للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأرسل إليه ليأتِك، ثم وَطِّن له الرجال على طريقه؛ يُخبرونه بأن عليًّا قتل عثمان، فإن عَلِقت هذه الكلمةُ بقلبه لم يُخرجها شيءٌ أبدًا، فأقام له على طريقه يزيد بن أسد، وسفيان بن عمرو، ومُخارق بن الحارث وغيرهم، فوَطَّنهم على ذلك.

وقدم شُرحبيل، فأمر معاوية أشرافَ أهل الشام باستقباله، وأوصى كلَّ واحدٍ إذا خلا به ألقى في سمعه تلك الكلمة، فلما دخل على معاوية مغضبًا قال له: ألا إن ابنَ أبي طالب قتل عثمان، ووالله لئن بايعتَه لنُخرجَنّك من الشام، فقال معاوية: إنما أنا واحدٌ منكم، والأمرُ أمرُكم، قال: فاردُدْ هذا الرجلَ إلى صاحبه -يعني جريرًا- فقال له معاوية: إن هذا الأمر لا يَصحّ حتى تَمشي في مدائن الشام مدينة بعد مدينة وتقول: إن عليًّا قتل عثمان، فغضب له طلحة والزبير، فسار علي خلفَهم فقتلَهم، وغلب على أرضهم، ولم يبق إلا هذه البلاد، وهو واضعٌ سيفَه على عاتقِه، ولابد له منكم.

وكان شرحبيل مُطاعًا في الشام عظيمًا، أعظم من معاوية ففعل ذلك، فأجابه الناس إلا نفرًا من أهل حمص نُسَّاكًا؛ فإنهم لزموا بيوتَهم ومساجدهم وقالوا: أنتم أعلم.

فلما ذاق معاوية أهلَ الشام، وعرف أنه قد وَقَر في قلوبهم ما وَقَر قال لجرير: الحق بصاحبك، وأخبِرْه أني وأهل الشام لا نُبايعه أبدًا. ولهذا ضبط جريرًا ثلاثةَ أشهر.

ذكر مسير أمير المؤمنين إلى صِفِّين

قد ذكرنا أنه كان نازلًا بالنُّخيلة، وأنه جهَّز جريرًا بكتابه إلى معاوية، وعَوده بالجواب.

وقال أبو اليقظان: لما قدم جرير على معاوية قال: وافَقْتُه على المنبر قد عَلَّق عليه قميصَ عُثمان وهو يَندُبُه، وأهلُ الشام يَبكون حولَه، قال: وكان قد رافَقَني في طريقي رجلٌ لا أعرفه، يَسير لمسيري ويُقيم لمقامي ولا أشعرُ به، فلما قَدِمنا إلى دمشق تَقدَّم إلى معاوية وقال له: [من الرجز]

إن بني عمِّك عبدِ المطَّلِبْ

قد استحلُّوا شيخَنا غيرَ كَذِبْ

وأنت أَوْلى الناس بالوَثْبِ فثِبْ