للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[السنة السادسة والأربعون بعد المئة]

فيها بنى بغداد وتحوَّل إليها أبو جعفر في صفر، وكتب إلى الآفاق أن تَرِد عليه خطباؤهم وشعراؤهم وعلماؤهم، فكان فيمن قدم عليه من شعراء المدينة:

إبراهيم بن علي بن سَلَمة بن عامر بن هَرْمَة، أبو إسحاق الفِهري المدني، من الخُلُج، والخُلُج قوم من عَدْوان، ألحقهم عمر بن الخطاب بالحارث [بن فِهْر] بن مالك بن النَّضْر بن كنانة (١)، وسمُّوا بذلك لأنهم اختُلِجوا من عَدْوان.

وكان ابن هَرْمَة شاعرًا فصيحًا، وهو أحد المخضرمين، أدرك الدولتين بني أمية وبني العباس، وكان يمدح الطالبيين ويحبّهم، ويقدّمهم علي بني العباس، وخرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فلما قُتل عاد إلى المدينة فأقام بها إلى أن قدم فيمن قدم على المنصور.

قال ابن هَرْمَة: دخلتُ عليه وأنا خائف منه وقد جلس للناس وبينه وبينهم سِتْر، وقد اجتمع الخطباء والشعراء من كل مصر، وأبو الخَصيب الحاجب قائم عند الستر يقول: يا أمير المؤمنين، هذا فلان الخطيب، ثم يقول: اخطب، وهذا فلان الشاعر، ثم يقول: أنشد، قال ابن هرمة: وكنتُ آخر مَن بقي، فقال الحاجب: يا أمير المؤمنين، هذا ابن هَرْمَة فقال: لا مرحبًا به ولا أهلًا، ولا أنعم الله به عينًا، فاسترجعتُ وقلت: ذهبتْ والله نفسي، فقلتُ في نفسي: هذا موقف إن لم أُنشد فيه هلكتُ، فقال أبو الخَصيب: أنشِدْ، فأنشدتُ قصيدتي اللامية، إلى أن قلتُ في مدحه: [من الطويل]

له لَحَظات في خَفاء سَريرةٍ … إذا كَرَّها فيها عِقابٌ ونائلُ

فأمُّ الذي أمَّنتَه تأمَنُ الرَّدى … وأُمُّ الذي حاولتَ بالثُّكْلِ ثاكِلُ (٢)

فقال: يا غلام، ارفع الستر، ثم قال: أتممها، وقال: ادنُ فدنوت، فجلستُ بين يديه وبيده مِخْصَرة فقال: يا إبراهيم، قد بلغني عنك أشياء ولولاها لفضَّلتُك على


(١) كذا، وفي الأغاني ٤/ ٣٦٧، وسمط اللآلي ص ٣٩٨ أن الذي استلحقهم عثمان بن عفان . وما بين معكوفين منهما.
(٢) وتقدمت أبيات ابن هرمة في الصفحة ٤١.