للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أخته فاطمة بنت الوليد -وكانت عند الحارث بن هشام- فقال: ما يَرضى في كذا وكذا، فقالت: واللَّه لا يُحبّك عمر أبدًا، وما يريد إلا أن تُكذب نفسَك فيعزلك، فقبّل رأسَها، وأرسل إلى أبي عبيدة وقال: لا أُكذب نفسي أبدًا، تعال فقاسمني مالي، فقاسمه حتى أخذ نَعْلًا وأعطاه نعلًا (١)، فتكلّم الناس في عمر وقالوا: هذه واللَّه العداوة، ولم يعجب الصحابة ما فعل بخالد، وقد روي أن خالدًا امتنع من ذلك، فقام إليه بلال بنُ حمامة المؤذن ليَعْقِلَه بعمامته، فقال له: إيهًا، ما تُريد؟ ونال منه، ثم قال لبلال: افعل ما تُريد، فيقال: إنه عَقَلَه بعمامته.

حديث المثنّى بن حارثة وأبي عبيد (٢) الثقفي

قد ذكرنا وصيّة أبي بكر لعمر أن يندب الناس مع المثنى، فندب عمر النّاس صبيحةَ البيعة بعد مافرغ من دفن أبي بكر، وكان المسلمون يكرهون قتال الفُرس لشدَّة بأسهم، فندب الناسَ ثلاثة أيام، فما انتدب له أحد، فقال: أيها الناس، إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النُّجعة، ولا يَقوى عليه أهلُه إلا بذلك، فسيروا في الأرض التي وعدكم اللَّه في كتابه أن يُورثكموها؛ فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، واللَّه مُظهر دينه، ومعزّ ناصره، ومموّل (٣) أهله مواريثَ الأمم.

وقام المثنى فقال: أيها الناس، لا يَعظمنّ عليكم قتالُ فارس، فإنا قد غلبناهم على السّواد، وقاسمناهم البلاد، وصغُر أمرُهم، وحقر شأنهم. ورغَّب الناسَ في الجهاد، فأولُ مَن انتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وقال: أنا أول مَن أجاب، ثم أجاب سعد ابن عُبيد الأنصاري، وسَليط بن قيس وسلمة بن أَسلم وكانا من أهل بدر، فقيل لعمر: أمِّر على الناس رجلًا من المهاجرين الأوَّلين أو من الأنصار، لا تُؤَمِّر عليهم رجلًا من ثَقيف، يعني أبا عبيد، فقال: لا واللَّه، إن اللَّه إنما أعزّ الإِسلام بمَن بادر إلى نُصرته، وسارع إلى قتال عدوِّه، وإذا كرهتم لقاءَ العدوّ فأولى بالتَّقدُّم والرياسة مَن أجاب.


(١) انظر تاريخ الطبري ٣/ ٤٣٧.
(٢) في (أ) و (خ): وأبي عبيدة، والمثبت من الاستيعاب (٣٠٤١)، الإصابة ٤/ ١٣٠، وانظر تاريخ الطبري ٣/ ٤٤٤، والمنتظم ٤/ ١٤٤.
(٣) في الطبري والمنتظم: ومولي.