للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وسار المعظم تورانشاه إلى مصر بعد أن أقام بدمشق سبعة وعشرين يومًا، وقيل: دخلها في العشرين من رمضان، وخرج منها في سابع عشر شوال إلا أنه ما وصل إلى مصر إلا في آخر السنة، فكان في عزمه الفتك بابن الشيخ لأنه بلغه أنه يريد الملك، والناس كلهم يريدونه، فاستشهد واستراح، رحمة الله تعالى عليه] (١).

وفيها توفي

الملك الصَّالح، نجم الدين أيوب بن الكامل محمد (٢)

ولد سنة ثلاثٍ وستِّ مئة بالقاهرة، ونشأ بها، ولقبه نجم الدين، واستخلفه أبوه بها لما نزل إلى الشَّرْق، فأقام مع صواب لا أَمْرَ له ولا نهي، ثم أعطاه حِصْن كيفا، وجرى له ما ذكرناه.

ولما ملك مِصْر اجتهد في خلاص ولده المغيث، فلم يقدر، وكان مهيبًا هيبةً عظيمة، جَبَّارًا، أباد الأشرفية وغيرهم، [(٣) وقد حكى لي جماعة من أمرائه قالوا]: والله ما نقعد على بابه إلا ونقول: مِنْ ها هنا نحمل إلى الجباب. وكان إذا حَبَسَ إنسانًا نسيه، ولا يتجاسر أحدٌ أن يخاطبه فيه، [وبنى قبابًا في تِنِّيس للحبس] (١)، وكان يحلف أنه ما قَتَلَ نَفْسًا بغير حقٍّ، وهذه مكابرةٌ ظاهرة، فإنَّ خواصَّ أصحابه حكوا أنه لا يمكن إحصاء من قتل من الأشرفية وغيرهم، ولو لم يكن إلا قتل أخيه العادل، وكانت أم خليل عتيقته تكتب خطًّا يشبه خَطَّه، فكانت تعلِّم على التَّواقيع، وكان قد نَسَرَ مخرجه، وامتدَّ إلى فخذه اليمنى ورِجْله، ونحل جسمه، وعملت له مِحَفَّة يركب فيها، وكان يتجلَّد، ولا يطلع أحدًا على حاله، ثم حمل تابوته إلى الجزيرة، فعُلِّق بسلاسل حتى قُبِرَ في تُرْبته إلى جانب مدرسته بالقاهرة، وكان فخر الدين قد أشار بتحليف العساكر للمعظَّم تورانشاه، فحلفوا له، وأخفوا موتَ السُّلْطان مُدَّة، وكانت الأمور على حالها، وأطلق فخر الدين السُّكَّر والكتان إلى الشَّام، وقد ذكرنا واقعاته في السنين إلى أن توفي ليلة النِّصْف من شعبان.


(١) ما بين حاصرتين من (ش).
(٢) له ترجمة في "المذيل على الروضتين": ٢/ ٩٢، وفيه تتمة مصادر ترجمته. و"سير أعلام النبلاء": ٢٣/ ١٨٧ - ١٩٣.
(٣) في (ت): وقال جماعة من أمرائه، والمثيت ما بين حاصرتين من (ش).