للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولم يعتد قواعدَ العراق، وخاف على نَفْسه أن يبدوَ منه ما لا يليق، فطلب الخروج إلى الشَّام، وكان قد حَسَدَه أربابُ الدَّولة على قُرْبه ومنزلته من الخليفة، فخاف من التحريف عليه، ولما سافر عن العراق جاء إلى حماة، فأقام بها، وولي القضاء، فعِيبَ عليه ذلك بعد قضاء بغداد، فقال: ما عُزِلْتُ عن قضاء بغداد، وحماةُ والشَّامُ والشَّرق والغرب في ولايتي، فإذ انظرتُ في بعض ولاياتي، فليس ذلك بعيب.

وكانت وفاته بحماة منتصف رجب، ودُفِنَ بها، ولما احْتُضِرَ جلس يسبِّحُ ويذكر الله تعالى، وتتفرقع أصابعُهُ حتَّى قضى، وكان فاضلًا، جَوَادًا، سخيًّا، لم يكن في أبناء جنسه أكرمَ منه، ومن شعره: [من البسيط]

في كلِّ يومٍ تُرى للبَيْنِ آثارُ … وما له في التئام الشَّمْل آثار

يَسْطُو علينا بتفريقٍ فواعجبا … هل كان للبَينِ فيما بيننا ثارُ

يهزُّني أبدًا من بَعْدِ بُعْدِهُمُ … إلى لقائهمُ وَجْدٌ وتَذْكارُ

ما ضَرَّهُمْ في الهوى لو واصَلُوا دَنِفًا … وما عليهمْ مِنَ الأوزار لو زاروا

يا نازلين حمى قلبي وإن بَعُدوا … ومُنْصِفينَ وإن صَدُّوا وإنْ جاروا

ما في فؤادي سواكُمْ فاعْطِفُوا وَصِلُوا … وما لكُمْ فيه إلا حُبُّكُمْ جارُ (١)

وكانت مدة ولايته القضاء ببغداد سنتين، وصُرِفَ في ذي الحجة سنة سبعٍ وتسعين.

محمد بن أحمد بن سعيد (٢)

أبو البركات، التَّكريتي، ويعرف بالمُؤَيَّد.

كان أديبًا فاضلًا، وكان الوجيه النَّحْوي قديمًا على مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، فآذاه الحنابلة، فتحنَّف، فآذاه الحنفية، فانتقل إلى مذهب الشَّافعي رحمة الله عليه، فجعلوه يدرِّسُ النحو في النِّظامية، فعمل المُؤَيَّد: [من الطويل]


(١) "الخريدة": ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٢) له ترجمة في "الاعتبار" لابن منقذ: ٩٤ - ٩٥، و"المحمّدون من الشعراء" للقِفطي: ٥٠ - ٥١، و"التكملة" للمنذري: ١/ ٤٥٤، و "المذيل على الروضتين": ١/ ١٣٥، و"وفيات الأعيان" ٤/ ١٥٣، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد: ٨١ - ٨٢، و"المختصر المحتاج إليه": ١/ ١٦، و"الوافي بالوفيات": ٢/ ١١٥ - ١١٦، و"البداية والنهاية" (وفيات سنة ٥٩٩ هـ)، و"شذرات الذهب": ٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨، وفيه وفاته سنة ٦٠٠ هـ.