للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[السنة الأربعون بعد المئة]

فيها هلكَ أبو داود خالد بن إبراهيم والي خراسان، وولاها أبو جعفر لعبدِ الجبار بن عبد الرحمن الأزدي.

وسببُ هلاكه أنَّ جماعةً من الجند شغبوا عليه، وكان نازلًا بظاهر مرو في دار، وكان ليلًا، فصعد إلى سطحها، فأشرفَ من الحائط ونادَى أصحابه، ليعرفوا صوته، فانكسرَت إجُرَّةٌ تحت رجله، فسقط وتكسَّر ظهره، فمات، وقام عاصم صاحب شرطته بخراسان حتَّى قدم عبد الجبار، فرفعَ إليه أنَّ جماعةً من القواد مائلين إلى آل أبي طالب، منهم مُجاشع بن حريث الأنصاريّ صاحبُ بخارى، وأبو المغيرة خالد بن كثير مولى تميم صاحب قوهستان، والحريش بن محمَّد الذهلي، فضربهم ضربًا مبرحًا، وقتلَ بعضهُم، وحبسَ بعضًا، وكان فيمن حبس الجنيد بن خالد الثعلبيّ (١)، ومعبد بن الخليل المُرِّيّ (٢)، وغيرهما.

وفيها أحرم بالحج أبو جعفر من الحِيرة، ومضى إلى مكة، فوقف بعرفة وخطب فقال: أيُّها الناس إنَّما أنا سلطانُ الله في أرضه، أسوسُكُم بتوفيقه ورشده، وخازنُه على فيئه، أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قُفلا، فإن شاء فتحني، وإن شاء أقفلني، فارغبُوا إلى الله في هذا اليوم الشريف، وسلُوه أنْ يهب لي ولكم من فضله فهو اليوم الذي قال فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآية (٣).

وفي هذه الحجة قال أبو جعفر للربيع: انظر إن رجلًا يُعرِّفني دورَ النَاس بالمدينة ولا يكلِّمني إلَّا جوابًا، فجاءه برجل من أهل المدينة، فأطلقَ له ألف درهم، ولم يكلِّمهُ إلا جوابًا، ولم يعطوه شيئًا، فجعل يسأله: هذه الدار لمن؟ فيقول: دار فلان، حتى قال: هذه دارُ عاتكة، فعجبَ أبو جعفر من ابتدائه بكلامٍ لم يسأله عنه، ثم فكَّر، فإذا الرجل قصد قول الأحوص من قصيدته التي يقول فيها:


(١) في تاريخ الطبري ٧/ ٥٠٣، وتاريخ الإِسلام ٣/ ٦٠٨: التغلبي.
(٢) في تاريخ الطبري ٧/ ٥٠٣: المزني.
(٣) انظر تاريخ الطبري ٨/ ٨٩.