للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وسئل أن يدعو فقال: أخشى أن يقال لي: إن سألتَنا ما ليس لك عندنا فقد أَسَأتَ الثَّناء علينا، وإن سألتَنا ما لك عندنا فقد اتَّهَمْتَنا.

وأنشد: [من الطويل]

ذَرِيني تَجِئْني مِيتَتي مُطمئنَّةً … ولم أتَجَشَّم هَوْلَ تلك المَوارِدِ

فإنَّ عُلَيَّات الأمور مَنُوطَةٌ … بمُسْتَودَعاتٍ في بُطون الأساودِ (١)

وقال: مَن أراد مَسْلَك السَّلامة فلْيَتَباعَد عن مَوارِد الأهوال.

وخرج يومًا إلى الجمعة فانْقَطَع شِسْعُ نَعْله، فعاد إلى بيته واغتسل غُسل الجمعة، ولم يكن اغتسل قبل الخروج وقال: إنَّما انقطع شِسْعُ نعلي لأنِّي ما اغتسلتُ.

مُؤنِس الخادم مولى المُعْتَضد

كان شُجاعًا فاتكًا، ولم يَحضُر بيعةَ المقتدر، كان المعتضد قد تَخَيَّل منه، فأبعده إلى مكة، فلمَّا بويع المقتدر أحضره وفوَّض إليه الأمور، وكان هذا أولَ ما نَقضَ المقتدرُ من قواعد أبيه، فأثمرت مخالفتُه أنَّ مؤنسًا استَدَلَّ عليه وقتله، وكان عزمُه أن يقتلَ القاهر؛ فإنَّه بعث إليه يقول: قد ظَفِرنا بخُوارِزم، والمَصْلَحة أن تَحْضُرَ لترى فيها رأيك (٢)، فاغترَّ ولم يظنَّ أنَّ القاهر يُقدِم على قتله، فجاء إلى دار الخلافة وقد ضرب له القاهر في الدَّهاليز أقوامًا، فعدلوا به إلى بعض الحُجَريّة وقتلوه، وعاش تسعين سنةً؛ منها ستون أميرًا مُطاعًا يَنفُذ أمره كما ينفذ أمر الله إلى أن قُتل.


(١) ورد هذان البيتان في طبقات الصوفية ٣٠٥، ومناقب الأبرار ١/ ٤٩٧ بعد القول الآتي.
وهما للعَتَّابي كلثوم بن عمرو في الأغاني ١٣/ ١٢٣، والعقد الفريد ٣/ ٢٠٨ وغيرهما كثير.
(٢) كذا وردت هذه العبارة في (خ)، ولم أتبين المراد منها، وقد سلف في أول السنة أن مؤنسًا وبليقًا وابنه عليًّا والوزير ابن مقلة عزموا على الفتك بالقاهر، فكشف أمرهم، وقبض القاهر على بليق وابنه، وهرب ابن مقلة، ثم أرسل إلى مؤنس ليرى رأيه، فاعتذر مؤنس بثقل حركته، فلم يزل به حتى استقدمه إلى دار الخلافة، ثم ذبحه كما سلف.
وانظر في ترجمة مؤنس: تاريخ دمشق ١٧/ ٤٣٣، والسير ١٥/ ٥٦، وتاريخ الإِسلام ٧/ ٤٥١.