للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قلت: وما حقُّك؟ فقال: أنا غلام على مذهب الخليل ، لا أتغدَّى ولا أتعشَّى كلَّ يوم حتى أسيرَ الميلَ والميلين في طلب الضَّيف، فسرتُ معه حتَّى قربنا من خيمة شَعَر، فصاح: يا أُختاه، فأجابته جاريةٌ من الخيمة: يا لَبَّيْكاه، فقال: قومي إلى ضيفنا، فقالت: حتَّى أبدأَ بشكر المولى الذي سبَّبَ لنا هذا الضَّيف، فقامت فصلَّت ركعتين، ثمَّ أخذ الغلامُ شَفرةً، ومال إلى عَناقٍ فذبحها، وأدخلني الخيمة، وقامت أختُه لتُصلحَ العَناق، فنظرتُ إلى أحسن الناس وجهًا، فجعلتُ أُسارقُها النَّظر، ففطنت لبعض لَحظاتي إليها، فقالت: مه، أما علمتَ أنَّ ساكنَ يثرب قال: "زنى العيون النظر" (١)، [وفي رواية: أما علمت أنَّه قد نُقل إلينا عن صاحب يثرب … وذكرته،] ثمَّ قالت: أما إنِّي ما قصدتُ توبيخَكَ، ولكن أردتُ أن أؤدِّبك لكي لا تعود إلى مثلها.

فلمَّا جاء اللَّيل خرجت أنا والغلام فبِتنا خارجَ الخيمة، وباتت الجارية في الخيمة، فكنتُ أسمع دَويَّ القرآن اللَّيلَ كلَّه من الخيمة بأحسن صوتٍ وأرقِّه، فلمَّا أصبحتُ سألتُ الغلام عن ذلك الصَّوت فقال: هي أختي؛ تحيي الليلَ كلَّه إلى الصَّباح، فقلت: فأنت يا غلام أحقُّ (٢) بهذا العمل منها! فتبسَّم وقال: أما علمتَ أنَّه موفَّقٌ ومَخذول.

* * *


(١) أخرجه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧)، وهو عند أحمد (٧٧١٩) من حديث ابن عباس عن أبي هريرة ، بلفظ: "العَين" وهو في مسند الشهاب (٦٦) كما أورده المصنف.
(٢) في (خ) و (ف): فأنا أحق … ، والمثبت من (ب)، وهو الموافق لما في "المنتظم" ١٢/ ٢١٨.