للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

طُغْتِكِين بن عبد الله (١)

أبو منصور ظهير الدين أتابك صاحب الشَّام، مملوك تاج الدَّوْلة تُتُش.

كان مقدَّمًا عنده، زَوَّجه أُمَّ ابنه دُقاق، ونَصَّ عليه في أتابكية دُقاق، وقد ذكرنا وقائعه، وكان شجاعًا، شَهْمًا، عادلًا، ولما احتُضِرَ أوصى إلى ولده تاج الملوك بوري بحُسْنِ الطَّريقة، والتزام العَدْل، وإقامة منار الإِسلام، والجهاد والإحسان إلى الرَّعية، ومراجعة العلماء وأرباب الخبرة فيما يتجدَّد.

وتوفي يوم السبت ثامن صفر، ودُفِنَ في تربته التي بناها قِبْلي دمشق عند المسجد الجديد، وهي قائمة إلى هلمَّ جرا، وحَزِنَ أهلُ دمشق عليه، وعُمِلَ المأتم له في كل مَحَلَّة وسوق، لأنه كان حَسَنَ السيرة، ظاهر العَدْل، كثيرَ الإحسان، مُدَبِّرًا للممالك، فَحَسُنَتْ آثاره، وعُمِرَتْ البلاد في أيامه، وأقام حاكمًا على الشَّام خمسًا وثلاثين سنة.

وجَلَسَ بُوري مكانه، فسار سيرته مُدَّة، وأَقَرَّ الولاة على حالهم، ثم تغيَّرَتْ نِيَّتُه وأظهر (٢) السُّوء لأصحابِ أَبيه، والظُّلْم للرَّعية، وقَبَضَ على خواصِّ أَبيه واحدًا بعد واحد، فاسترابوا به، ونَفَرَتِ القلوبُ منه، وتمكَّن وزيره المَزْدَقاني من أهل دمشق، وصادَقَ الباطنية، واستعان بهم.

وقال ابنُ القلانسي: مَرِض طُغتِكين مَرَضًا أنهك قُوَّته، وأَنْحَلَ جسمه، [وأضعف مُنَّته] (٣)، فأحضر ولده بُوري، وأمراءَ دولته وخواصَّه، ونَصَّ على بوري، ووَصَّاه، وذكر بمعنى ما تقدم.

قال: فَعَدَل ولده في الرعية [وعمَّ إحسانُه جميعَ البرية] (٣)، وكان بظاهر دمشق أماكن داثرة، [ومواضع غامرة] (٤) فلما قَصَدَ طُغْتِكِين بغداد، كتب إلى المسترشد يستأذنه في بيعها ليصرف ثمنها في الأجناد [والمريدين الجهاد] (٣)، فأَذِنَ له في ذلك، ووقَّع بخطِّه إذْنًا مُؤَبَّدًا، فَعَمَرتْ ضياع كانت خالية، وعلى عروشها خاوية، وظهرت


(١) سلفت أخباره مفرقة على السنين، وله ترجمة في "سير أعلام النبلاء": ١٩/ ٥١٩ - ٥٢١، وفيه مصادر ترجمته.
(٢) في (م) و (ش): وأضمر.
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و (ش).
(٤) الغامر من الأرض والدور: الخراب، "معجم متن اللغة": ٤/ ٣٢٣.