للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وخرج حاجًّا، ولم يرجع إلى البصرة خوفًا من القضاء، وأقام بالمدينة، فأعفاه هارون، فأقام بالمدينة حتى توفي بها.

وخاصمه بعض القُرشيِّين، وتَسرَّع إليه القُرَشيّ، فقال له عمر: على رِسْلك، فإنك سريع الإنفاذ، وَشيكُ الصّرمة، وإني والله ما أنا بمُكافيك دون أن أبلُغَ غاية التِّعدّي، وأبلُغَ غاية الإعذار (١).

المغيرة بن المُهَلَّب

ابن أبي صُفْرة: ظالم بن سَرَّاق، وكنيته أبو خِداش، كان خليفةَ أبيه على مَرْو، فمات في رجب، وأبوه قد قطع النهر غازيًا، وكان المغيرة جوادًا شجاعًا سيِّدًا، ووصل الخبر إلى أبيه فاسترجع، وبكى وحزن عليه حزنًا أثَّر فيه، وبعث ابنَه يزيد بن المهلّب إلى مرو، وبلغ الحجاج فكتب إلى المهلب يُعَزّيه، وكان المهلّب على مدينة كِيش وراء النهر يحارب أهلَها.

وسار يزيد إلى مرو في ستين راكبًا، فلقيهم خمس مئة من الترك في مَفازة نَسَف، فقالوا: ما أنتم؟ قالوا: تجار. قالوا: فأين أمتعتُكم؟ قالوا: قدَّمْناها، فطلبوا منهم شيئًا، فأبى يزيد أن يُعطيهم، وأعطاهم مُجَّاعة بن عبد الرحمن العَتَكي ثيابَ كَرابيس وقوسًا، وقيل: أعطاهم عِمامةً صفراء وانصرفوا، ثم غدروا وعادوا إليهم، فقال يزيد: أنا كنتُ أعلمُ بهم، فقاتلوهم فهزمهم يزيد، وكان يزيد قد رُمي في ساقه، فقال له مُجَّاعة: ناشدتُك الله فقد هلك المغيرة، وقد رأيتَ ما دخل على قلب أبيك بسببه، فاللهَ اللهَ في نفسك أن تُصاب اليوم، فقال: إنما هلك المُغيرة بأجَلِه، ولن أَعْدُوَ أجَلي، فمازال مُجَّاعةُ به حتى صَرفه عن قتال التُّرك، وافترقوا، وفيه يقول الشاعر (٢): [من البسيط]

والتُّرْكُ تَعلمُ إذ لاقى جُموعَهمُ … أَنْ قد لَقَوهُ شِهابًا يَفرِجُ الظُّلَما

بفِتيةٍ كأُسودِ الغابِ لم يَجدوا … غيرَ التَّأسِّي وغيرَ الصَّبْرِ مُعْتَصَما (٣)


(١) "التبيين" ٣٣٨.
(٢) في (أ) زيادة: من أبيات.
(٣) "تاريخ الطبري" ٦/ ٣٥٠ - ٣٥٢.