للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قلتُ: وهذه الرواية أليقُ بسليمان أنْ يكونَ على وجه العِنَاد للهِ تعالى، لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والنسيانُ لا ينفك عنه أحد. وقد روي أن هذا القولَ أحدُ أسباب فتنة سليمان.

فصل في قصة جرت لصديق سليمان مع مَلك الموت

روى وهب بن منبه عن الضحاك عن ابن عباس قال: كان لدَاود صديقٌ من بني إسرائيل يُدني مجلسه ويشاوره في أموره، فلمَّا مات دَاود وقام سُلَيْمان أنزله منزلته عند أبيه، وكان مَلَك الموت يدخل على سليمان ويستقضي حوائجه، فدخل عليه يومًا وعنده صديق أبيه، فلما خرج مَلكُ الموت قال له الرجل: أسألك بالله أن تأمر الرِّيح أنْ تحملني إلى أقصى جَزيرَةٍ بالهِند فتطرحني هناك، قال سليمان: ولمَ؟ قال: لأنَّ الرجل الذي دخل عليك لَحَظَني لحظةً لم أتمالكْ عندها، فأمر سليمان الرِّيح فحملته إلى الهِند، وحزن سليمان لفقده، فدخل عليه مَلَك الموت فقال: مالي أراك حزينًا؟ فقال: لأجل فَقدي لصديق أبي. فقال مَلَك الموت: الساعةَ قبضتُ روحه بأقصى جَزيرةٍ (١) بالهِند، أمرني الله بذلك، فبكى سليمان وقال: يا لله العجب.

[حديث الطائر مع سليمان]

روى محمد بن إسحاق عن كعب قال: مرَّ سليمان على طائر يرفرف على فراخه ويزقُّهم (٢) ويعلمهم الطيران، فقال: ليت سليمانَ حبس جيشه حتى أُدخلَ فراخي إلى العش، فوقف له سليمان حين سمعه، فلما أدخل فراخه العش وخرج من العش أخذ الماءَ بمنقاره وجعل يرش الطريق بين يدي سليمان شكرًا لما صنع.

وذكر أبو المعالي بسند له في كتاب "لوامع أنوار القلوب" قال: راود خطّافٌ خطافةً فامتنعت عليه، فقال: لو شئتِ أن أقلب القبَّة على سليمان لفعلتُ، وبلغ سليمانَ فأحضره وقال: قلت كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: ما حملك عليه؟ قال: يا نبيَّ الله، العشاقُ لا يؤاخَذون بما يبدو منهم، قال: صدقت.


(١) في (ب) و (ط): مدبرة، والمثبت من "العاقبة في ذكر الموت" لعبد الحق الإشبيلي ١/ ٤١.
(٢) يَزُقُّهم: أي يطعمهم.