنتِ خيلَ اللَّه فاعبُري، وإن كنتِ خيلَ سعد فلا تَعبُري، فاقتحمت الماء وإن دجلة ليَقذف بالزَّبَد من شِدَّة الزيادة، وجعل


(١) قوله: فيقال إن أفريدين مدينة قاطع نهر جيحون، ليس في (أ) و (خ)، ولم نتبينه.
(٢) جمع رَمَكة، وهي أنثى البراذين.