للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومعروفًا الكرخي.

وانتفع ببشر الحافي، وهو كان سبب تزهُّده، [حدثنا غير واحد عن محمد بن أبي منصور بإسناده إلى وَهْب بن نُعيم بن الهَيصَم قال: جاء حسن الفلَّاس إلى بشر بن الحارث] (١) يسأله في مسألةٍ؛ ليكون حجَّةً فيما بينه وبين الله تعالى، فوجد بشرًا في المقابر، فقال له: يا حسن، يودُّ هؤلاء أن يُرَدُّوا ليصلحُوا ما أفسدوا؟

[وفي رواية:] يا حسن، لو قيل لهؤلاء: ما تشتهون؟ لقالوا: أن نردَّ إلى الدنيا، فنصليَ ركعتين، ونصوم يومًا، [ثم قال:] (٢) أوصني، فقال له بشر: يا حسن، إنَّه من فرحَ بشيءٍ من الدنيا أخطأ الحكمةَ قلبُه، ومن جعل شهواتِ الدُّنيا تحتَ قدميه فَرِقَ الشيطانُ من ظلِّه، ومن غلب هواه فهو الصابرُ الغالب. ألا واعلم أنَّ البلاءَ كلَّه في هواك، والشفاءَ كلَّه في مخالفتك إيَّاه، فإذا لقيتَ الله تعالى فقل: قال لي بشر.

فرجعَ الحسنُ، فعاهدَ الله تعالى أن لا يأكل ما يُباع، ولا ما يُشترى، ولا ما يُلبس، ولا ما يُقتنى، ولا يُمسِك بيده ذهبًا ولا فضةً ولا يضحك أبدًا، وكان يأوي ستَّةَ أشهر في العباسيَّة قريةٍ قريبةٍ من بغداد، وستَّةَ أشهر حول دار البطيخ محلةٍ خارجةٍ عن بغداد، ويلبسُ ما في المزابل، فقيل له: يا حسن، من ترك شيئًا لله عوَّضَه اللهُ خيرًا منه، فما عوضك؟ فقال الحسن: الرضَا بما أنا فيه.

ومرضَ، فلمَّا احتضر قيل له: كيف أنت؟ فقال: لقد أعطاني ما يتنافسُ فيه المتنافسون (٣).

ودُفِن قريبًا من بشر الحافي رحمةُ الله عليهما.

[وفيها توفي]

الحسنُ بن محمد بن الصَّبَّاح

أبو عليّ الزعفرانيّ، من قرية بالعراق يقال لها الزعفرانيَّة، وهو صاحبُ الإمام


(١) ما بين حاصرتين من (ب). وفي (خ) و (ف): جاء إليه.
(٢) ما بين حاصرتين من (ب). وفي (خ) و (ف): فقال.
(٣) المنتظم ١٢/ ١٥٨ - ١٥٩.