للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

السنة الثامنة والستون بعد المئتين (١)

فيها في المحرَّم استأمن إلى الموفَّق جعفر بن إبراهيم، ويعرف بالسَّجَّان، صاحبُ الخبيث، وكان صاحبَ أسراره، قد اطَّلع على أحواله، وهو أحدُ ثِقاته، فلمَّا استأمن إلى الموفَّق خلع عَليه ووَصَله، وأعطاه مالًا كثيرًا، وأمر بحمله في سفينة إلى قريب مدينة الخبيث، فلمَّا حاذى قصرَ الخبيث صاح بهم: وَيْحكم إلى متى تصبرون على الخبيث الكذَّاب، وأخبرهم بما وقف عليه من كَذِبه وفُجوره، وأنَّهم في غُرور منه، فاستأمن في ذلك اليوم إلى الموفَّق خلقٌ كثير من قوَّاد الزَّنج، وأحسن إليهم، وتتابع النَّاس في الخروج من عند الخبيث.

وفي ربيع الأوَّل زُلْزِلت بغداد زلزلةً هائلة، وجاء بعدها مطرٌ شديد وصواعقُ، فخاف النَّاس.

وفي ربيع الآخر عبر الموفَّق إلى مدينة الخبيث بعد أن ضيَّق عليه ومنعه المِيرة، فزحف إليها، وهدم من السُّور أماكنَ كثيرة، ودخل أصحابُه من كلِّ ناحية واغترُّوا، فخرج عليهم أصحابُ الخبيث من مواضعَ كانوا قد كَمَنوا فيها، فتحيَّروا في الخروج، وبعضُهم قصد الشَّطَّ فغرق، وأصابوا من أصحاب الموفَّق أسلحة وأسلابًا (٢)، وثبت جماعةٌ من غلمان الموفَّق ومن الدَّيلم نحوًا من ثلاثين فقُتلوا، ورجع الموفَّق فعبر إلى المدينة الموفَّقيَّة، وكان قد أمر أصحابه بأن يَنْقُبوا السُّورَ لا غير، ولا يدخلوا المدينة، فخالفوه، فجرى ما جرى، فلمَّا عبر إلى الموفَّقية جَمَعَ الناسَ، وعَذَلهم على ما كان من مُخالفته، والالتفات (٣) عليه في رأيه، وتوعَّدهم بالعقوبة إن عادوا إلى الخلاف، وأمر بتسمية مَن قُتل، فانتسبوا أسماءهم، فأقرَّ ما كان جاريًا لهم على أولادهم وأهاليهم، فحَسُن موضعُ ذلك، ومالت قلوب النَّاس، ومنع المِيرة عن الخبيث، وضاق بهم الأمر حتَّى أكلوا لحوم الكلاب، ونبشوا الموتى من القبور فأكلوا لحومَهم، واستأمن منهم


(١) جاءت هذه السنة مختصرة في (ب).
(٢) في (خ) و (ف): أسبابًا، والمثبت من "تاريخ الطبري" ٩/ ٦٠٣.
(٣) في "تاريخ الطبري" ٩/ ٦٠٣: والافتيات.