للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فصل في ذِكر الأمم الماضية والقرون الخالية

الأوَّل: في ذِكر الهِندِ وأنبائها وبُدوِّ ممالكها وآرائها (١)

قال الجوهريُّ: هندٌ وسِندٌ: اسمُ بلادٍ، والنِّسبةُ إليها: هِنديٌّ وسِنديٌّ (٢).

وذكر العلماءُ بأخبار العالم أنَّ الهندَ في قديم الزَّمان كانت الفِرقةَ التي يُنسَبُ إليها الصَّلاحُ والحكمة والخَيْرُ، فاستَضْعَفَهمُ الناس لطيب بلادهم وسَعَتها، وكثرةِ المال فيها.

وكان عندهم حكيمٌ قد فاق أهل عصره، يقال له: البرهمن (٣)، من وَلَد إبراهيم على ما قيل، فنَصَّبوه ملِكًا لهم، وسمَّوه: السُّلطانَ الأعظم، والإمامَ المقدَّم -وبعضُهم يقول: هو آدم- وإليه تُنسب البراهمةُ، فقام بالأمر أحسنَ قيام، وقرَّب الحكماءَ والعلماءَ، وبنى الهياكلَ، والهيكل الأعظمَ، ورصَّعه بالجواهر المُشْرِقة، وصوَّر فيه الأفلاكَ والبروجَ الاثنَي عشر، والنُّجومَ الثابتةَ والسَّيَّارةَ، وبَيَّن في الصُّور كيفيَّة العالَم وتأثيراتِ النَّيِّرَيْنِ، وأشار إلى واجب الوجود، وقرَّر في أذهان الخواصِّ معرفته، وأن نُورَه فائضٌ على خَلْقه، وصنَّف كتابًا سماه: "سِند هِند"، وتفسيره: دهر الدُّهور، ومنه تَفرَّعت كتبُ الحِكْمِيَّات مثل: المِجِسْطِي (٤) ونحوه، وعمل الزِّيجات، واستخرج الحروفَ التِّسعَةَ المحيطةَ بالحساب الهندي، وهو أولُ مَن أحدَث القَولَ بالأكرار (٥) والأدوار، وأن الأعمار في أوّل البُدُوِّ تَطولُ لسَعَة الدائرة، وتَقصُر عند قِصَرِها.

وتكلَّم على سير الشَّمس وأَوْجِها، وأنها تقطعُ الفَلَكَ في ستة وثلاثين ألف سنة، وتُقيم في كل برجٍ ثلاثة آلاف سنة، ومتى انتقلتْ إلى البُروج الجنوبية صار العامرُ


(١) انظر تاريخ اليعقوبي ١/ ٨٤، والملل والنحل ٢/ ٢٥٠، والبدء والتاريخ للمقدسي ٤/ ٩، وتحقيق ما للهند من مقولة ٤٥٢ وما بعدها، ومروج الذهب ١/ ١٤٨ وما بعدها.
(٢) الصحاح (سند) (هند).
(٣) ضبطه الزبيدي في شرح القاموس (برن): بكسر الموحدة وفتح الراء وسكون الهاء وفتح الميم. وانظر تهذيب اللغة ٦/ ٥٣٧، والعين ٤/ ١٣٠.
(٤) بكسر الميم والجيم وتخفيف الياء، انظر كشف الظنون ٤/ ١٥٩٤.
(٥) في النسخ: بالأكوار، والمثبت من مروج الذهب ١/ ١٥٢، ١٥٣.