للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولما قصد النعمانُ بابَ كسرى مرَّ على بني شيبان فأودعهم أهلَه وعيالَه ودروعَه وسلاحَه وزوجته المتجردة -وكانت دروعُه عشرة آلاف شِكَّةً (١) - فلما قُتِل أَرسل كسرى يطلبها، وكان زعيمُ القوم هانئُ بنُ قَبيصة بن هانئ بن مسعود، فامتنع هانئ من تسليمها إليه، وقال: قد استجار بي، فكيف أَخفِر ذِمامَه؟ فكان ذلك سببًا ليوم ذي قار.

[فصل في ترجمة النعمان بن المنذر]

كان شجاعًا فاتكًا، وكان له يومان: يوم بُؤسٍ، ويوم نَعيم. فمن لَقيه في يوم نعيمه وصله، ومَن لقيه في يوم بُؤسه قَتله. فلقيه عَبيد بن الأَبرص الشاعرُ في يوم بؤسه فقتله.

وقال الهيثم: لقي يومَ بؤسِه رجلًا فقال له: ما حملك على الخروج في هذا اليوم وقد علمتَ أنه يوم بؤسي؟ فقال: حملني العشقُ لابنة عمٍّ لي، تَواعدنا إلى مكان كذا، فخيَّرتُ نفسي بين أن أَراها وبين أن أُقتَلَ، فاخترتُ القتل. فقال: اقتلوه. فقال: أيها الملك، دَعْني أرى محبوبتي واقتُلني بعد ذلك. فقال: ومَن يَضمنُك أن تعود؟ فالتفتَ الرَّجل وجعل يُدير طَرْفَه في الناس، فاختار كاتبَ النعمان، فقال: هذا. فقال النعمان للكاتب: أَتضمنه؟ قال: نعم. قال: فإن لم يأت قتلتُك. قال: نعم. فمضى الرجل ثم عاد، فقال له النعمان: أيها الرجل، ما حملك على الرجوع وقد علمتَ أني قاتلُك؟ قال: خفتُ أن يذهب الوفاء. قال لكاتبه: ما حملك على ضمانه ولم تَعرفْه؟ قال: إنه تصفَّح الوجوه فاختارني، فخفتُ أن يَذهب الكرمُ. فقال: وأنا أخاف أن يذهب العفو، فعفا عنه ورفع يوم البؤس.

ذكر وِفادةِ النُّعمان على كسرى وتفضيله العرب على سائر الأُمم

وفَد النُّعمان على كسرى وعنده وفود الصّين والهند والفرس والروم وغيرِهم، فذكروا (٢) ملوكَهم وبلادَهم، فافتخر النُّعمان على جميع الأمم بالعرب، ولم يَستثْنِ فارسًا ولا غيرها، فغضب كسرى، وأخذته عِزَّة المُلك، وقال: يا نعمانُ، إني فكَّرت في أمر العرب ومن يَرِدُ عليَّ من الأُمم؛ فوجدت أهلَ الهند والصِّين لهم حظّ في اجتماع آرائها، وكثرة صنائعها، وبُعْدِ هِمَمِها وفُروسِيَّتها، وطِيْبِ بلادها واتساعها،


(١) الشِّكَّةُ: ما يُلبس من السلاح. اللسان (شك).
(٢) في النسخ: فذكر، والمثبت من العقد الفريد ٢/ ٤.