للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأخذوه وعادوا، وتفرقتِ الممالك بعده، وظهر التتر على الخطا بعد سنتين، وصار الخطا تبعًا لهم، وأخذوا البلاد.

نجاح بنُ عبد الله الشَّرابي (١)

نجم الدَّوْلة، مملوك الإِمام النّاصر.

كان جَوَادًا، سَمْحًا، عاقلًا، دَيِّنًا، كثيرَ الصَّدقات، حسنَ المحضر، مُحْسنًا إلى العالم، يحبُّ المساكين، ويعظِّمُ أهل الدِّين، ويأخذ للضَّعيف من القويِّ، وكان يسمَّى سَلْمان دار الخلافة، وكان ملازمًا للخليفة؛ لا يغيبُ عنه ساعةً واحدة، وكان أسمرَ اللون، جميلَ الصُّورة، فَحْلًا.

ولما توفي [في هذه السنة] (٢) أمر الخليفةُ أَنْ لا يتخلَّفَ عن جنازته لا وزير ولا غيره، وصلَّى الخليفةُ عليه تحت التَّاج، وحَزِنَ عليه حُزْنًا كثيرًا، وأُخرج تابوتُه من باب البَدْرية، ومشى العالم بين يديه إلى جامع القَصْر، وكان بين يدي جنازته مئةُ بقرة، وألفُ شاةٍ، ومئةُ قوصرة تمر، ومئة حَمَّال على رؤوسهم الخبز، وعشرون حَمَّالًا على رؤوسهم ماء الورد، ومماليكه قد جَزُّوا شعورهم، ولبسوا المسوح، والضَّجيج والبكاء قد ملأ بغداد، [ولم يُر في الإِسلام مثل ذلك اليوم] (٢) وعبروا به إلى تربة أم الخليفة بالجانب الغربي، فدفن بين يدي القُبَّة التي فيها أُمُّ الخليفة، وتصدَّق عنه الخليفة من مالِ نجاح بعشرة آلاف دينار على [المشاهد] (٢): مشهد علي ، ومشهد الحسين، ومشهد موسى بن جعفر، وبعث بمثلها إلى مكة والمدينة، وأعتق الخليفةُ مماليكه، وكانت له خمس مئة مجلَّدة، فأوقفها في تُرْبة أُمِّ الخليفة، وكتب عليها اسم الشرابي.

[ومن العجائب أنه توفي في هذه السنة من الملوك الأكابر: العادل والخوارزمي (٣) وصاحب الروم.


(١) له ترجمة في "الكامل": ١٢/ ٣٥٣، و"التكملة" للمنذري: ٢/ ٤٤٠ - ٤٤١، و"المذيل على الروضتين": ١/ ٣٠٩، وفيه تتمة مصادر ترجمته.
(٢) ما بين حاصرتين من (ش).
(٣) ذكرنا أن الخوارزمي توفي سنة (٦١٧ هـ) على الصحيح.