للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كان العشاء أرادَ محمدٌ الركوبَ إلى منزل سوَّار، وجاءته الرسلُ تخبره بذلك، فقال: بل أنا أولَى بالركوب إليه، فركب، فتلقَّاه محمد، وقال: كنت على المجيء إليك يا أبا عبد الله، فقال: ما كنتُ لأجشم الأميرَ ذلك، فقال: بلغني ما صنعَ هذا الجاهل حمَّاد، فإن رأيتَ أن تهب لي ذنبَه، فقال: إنْ ردَّ الرجلَ إلى الحبس، قال: نعم بالصغر والذل، فردَّه إلى الحبس، وأخرج حماد.

وكتبَ بذلك صاحبُ الخبر إلى الرشيد، فكتب إلى سوَّار يجزيه خيرًا ويحمدُه على ما فعل، وكتب إلى محمد كتابًا غليظًا يذكر فيه حماد، ويقول: الرافضيُّ ابن الرافضيّ، والله لولا أنَّ الوعيد أمامَ العقوبة ما أدَّبتُه إلَّا بالسيف؛ ليكون عظةً لغيره، ونكالًا على مَنْ يعتاب (١) على قاضي المسلمين في رأيه، ويركب هواهُ لموضعِه منك، ويعترضُ في الأحكام استهانةً بأمر الله تعالى وإقدامًا على أمير المؤمنين، وما ذاك إلَّا بك وبما أرخيتَ من رسنه، وبالله إن عاد إلى مثلها ليجدنِّي أغضبُ لدين الله وأنتقمُ لأوليائه من أعدائه.

وكانت وفاةُ سوَّار في شوَّال بعد أن كُفَّ بصرُه.

حدَّثَ عن عبد الرحمن بن مَهْدِي وغيره، ورَوى عنه عبدُ الله ابن الإمام أحمد وغيره، وكان صدوقًا ثقةً (٢).

[عبد الرحمن بن إبراهيم]

ابن عَمرو بن ميمون، أبو سعيد القُرَشيّ مولاهم، ويعرف بالقاضي دُحَيم.

ولد في شوَّال سنة سبعين ومئة، وولي القضاءَ بدمشق وطَبَرِيّة والرَّمْلَة، وكان ينتحلُ مذهب الأوزاعيِّ في الفقه، ومات بالرملة يوم الأحد لثلاث عشرة بقين من رمضان (٣).

سمع سفيانَ بن عُيينة وخلقًا كثيرًا غيره، وروى عنه الإمامُ أحمد رحمة الله عليه - وهو أكبر منه - والبخاريُّ وغيرهما. واتَّفقوا على صدقِه وورعِه وأمانته، حتى قال الإمام


(١) كذا في (خ) و (ف). وفي أخبار القضاة والمنتظم: ليكون عظة لغيره ونكالًا، يفتات على …
(٢) انظر ترجمة سوَّار أيضًا في تهذيب الكمال ١٢/ ٢٣٨ - ٢٤٠، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٥٤٣ - ٥٤٥.
(٣) في تاريخ دمشق ٩/ ٨٤٩ (مخطوط): لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.