للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لا أبتغي الشِّيحَ بالرَّيحان مغتَنمًا … ولا أحاول حَوْذانًا بنسرينِ (١)

ولا ألَذُّ برؤياهُ ويعجِبني … شَمُّ الخُزامى ولي نشْرُ الرَّياحينِ

ولا أهيمُ بربعٍ غابَ ساكِنُهُ … عنهُ وأصبحَ قفْرًا غيرَ مسكونِ

حسبي ببغدادَ دارًا والحريمِ حِمًى … من طارقاتِ صروفِ الدَّهرِ يكلوني

فالعيشُ غضٌّ به والأمنُ متصلٌ … بالعدلِ من شَرَفٍ الدُّنيا مع الدِّينِ

مُجرَّبُ الرأي يقظانُ البصيرةِ هجَّـ … ـامُ العزيمةِ قوَّامُ البراهينِ

يُريكَ في الدَّستِ إطراقًا وهيبتُهُ … من الصعيدِ إلى أقطار جَيحونِ

للحمدِ سوقٌ لديهِ غيرُ كاسدةٍ … وللمدائحِ أجرٌ غيرُ ممنونِ

فلو رآه ابنُ يحيى وابنُ ذي يَزَنٍ … لَعوَّذاه بآياتِ الطَّواسينِ

ثم آل أمرُه إلى أن حبسه الخليفة في داره، وأُخرج ميتًا في شوال، فحُمِلَ إلى داره، فغُسِّل فيها، ودُفن بالربة التي استجدَّها في قراح بن رزين، ومع ما رأى من الأموال والجواهر التي لم يرَها غيرُه مات مديونًا، فمنع أصحابُ الديون من دفنه في تربته، وقالوا: هذه ملكه، ولم يصحَّ وقفُها. ثم عجزوا عن إبطال الوقف، فسكتوا.

وقال أبو يعلى بن القلانسي: في سنة أربع وتسعين تقدَّم المستظهر بالقبض على عميد الدولة وعلى نوَّابه ومصادرتهم وقتلهم لأشياء نقمها عليه، ومنكراتٍ عُزِيَتْ إليه.

يحيى بن عيسى بن جَزلة (٢)

أبو علي، المتطبِّب، صاحب "المنهاج"، كان نصرانيًّا، يقرأ على أبي علي بن الوليد المعتزلي، فلم يزَلْ يدعوه إلى الإسلام ويذكر له الدلائل الواضحة حتَّى أسلم، واستخدمه أبو الحسن قاضي القضاة في كَتْبِ السجِلَّات، وكان يَطُبُّ أهل محلَّته ومعارفه بغير أجرة، ويحمل إليهم الأشربة والأدوية بغير عِوَض، ويتفقَّد الفقراء ويُحسِن إليهم، ووقف كتبه قبل وفاته، وجعلها في مشهد أبي حنيفة وأرضاه.


(١) الحَوْذان: نبت نوره أصفر رائحته طيبه، والنسرين: ضربٌ من الرياحين. اللسان (حوذ) و (نسر).
(٢) المنتظم ١٧/ ٦١، والكامل ١٠/ ٣٠٢.