للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أبو] جعفر المَجْذوم (١)

كان مُعتزلًا للعالم، وهو من أقران أبي العباس بن عَطاء.

قال لي (٢) أبو الحسين الدَّرَّاج: كنتُ أحجُّ فيَصْحَبُني جماعةٌ، فكنتُ أحتاجُ إلى القيام معهم والاشتغال بهم، فخرجتُ في بعض السنين إلى القادِسيَّة، فدخلتُ المسجدَ فإذا رجلٌ في المِحراب مَجْذومٌ، وعليه من النبلاء شيءٌ عظيمٌ، فسلَّم عليَّ وقال لي: يا أبا الحسين، عَزَمتَ على الحجِّ؟ قلتُ: نعم، على غَيظٍ وكراهيةٍ له، فقال: فالصُّحْبة؟ فقلتُ في نفسي: هَربتُ من الأَصِحَّاء أقعُ في أيدي المُجَذَّمين! فقلتُ: لا والله، فقال: يا أبا الحسين، يَصنَعُ الله للضَّعيف حتى يَعجَبَ القويُّ، فقلت: نعم، على الإنكار عليه.

وخرجتُ أمشي، فأتيتُ المُغِيثَة بعد يوم وليلة، وإذا به قد سبقني فقال: يصنع الله للضعيف حتى يعجب القوي.

ثم سِرْنا، وإذا به سَبَقَنا إلى النَّاطِف (٣)، فأتيتُه في بعض المنازل، فاعتذرتُ إليه وقلتُ: الصُّحبة، فقال: ما نُحْنِثُكَ في يمينك.

وقدمتُ مكة، فاجتمعتُ بأبي بكر الكتَّاني وأبي الحسن المزيِّن وجماعة، فذكرتُ لهم حديثَه فقالوا: يا أحمق، ذاك أبو جعفر المجذوم، ونحن نسألُ الله أن نراه، فإن رأيتَه فتعلَّق به لعلَّنا نراه، قلتُ: نعم.

وخرجنا إلى عرفات فلم أره، فبينا أنا أرمي الجِمار جَذَبني إنسان من ورائي وقال: السَّلام عليك يا أبا الحسين، فالتفتُّ فإذا به، فلَحِقَني من رؤيته شيءٌ عظيم، وغُشِيَ


(١) تاريخ بغداد ١٦/ ٥٩٦، والمنتظم ١٣/ ٣٣٢ وما بين معكوفين منهما، وحلية الأولياء ١٠/ ٣٣٣، وصفة الصفوة ٢/ ٤٦٣.
(٢) القائل هو محمَّد بن خفيف كما في المصادر.
(٣) كذا في (خ)؟! وفي المصادر: القَرْعاء، وهو منزل في طريق مكة من الكوفة بعد المغيثة، وبين المغيئة والقرعاء: الزبيدية ومسجد سعد والخبراء. انظر معجم البلدان ٤/ ٣٢٥.
وثمة مكان يقال له: قُسّ الناطف قريب من الكوفة على شاطئ الفرات الشرقي كانت عنده وقعة بين المسلمين والفرس. انظر معجم البلدان ٤/ ٣٤٩، والروض المعطار ٤٨٠، وتاج العروس ١٦/ ٣٧٤.