للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[السنة السابعة والثلاثون بعد المئة]

فيها قدم أبو جعفر الكوفة، وتأخَّر أبو مسلم بعده بأيام، وقيل: بل قدم الأنبار.

قال الهيثم: لما تُوفي أبو العباس كان أبو جعفر بذات عِرْق، وأبو مسلم بين يديه بمرحلة، فكتب إليه أبو جعفر: قد حدث أمرٌ ولا بدّ من اجتماعي بك فيه، فلم يرجع، وكتب إليه كتابًا بدأ فيه بنفسه، فاستشاط غضبًا، وقال: أنا بريءٌ من العباس إن لم أقتل ابنَ وشيكة، فقال له عُتبة بنُ عبد الرحمن الثعلبي (١): اُذكر قول القَطاميّ: [من البسيط]

قد يُدرك المتأنِّي بعضَ حاجته … وقد يكون مع المستعجِل الزَّللُ (٢)

فأمسك عن قتله، وكان أبو مسلم لا يخالطُه خوفًا منه.

وقال المدائنيّ: كتب عيسى بن موسى إلى أبي جعفر بالبيعة مع محمَّد بن الحُصَين، فلقيه أبو مسلم قبل أبي جعفر، فأخذ منه الكتاب وقرأه، وأمسَكَه عنده يومين، ثم كتب إلى أبي جعفر: من عبد الرحمن أبي مسلم إلى أبي جعفر بن محمَّد، عافاك الله وأمتَعَ بك، أتاني أمرٌ أفظعني، وبلغ منِّي كلَّ مبلغ، وهو وفاة أمير المؤمثين، فرحمه الله وغفر له، وأسألُه أن يُعظِمَ أجرَكَ فيه، ويُحسن الخلافةَ عليك، وإنه ليس أحدٌ من أهلك أشدَّ تعظيمًا لحقِّك، وأصفى نصيحةً لك منِّي، ولك عندي كلّ ما يسرُّك. ولم يُسلِّم عليه فيه بالخلافة؛ لأنه قصدَ أن يُرعبه (٣).

فكتب إليه أبو جعفر: من عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي مسلم، أما بعدُ فقد أتاني كتابُك، وهو كتابُ غيرِ موفّقٍ لرشد، ولا مسدَّد لصواب، ولكن ذكرتُ ما تقدَّم من طاعتك، فعطَفَني ذلك عليك، وقد ولَّيتُك مقدّمتي، فسِرْ حتى تُوافي الأنبار، ومن أنكرتَ منه شيئًا فاصرفْه، فسبق أبا جعفر إلى الأنبار، واجتمع بعيسى بن موسى،


(١) كذا في (د) و (خ)، وفي أنساب الأشراف ٣/ ٢٠٠ أن المنصور أرسل الكتاب مع عطية بن عبد الرحمن التغلبي، وأن الذي ذكره قول القطامي هو يزيد بن أسيد.
(٢) البيت في ديوانه ص ٢٥.
(٣) انظر أنساب الأشراف ٣/ ٢١١.