للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ماله وتزهَّد، وكان كثيرَ البكاءِ والحؤن.

[وقال الخطيب:] (١) سبب تزهُّده وتخلِّيه عن الدنيا: أنّه نام يومًا عن صلاة الظُّهر، وكانت له جاريةٌ صالحة، فعَمَدت إلى جَمْرةٍ من نارٍ فوضعتها على قدمه، فانتبه فَزِعًا وقال: ما هذا؟! فقالت: هذه نارُ الدنيا، فكيف بنار الآخرة! فقام ودخل على هارونَ فاستعفاه، فأعفاه.

[وروى ابنُ أبي الدنيا عن محمَّد بن إدريسَ، عن عبد الله بن السَّري، عن] سلامةَ (٢) قال: [قال] عبدُ الله في مرضه الذي مات فيه: يا سلامة، إنَّ لي إليك حاجة، قلت: وما هي؟ قال: تحملني فتطرحني على تلك المَزْبَلة، لعلي أموت عليها فيرى ذلِّي ومكاني فيرحمني. فلم أفعل. وكانت وفاتُه ببغداد [في هذه السَّنة].

عبدُ الملك بنُ صالح

ابنِ عليِّ بن عبد الله بنِ عباس، أبو عبد الرَّحمن الهاشمي (٣).

كان شريفًا في بني هاشم، رئيسًا نبيلًا، وأمُّه أمُّ ولد لمروانَ بنِ محمَّد، فتَسَرَّاها صالحُ أبوه، فحملت به، ويقال: إنَّها حملت بعبد الملكِ من مروان؛ ولهذا قال له الوشيدُ لمَّا نقم عليه: ما أنت لصالح، قال: فلمن أنا؟ قال: لمروان، قال: ما أبالي أيّ الفحلَين غلب عليّ.

وولَّاه هارونُ دمشقَ سنة سبعٍ وسبعين، ولما ودَّعه قال له هارون: هل من حاجة؟ قال: نعم، بيني وبينك بيتُ ابن الدَّثِنَة (٤) حيث يقول: [من الطويل]

فكوني على الواشين لدَّاءَ شَغْبةً … كما أنا للواشي ألدُّ شَغوبُ

فنُقل إلى هارونَ أنَّه يُطمع نفسَه في الخلافة، فعزله عن دمشقَ في سنة ثمانٍ وسبعين، فكانت إقامتُه عليها أقلَّ من سنة، ثم أَقدمه بغداد، وكان قد كتَب إلى هارونَ


(١) ما بين حاصرتين من (ب)، ولم نقف على كلام الخطيب، والقصة في الوافي بالوفيات ١٧/ ٦٠١.
(٢) في (خ): وقال سلامة، والخبر في المنتظم ١٠/ ٣٢ - ٣٣.
(٣) تاريخ دمشق ٤٣/ ١٥٣، وتاريخ الإِسلام ٤/ ١١٥٩، والسير ٩/ ٢٢١. وهذه الترجمة ليست في (ب).
(٤) في (خ): ابن الدنية، والمثبت من تاريخ دمشق ٤٣/ ١٥٥، والبيت في قصيدة ابن الدمينة الطويلة، انظر ديوانه ١١٢.