للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وعَديّ القائل: [من البسيط]

يا أيُّها الرَّكبُ سيروا إن قَصْرَكُمُ. . . أن تُصبِحوا ذات يومٍ لا تَسيرونا

حُثُّوا المَطِيَّ وأَرخوا من أَزِمَّتها. . . قبل المماتِ وقَضوا ما تُقَضُّونا (١)

وكان عَديٌّ يَهوى هندًا بنت النعمان، وكانتْ من أجمل النِّساء، رآها في بِيْعةٍ في خميسِ الفِصْح، وذلك في أيَّام المنذر، وكان قد قدِم عليه بهدية من عند كسرى. وكان لهندٍ أَمَةٌ يقال لها: مارِيَة، فعشِقتْ عديًّا، فأرادتْ أن تتقرَّب إليه بهند، فقالت له: هل لك أن تَقع عليَّ، وأتسبب لك في هند؟ فأدْخلها حانوتَ خَمَّار، ووقع عليها، فأعملت الحيلة حتى جَمعتْ بينهما في البِيْعة، فعَشِقتْه هندُ وخطبها إلى النعمان فزوجه إياها، وكان جميلًا، وأقامت معه حتى قتله النُّعمان، فترهَّبتْ بدير هند ظاهر الحيرة، وأقامت به إلى صدر الإسلام، وماتت في ولاية المغيرة بن شُعبة على الكوفة من قِبَلِ معاوية، وخطبها المغيرة، فقالت: والله ما بي بقيَّة من جَمال، ولكنَّك أردتَ أن تقول في المواسم: ملكتُ مملكةَ النعمان، ونكحتُ ابنتَه. فقال المغيرة: صَدقْتِ.

ويقال: إن هندًا كانت تهوى زرقاءَ اليمامة، وهي أوَّلُ امرأةٍ أَحبَّت امرأةً من العرب، فلما قُتِلتْ زرقاء اليمامة، ترهَّبتْ ولَبِستْ المُسوح، وبنَتَ بظاهرِ الكوفة دَيْرًا وسَكنَتْه. وهذا بعيدٌ؛ أين هند من زرقاء اليمامة؟ الزرقاء كانت في زمن جَذيمة، والنعمانُ في آخر ملوك الحيرة.

ولما حَبس النّعمان عديًّا أكرهه على طلاقها، فطلقها (٢).

[ذكر مقتل النعمان]

أقام زيد بن عدي عند كسرى يُعمِلُ الحِيْلةَ في قتل النعمان، والأخذ بثأرِ أبيه، وما كانت الفُرس تتعرَّض لنساء العرب، فوصف زيد لأبرويز نساءَ آل المنذر، فكتب أبرويز إلى النُّعمان أن يبعث إليه بأخته أو ابنته ليتزوَّجَها، وبعث بالكتاب مع زيد بن عَدي. فلما قرأ الكتابَ قال: أما كان لأبرويز في مها السواد كفايةٌ حتى تَخطّى إلى كرائم


(١) تاريخ دمشق ٤٧/ ١٢٨ (طبع المجمع)، ونسبهما أبو الفرج في الأغاني ١٥/ ١٩ إلى مضاض بن عمرو.
(٢) انظر الأغاني ٢/ ١٢٨ - ١٣٣.