للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[السنة الثانية والعشرون بعد المئتين]

فيها أمدَّ المعتصمُ الأفشين بالأموال؛ سيَّر إليه مع إيتاخ وجعفر بن دينار بثلاثين ألف ألف درهم نفقات الجند، وبلغَ بابك، فأرسل قائدًا من قوَّاده إلى أصحاب الأفشين، فواقعهم، واسم القائد آذين، وكان شجاعًا، لمَّا عزم على المسير إلى لقاء أصحاب الأفشين ترك عياله وأهله وأمواله على رأس جبلٍ حصين، فقال له بابك: أَدْخِلْهُم الحصنَ، فقال: لا أكونُ مثل هؤلاء اليهود -يعني المسلمين- يقاتلونَ من وراء الحصون والخنادق.

وسار أصحاب الأفشين إلى كَلان رُوذ (١) ومقدَّمهم أبو سعيد، وأردفه الأفشين بجماعة، فبعث أبو سعيد جماعةً من وراء الجبل الذي عليه عيال آذين من مضيقٍ هناك، فأخذ بعض العيال وعطف عليهم آذين، فقاتلَهم فظهرُوا عليه، فأخذوا بعضَ العيال، ورجعوا إلى الأفشين (٢).

وفيها فتحت البذُّ مدينة بابك في يوم الجمعة لعشرٍ بقين من شهر رمضان، وسياق الحديث أنَّ الأفشين كان يدنو منها قليلًا قليلًا، فضجَّ الناس من التعب وقالوا: كم نقعد هاهنا، وبيننا وبين العدوِّ مسافةٌ يسيرةٌ؟ وكان بينهم أربعة فراسخ، وقالوا للأفشين: قد استحينا من الناس، فأقدم بنا، فإمَّا لنا وإمَّا علينا. فسار إلى الجبال التي فيها البذّ، فأحدقَ بها، ورتَّب العساكر والرجَّالة، وأنفق الأموال، وفرَّق العُدد، وصيَّر العساكر كراديس كراديس، وأتاه رسولُ بابك ومعه قثاء وبطيخ وخيار، يخبره أنَّه في خفض عيش، وأنَّ الأفشين وأصحابه في أضيق (٣) عيش، فقال للرسول: قد عرفتُ قصدَه، ولكن (٤) الأفشين قد حفر ثلاثَ خنادق، وأقامَ عليها الرجال بالعُدَد خوفًا من البيات، فدارَ الرسول على العساكر فشاهدَ شيئًا لم ير مثلَه قط، فعاد فأخبر بابك.


(١) معناه: النهر الكبير، وهو بأذربيجان قريب من البذّ. معجم البلدان ٤/ ٤٧٥.
(٢) تاريخ الطبري ٩/ ٢٩ - ٣٠.
(٣) في (ف): ضيق.
(٤) كذا، ولعلها: وكان.